شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال هذا العقد نهضة عمرانية غير مسبوقة تكاد تكون أشبه بالخيال، فانتشرت ناطحات السحاب في مختلف مدن الدولة فضلا عن إنشاء المدن والأحياء السكنية والتجارية الراقية ما يعكس التقدم والازدهار الحضاري الذي تعيشه الدولة.

وقد راهن المتشائمون على توقف الحركة العمرانية وعدم قدرة الدولة على استيعاب هذه الوحدات التي يجري انتشاؤها، لكن كل توقعاتهم خابت، فعمليات البناء والمشاريع العملاقة في ازدياد، بل ان السوق بحاجة للمزيد.

وحدة الدراسات في البيان نظمت ندوة لمناقشة واقع الحركة العمرانية وقطاع المقاولات في الدولة تحت عنوان:

«قطاع العقارات في دولة الإمارات العربية المتحدة.. نمو يناطح السحاب».

ودعت لها نخبة من رجال الأعمال ومديري الشركات العقارية والمختصين بقضايا العقارات والبناء والتطوير العقاري للتعرف على أبعاد النشاط العقاري في الدولة وآفاق مستقبله وذلك من خلال المحاور التالية:

* المحور الأول: نظرة على تطور واقع القطاع العقاري في الدولة والاستثمارات خارجها

* المحور الثاني: حجم النمو العقاري مقارنة بالنمو الديموغرافي ومدى تناغم سوق العرض مع الطلب والآثار الايجابية والسلبية لسوق العقارات والأراضي في الدولة وتشريعات التنظيم العقاري

* المحور الثالث: الاستثمارات الأجنبية في القطاع العقاري ما لها وما عليها وأبعاد حقوق التملك وقوانين الاستثمار وحرية السوق.

* المحور الرابع: آفاق الحركة العمرانية والعقارية في الدولة ومتطلبات المرحلة القادمة بالأرقام

وقد أوصى المتحدثون بإنشاء هيئة مستقلة أو دائرة للاستثمار العقاري تتمتع بالحيادية وتحافظ على حقوق المستثمرين والمطورين العقاريين والمشترين وكل من له علاقة بالقطاع العقاري وتتولى عملية التحكيم للتصدي للخلافات التي قد تحدث بين شركاء التطوير العقاري.

وقد نشرنا قبل يومين وقائع ما جرى في المحور الأول حيث اجمع المشاركون على ان النجاح الذي حققته دولة الإمارات العربية على الصعيد الاقتصادي عامة وفي مجال القطاع العقاري بشكل خاص ما كان ليتم لولا السياسة الحكيمة للقيادة الاماراتية حيث أقامت بنية تحتية راسخة مهدت للنهضة العمرانية التي نشهدها اليوم.

وفي الحلقة السابقة ناقش المشاركون في الندوة مضمون المحور الثاني والمتعلق بحجم النمو العقاري ومدى انسجامه مع النمو السكاني وواقع الأسعار وفق ما يعرف بسياسة العرض والطلب وفي هذه الحلقة نستكمل المناقشات ثم نعرض لآراء المشاركين في المحور الثالث بشأن الاستثمارات الأجنبية والتسهيلات التي توفرها الدولة لدخول المزيد من هذه الاستثمارات لسوق العقارات:

* فارس سعيد:

من المتوقع ان يتضاعف النمو السكاني في الدولة خلال 5 سنوات وبذلك نكون قد سلمنا بوجود الخلل في التركيبة السكانية لانه حتى لو تضاعف عدد المواطنين فان نسبتهم ستقل عما هي عليه الآن، وقد قرأت مرة مقالا بان الهدف الارتقاء بعدد المواطنين لنصل إلى أعلى نسبة من أكبر جالية في الإمارات ولكن الهدف الآن هو الوصول إلى أعلى نسبة من أدنى أقلية من السكان.

وما تفضل به الأستاذ سالم يقضي بالبحث عن حلول للسيطرة على هذا الخلل وتوجيه المقيمين والمستثمرين في الدولة بضرورة مراعاة قوانين وتقاليد الإمارات حتى لا تتأثر الهوية الوطنية نفسها، لأنه ليس من السهل السيطرة على التركيبة السكانية في ظل النمو العقاري والسكاني الحالي، إذ أصبح من جلبناهم لتطوير البلد مع مرور الزمن سكانا دائمين ولا يمكن الاستغناء عنهم لانهم أصبحوا احد مقومات نجاح دبي والإمارات بشكل عام، لان مئات الآلاف من الشقق والمكاتب التي يتم بناؤها بحاجة لعدد كبير من الناس.

