رغم أنها كانت ترغب في عائلة كبيرة إلا أنها لم ترزق إلا بطفل وطفلة، اعتنت بهما كثيراً لعلهما يكونان سنداً لها عندما تبلغ من الكبر عتيا، كانت تحرص كل الحرص على الاعتناء بهما ولا تترك ذلك للخادمة، وكانت دائما تطلب منهما أن يحبا بعضهما بعضا، قائلة لهما «سأترك هذا العالم في يوم من الأيام ولن يبقى لكما في هذه الدنيا إلا حبكما لبعضكما البعض».
مرت الأيام بطيئة على السيدة التي مات عنها زوجها وترك لها هذا الحمل الثقيل فهي تقوم بدور الأب والأم معاً ومع ذلك فهي راضية بما قسمه الله لها، كانت السيدة تعمل في وظيفة حكومية لكنها أخيراً تقاعدت بعد أن أصيبت بآلام في ساقيها، ومع ذلك فقد استطاعت أن تدبر أمرها فالمعاش الذي تأخذه ومعاش زوجها كانا كفيلين بسد حاجتها المادية.
عندما كبر الطفلان دخلت (س) الجامعة وتخرجت من قسم الإعلام في حين دخل أخوها (ر) إحدى الكليات التي تدرس مادة الكمبيوتر لمدة ثلاث سنوات.
انضمت (س) إلى إحدى المؤسسات الإعلامية واستطاعت بجهودها أن تحقق لنفسها مكانة جيدة في تلك المؤسسة وأن تعوض والدتها الكثير من المال الذي أنفقته على تعليمها وتعليم أخيها.
ليس هذا فقط بل كانت لا تبخل على أخيها بالفلوس حتى وجد وظيفة في إحدى الدوائر الحكومية، كانت (س) فتاة خلوقة حسنة التصرف جميلة المظهر والهندام، لذا فكر أحد زملائها بالارتباط بها.
كانت (س) تبادل الشاب المشاعر ذاتها لذا تم الارتباط بينهما بدون أية مشاكل وانتقلت (س) إلى بيت زوجها الذي لا يبعد كثيرا عن بيت والدتها.
مرت الأيام جميلة على (س) ورغم أنها لم ترزق بذرية خلال سنين زواجها التي امتدت لأربع سنوات إلا أن ذلك لم يغير من حياتها أو تفاؤلها شيئاً، والأهم من ذلك أن زوجها لم يكن من ذاك النوع الذي يلومها على عدم الإنجاب لأنه يعرف أن ذلك بأمر الله.
أما (ر) فقد كان كل اهتمامه البحث عن السهرات مع الشباب الذين هم في عمره وشراء السيارات الرياضية ورغم أنه لم يكن يمتلك المال الكافي لكل ذلك إلا أنه كان يجد الحل في الاقتراض من البنوك وإعطاء شيكات مؤجلة وعندما لم يكن يجد مالاً لتغطية قيمة الشيك كان يطلب من أخته أن تدفع عنه ذلك.
كانت (س) لا تبخل على أخيها بشيء فهو كل شيء لها في هذه الحياة لكنها كانت دائماً تنصحه بأن يهتم بماله وأن لا ينفق كل شيء معه على السهرات في المقاهي مع الشباب فالنعمة لا تدوم إذا لم يحافظ الإنسان عليها.
الإجازات الصيفية
شأنه شأن الشباب في عمره كان (ر) يقضي إجازة الصيف في الخارج وعندما لم يكن لديه المال الكافي لذلك كان يقترض من البنوك، وخلال أسفاره مع رفاقه تعرف (ر) على فتاة لم تر عينه أجمل منها فقد انبهر بها بشكل لا يصدق، قضى (ر) مع تلك الفتاة أوقاتاً جميلة (هكذا خيل له) لذا عندما عاد من سفره أخبر والدته بأنه يريد الزواج من تلك الفتاة إلا أن الشاب وجد معارضة كبيرة من والدته وأخته وزوج أخته معتبرين أن زواجاً كهذا سيفشل قبل أن يبدأ خاصة وأن التعارف بينه وبين الفتاة تم في مكان غير سوي.
