الصديق يجاهد بنفسه
قال الشيخ:كان أبو بكر رضي الله عنه أول من استجاب للرسول الأعظم فأسلم وشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله، وكان واضحاً أن الطريق طويلة حتى يفتح الله فتحه المبين، ولكنه رضي الله عنه بالايمان الذي وقر في قلبه وبحبه للرسول الأعظم، باع نفسه وأهله وماله لله واختار الطريق الأصعب للنجاة في الدارين وإن كان الثمن تخليه عن حياته الرغيدة بما فيها من جاهٍ ومال ونعيم.
لقد كانت أولى ثمرات إسلامه رضي الله عنه إسلام خيرة من الصحابة كل واحد منهم يعدل امة، منهم الزبير بن العوام وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون وغيرهم.
فقد كان رضي الله عنه خير من يتصدى للدعوة بعد الصادق الأمين، وهو ذو الحكمة ورجاحة العقل والعالم بالأنساب والتاريخ ،والموثوق به في أمر الديات والمغارم، والتاجر الذي لا ينقصه مال.
إلا أن هذه الدعوة منه رضي الله عنه ومن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم مع سريتها في البداية راحت تلقى ردود فعل عنيفة من أهل الكفر لعلهم يستطيعون وأدها في مهدها ، وقد قدم أبو بكر أول ما قدم نفسه التي بين جنبيه وجسده الذي قدمه للضرب والاذى فداء لجسد الرسول الأعظم الشريف،
فعندما بلغ المسلمون ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله في الظهور، فقال عليه الصلاة والسلام : يا أبا بكر إنا قليل، فلم يزل يلح حتى ظهر عليه الصلاة والسلام ومعه طلائع المسلمين، تفرق الصحابة في المسجد الحرام كلٌ الى عشيرته وقام أبو بكر خطيباً والرسول الأعظم جالس،
وثار المشركون على أبي بكر فضربوه في نواحي المسجد ضرباً شديداً ووطئ ودنا منه عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه وقفز على بطن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب إلى بيته فلما أفاق آخر النهار كان أول ما سأل عنه الرسول الأعظم فلم يذق طعاماً حتى اطمأن عليه (أبو بكر الصديق، علي الصلابي ص 32. 33).
وفي موطن آخر كان النبي الأعظم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم متحملاً الأذى بعد أن رمى نفسه على جسده عليه الصلاة والسلام لينال ما يريد ألا ينال حبيبه.
ومما يروي عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قام خطيباً وقال يا أيها الناس من أشجع الناس، قالوا :أنت يا أمير المؤمنين ،فقال : أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكنه أبو بكر... وإنا جعلنا لرسول الله عريشاً-في غزوة بدر- فقلنا من يكون مع رسول الله لئلا يهوي إليه أحد المشركين ؟ فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يهوي إليه أحد إلا أهوى عليه، فهذا أشجع الناس ... ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش فهذا يُحاده وهذا يتلتله فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويجاهد هذا ويتلتل هذا وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله..... إلى آخر الحديث ( البداية والنهاية (3/ 271)).
هذه لقطات وغيرها كثير، تشهد على شجاعة الصديق وجرأته في الحق وحبه للرسول الأعظم ويقينه بالله تعالى، فمن يطلب الظهور في قريش والمسلمين قلة وعتاولة الإشراك في المسجد لا يمكن وصفه بأقل من أنه شجاع بالحق وللحق، ومن يذود عن النبي صلى الله عليه وسلم ويحميه من الضربات بارتمائه عليه كأنه الترس يحول بينه وبين عدوان الاشراك لا يمكن وصفه بأقل من أنه ذو قلب أشرب بالإيمان وبالحب، إيمان بالله وبدينه الذي يمثل الحقائق التي هي لا بد ظاهرة في يوم من الأيام، وحب لله ولرسوله، ومن غير الله ورسوله يشرف المحب بحبهما، إنه راح شرب منه الصديق فالتقى النبل فيه بشرف المحبوب فإذا بكل شيء يهون في حال من فرح بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
إنني والله لا أرى إلا هذا الفرح بالله ورسوله وقد سيطر على فؤاد وجوانح أبي بكر، فإذا به لا يصبر على كتمان هذا الفرح فيصر على الرسول أن يسمع صوته للدنيا، ما الثمن؟! عدوان وأذى يصدران عن فساق المشركين؟ فليكن..... فما في القلب من دفقات فرح وحب يداوي آلام الجسد، أما شهادة علي كرم الله وجهه وحبه للصديق فهي إشارة إلى شجاعة أبي بكر وإلى محبة علي رضي الله عنه وتواضعه مع الصديق، وقد كان هذا دأب الصحابة لا يحملون في قلوبهم إلا الحب من بعضهم للآخر.
ماهر سقا أميني