حاول الجميع إقناعه بأن هذه الفتاة، إحدى بنات الهوى وأنها بالتأكيد تعيش الآن مغامرة مع رجل آخر ورجل ثالث ورابع وهكذا، لأن هذه هي مهنتها إلا أن (ر) لم يقتنع بذلك واعتبر أن الأمر لا يعنيهم، فهو حر في حياته وحر في اختيار الفتاة التي يريدها زوجة له.
هنا تدخلت (س) بقوة قائلة بأنها ستقطع عنه كل الفلوس التي تعطيها له إن هو أقدم على هذه الخطوة، كان تهديد (س) قويا فقد جعله يفيق على حقيقة مرة وهي أنه لولا الفلوس التي يأخذها من أخته لما استطاع أن يسدد قروض البنوك، وسيكون مصيره السجن، لذا قرر أن ينصاع لأمر أخته وان يصرف النظر عن الزواج من تلك الفتاة.
الأمر ليس سهلاً
لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة إلى (ر) كي يتخلى عن تلك الفتاة لكنه اضطر لذلك تحت إصرار أخته التي كانت تريد له الخير حتى أنها عرضت عليه تزويجه من صديقه لها، قائلة له بأنها فتاة جميلة وميسورة الحال ومن أسرة طيبة، لكنه قال لها بأنه صرف النظر عن الزواج.
ولكي ينسى تلك الفتاة نصحه أحد أصدقائه بأن يتعرف على فتاة جديدة ومن ذات جنسية الفتاة الأولى فهؤلاء الفتيات متواجدات تحت الطلب في الشوارع والفنادق والمقاهي، وفعلاً استجاب (ر) لنصيحة صديقه وبدأ يتردد على الفنادق ذات الخمس نجوم لينتقي من الفتيات أجملهن لكن (ر) لم ينس فتاته الأولى وهنا نصحه صديقه بأن كأساً من الخمر ومعه القليل من المخدرات ستنسيه كل شيء حتى اسمه، ولكي يؤكد له الصديق ذلك قام بنفسه بدعوته إلى سهرة خاصة فيها النساء والخمر والمخدرات.
أخذ (ر) الكأس وشربه حتى آخره ولم يمض عليه أسبوع واحد حتى تعود على تلك (الخلطة) وأصبح مدمناً لها، هنا أحس (ر) بأنه بحاجة إلى الفلوس، لذا عندما حاول أن يقترض من البنوك قوبل طلبه بالرفض وذلك لأن رصيده كان يسجل بأنه مدين لأكثر من عام كامل.
بدأت الضغوط تزداد على (ر) فلم يعد قادراً على ترك تلك الخلطة الملعونة، لكن لم يكن لديه ما يكفي من المال لذا قرر الاقتراض من بعض زملائه في العمل ورغم أن البعض أعطاه إلا أن آخرين رفضوا ذلك بعد أن عرفوا مسلكه، هنا لجأ (ر) إلى والدته طالبا منها ما تدخره من مال، بحجة أنه مريض وسيجري بعض الفحوصات في عيادة خاصة، وبالطبع فإن المسكينة لم تبخل عليه بما تملك لذا أعطته ما كان معها من نقود، إلا أن تلك النقود لم تسعفه لفترة طويلة حيث عاد يطلب منها النقود من جديد، وعندما أخبرته بأنها لا تملك ما طلب منها، لكنها ستبيع بعض مقتنياتها الذهبية.
هنا أحست الأم بأن الأمر ليس مرضاً وعلاجاً بل وراءه شيء آخر، فأخبرت ابنتها بالحالة التي وصل إليها (ر)، في المساء التقت (س) بأخيها حيث كان يهم بالخروج عندما استوقفته لتسأله عن حاله أخبرها بأنه بحاجة إلى المال، هنا سألته عن مرتبه وأين يذهب، وأين ذهبت الفلوس التي أخذها من والدته؟ فما كان منه إلا أن بدأ يصرخ في وجه أخته، طالباً منها الابتعاد عن طريقه.
طلبت (س) من زوجها أن يعرف أين يذهب أخوها وأين ينفق فلوسه، وبعد أيام جاءها زوجها بتقرير كامل عن أخيها وعن تصرفاته، فراحت تبحث عن عيادة لعلاج أخيها من الإدمان وعندما عرضت عليه الفكرة رفضها كلياً قائلا لها بأنه سعيد في حياته هذه ولا يريد أن يبتعد عنها ولا عن أصدقائه.
لكن (س) أخبرته بأن طريق هذه الحياة التي يعيشها ستوصله إلى السجن فإن لم يقع اليوم في يد الشرطة فإنه سيقع غداً أو بعد غد.
رغم المحاولات التي بذلتها أخته وكذلك والدته وزوج أخته إلا أن (ر) بقي مصراً على غية بل زاد في ذلك أنه عندما لا تعطيه والدته المال كان يضربها، لذا اضطرت كثيراً لأن تأخذ فلوساً من ابنتها حتى تتقي شر ابنها وضربه لها، ومع أنها فكرت في بعض الأحيان أن تشتكيه إلى الشرطة إلا أنها كانت خائفة عليه أن يسجن وتضيع عليه وظيفته ومستقبله.
في إحدى الليالي احتاج (ر) إلى سهرة حمراء مع أصدقائه لكنه لم يجد المال اللازم لذلك حيث كانت والدته في المستشفى، هنا اضطر للذهاب إلى أخته طالبا بعض المال لكنها أخبرته بأنها على استعداد لأن تعطيه كل شيء لو أن الأمر لا يتعلق بالنساء والخمر والمخدرات، هنا ثار وبدأ يشتم أخته ويهددها بالقتل إن هي لم تعطه المال. وأخيراً قررت أن تعطيه ما يريد على أن تكون هذه آخر مرة يأخذ منها نقودا.
بدأت (س) تفكر في إخبار الشرطة طالبة منهم المساعدة فهي تعرف أنه إذا ذهب الشخص المدمن من تلقاء نفسه لطلب المساعدة فإنه يعد في هذه الحالة مريضا ولكن إذا تم إلقاء القبض عليه متلبسا فإنه سيحاكم بتهمة الحيازة والاتجار بالمخدرات.
أخبرت (س) زوجها بالفكرة من أجل إنقاذ أخيها حيث رحب بذلك وطلب من ابن عمه الذي يعمل ضابطا كبيراً مساعدته على ذلك، ذهبت (س) وزوجها والضابط إلى بيت (ر) حيث أخذوه من هناك إلى العيادة الخاصة بإعادة التأهيل.
بعد دخوله العيادة أحس (ر) بأنه فقد العالم بل وفقد حياته لذا رفض الاستجابة للدواء أو العلاج كما رفض تناول الطعام، وحاول الأطباء معه كثيراً لكن رفضه كان أكبر، لذا عندما ساءت صحته راح الأطباء يعطونه العلاج بالقوة.
عندما كانت (س) تزور أخيها كان يرفض لقاءها لأنها حسب رأيه هي السبب في الوضع الذي هو فيه، هذا الوضع الذي حرمه من حياة المتعة واللهو، لذا فإن حقده كله منصب عليها.
في إحدى الليالي بدأ (ر) يصرخ بأعلى صوته، مدعياً بأنه سيموت لذا قرروا نقله إلى المستشفى خوفاً أن تكون الزائدة الدودية انفجرت خاصة وأن كل الأعراض تشير إلى ذلك.
وأثناء وضعه على النقالة في المستشفى تمكن من الهرب حيث تم إبلاغ ذويه وإبلاغ الشرطة، وتمت مراقبة بيته وبيت أخته، لكن (ر) لم يأت إلى هذين البيتين، وأصبح واضحا أنه عاد إلى أصدقاء السوء من جديد وانهم يخفونه عن أعين الشرطة.
استمر غياب (ر) أكثر من خمسة أشهر دون أن يعرف أحد عنه شيئا، وفي إحدى الليالي بينما كانت (س) تجلس مع والدتها في بيت العائلة دخل عليهما (ر)، كان في حالة مزرية للغاية وكانت تفوح منه رائحة الخمر، ودون أن يحدث أخته طلب من والدته فلوساً.
هنا قالت له أخته إن ما قمت به خطأ كبيرا فكيف تهرب من المصحة وتعرض حياتك للخطر ومطاردة الشرطة لك، والعودة إلى أصدقاء السوء، لكن (ر) لم يرد عليها وطلب من والدته أن تعطيه فلوسا، هنا قالت له والدته بأنها لا تملك شيئا وأن عليه أن يعالج نفسه، من هذه المصيبة التي حلت به، اقتربت منه أخته وطلبت منه أن يجلس حتى تحضر له طعاما وأمسكت بهاتفها النقال تريد الاتصال بأحد المطاعم، فقال لها (ر) أنت لا تريدين طلب الطعام، أنت تطلبين الشرطة.
فقالت له أولا سنأكل الطعام معا وبعدها سأذهب معك لأوصلك إلى الشرطة بنفسي، حيث سنعود من هناك إلى المصحة كي تكمل علاجك، لكن وفي غفلة من (س) أخرج (ر) زجاجة كحول كبيرة من صدره وهوى بها على رأس أخته، فبدأت والدته بالصراخ لكن يده امتدت إلى عنقها وبدأت تضغط عليها حتى كادت أن تموت، ثم عاود الكرة مرة أخرى وقام بضرب أخته على رأسها بالزجاجة التي تكسرت إلى أكثر من قطعة.
وقعت (س) مغشيا عليها ولكي يتأكد (ر) من أن أخته ماتت قام بخنقها حتى خرج لسانها من حلقها ثم جحظت عيناها، وجلس بجانب الجثة وعندما حاولت والدته الاقتراب من ابنتها للاطمئنان عليها، قام (ر) بضربها ضرباً مبرحاً ثم قام بتكتيفها بالحبال، وسط صراخها واستعطافها أن يتركها.
فتح (ر) حقيبة أخته واخذ ما فيها من نقود ثم أخذ جثة أخته ووضعها في سيارتها التي كانت متوقفة أمام باب البيت.
انطلق (ر) بالسيارة مسرعاً إلى مدينة تبعد عن المدينة التي ارتكب فيها جريمته بنحو (140) كيلومترا حيث توقف أمام بيت بعيد ومهجور ووضع جثة أخته فيه، وبعد ذلك انطلق إلى منطقة أخرى حيث ترك السيارة في مكان بعيد عن الشارع العام وكأنه يخفيها عن أعين الشرطة.
في صباح اليوم التالي جاء زوج (س) يبحث عنها فقد كان الرجل مناوباً في الليل و عندما عاد في الصباح لم يجد زوجته لذا فكر بالذهاب إلى بيت والدتها حيث اعتادت أن تنام هناك عندما يكون هو في مناوبة ليلية.
فوجئ الرجل بوجود والدة زوجته في هذه الحالة، فقام بفك قيودها وأخبرته بكل شيء وطلبت منه إبلاغ الشرطة كي تبحث عن (س) فلعلها لا تزال على قيد الحياة.
بحثت الشرطة في كل مكان يمكن أن يكون فيه (ر) لعله يدلهم على (س) لكن جميع الجهود لم تفلح في ذلك، وخلال البحث تم العثور على سيارة (س) لكن الشرطة لم تستدل من خلالها على أية معلومة عن (س).
في إحدى الليالي داهمت الشرطة وكراً لمتعاطي المخدرات وكان من بين الذين تم اعتقالهم (ر)، خلال التحقيق معه اعترف بأنه قتل أخته لأنها كانت سترشد الشرطة عليه و تعيده إلى المصحة، لذا كان يريد الانتقام منها وقتلها.
قام (ر) بإرشاد الشرطة إلى المكان الذي وضع فيه جثة أخته.
أثناء المحاكمة وقف (ر) يتوسل إلى والدته بأن تسامحه وأن تتنازل عن حقها في دم أخته، فما كان من السيدة المسكينة إلا أن تنازلت أمام القاضي عن حقها الشخصي وحقها في دم ابنتها، إلا أن ذلك لم يعف (ر) من جريمة القتل وحيازة المخدرات والتعاطي.
إعداد أحمد سلطان