وكانت خطط المستثمرين تقوم على أساس البناء لأكثر من عشر سنوات وهذا يعني شبه إقامة دائمة، وكانت بداية هذا الوضع خلال الطفرة العقارية عندما سمح بإعطاء إقامة دائمة لمالكي العقارات مما دفع الكثير من الناس للاستقرار في دبي لإحساسهم بالأمان.

وكما أتوقع فان هؤلاء المقيمين لا يفكرون بالمغادرة لان وضع الإمارات ممتاز وهي من أحسن بلاد العالم للعيش فيها، وأنا شخصيا أرغب في العيش في دبي وأتمنى أن أدفن فيها بعد موتي.

النقطة الأخرى حول تناغم سوق العرض والطلب فقد ذكر الأستاذ عبد الله موضوع الإحصائيات وأنا أؤكد على كلامه فنحن كمطورين نعمل ونبني ونبيع على المخطط ونسلم مبانينا ولكننا ليس لدينا رؤية مستقبلية عن حجم الطلب، فالعرض الموجود يشير إلى ضخامة المشاريع المنفذة وهناك بعض التقارير العقارية غير المدروسة علميا وهناك تضارب فيما بينها ولا يعطي الواقع الفعلي وبالنسبة للطلب ليس لدينا أي معلومات أو إحصائيات دقيقة عنه.

واعتقد أننا بحاجة لمركز إحصائي يزودنا بهذه المعلومات حتى يكون تخطيطنا سليما ونكون على دراية بما سيحدث بعد عامين أو ثلاثة مثلا، خصوصا وان التقارير السلبية التي تكتب عن الطفرة الموجودة تؤثر على السوق. حيث توقع بعضهم نزول أسعار العقارات والإيجارات العام الماضي ولكنها ارتفعت.

وبالنسبة لموضوع التشريعات والقوانين فإنها تعزز ثقة المستثمرين وزيادة عدد القادمين منهم إلى الإمارات، لان من المصاعب التي تواجهنا مع الناس مسألة قوانين التملك. وما أعدته دائرة التنظيم العقاري في دبي من تشريعات وما هي بصدد التجهيز لإصداره من حساب الضمان والثقة والملكية المشتركة تزيد من تدفق رؤوس الأموال الاستثمارية إلى الإمارات.

وبالنسبة لقانون الضمان فهو حديث الساعة فالقانون نفسه واضح وصريح ولكن تطبيقاته وتفاصيله بما فيه علاقات الشركات العقارية والمطورين مع البنوك غير واضحة نهائيا فكل بنك له فهمه الخاص والمختلف لموضوع حساب الثقة، وقبل إعداد القانون قمنا بالمساهمة في إبداء الرأي فيه وقد جرى الأخذ بما طرحناه من مقترحات وقد استجابت دائرة الأراضي مشكورة بهذه المقترحات، ونحن نقر بأهمية القانون وضرورته ولكن المشكلة في تفسيراته وفهمه.

* د. محمد المطوع:

اعتقد اننا بحاجة للتشريعات لحماية الحقوق لأننا في النهاية لا نتعامل مع حسن النوايا، وحول نقطة العادات والقيم فقد أكد عليها الأستاذ سالم، ولكن هل عاداتنا وتقاليدنا اليوم هي نفسها قبل 50 عاما؟

وهل يمكن استلاف مبالغ مالية أو شيكات دون ضمانات؟ نحن نعلم ان بعض جوانب العادات والتقاليد قابلة للتغيير لكن بشكل بطيء. والجانب الأخرى في ظل العولمة ألا نعتقد بان من يقيمون على ارض الدولة قد يطالبون بحقوقهم السياسية مستقبلا ؟ وقد أثيرت بعض هذه المسائل في منظمة العمل الدولية، وهناك تخريجة لهذا الوضع أشار إليها معالي وزير العمل علي الكعبي حيث سماهم «العمال المؤقتون»، بحيث يتم التجديد كل 3 سنوات.

ونحن فعلا عندنا مشكلة فيما يتعلق بالتركيبة السكانية وعندنا مشاكل في اللغة العربية والمنظومة القيمية التي نتكلم عنها، فهل أولادنا يعيشون بنفس طريقتنا كآباء في الحياة ؟ ولنكن واقعيين فالجواب بالتأكيد لا، فهناك آثار سلبية وعلينا الانتباه لها من الآن، وإلا ستصبح المسألة مثل كرة الثلج التي تكبر ويصعب حلها وقد نصبح مثل بعض المجتمعات التي لم تنتبه لهذه المسألة وضاعت هويتها. ومع أننا مع العولمة والتطوير والحداثة لكن يجب ان يكون عندنا آلية للمحافظة على الذات ومن ضمن ذلك التأكيد على أهمية العنصر العربي في مجتمع الإمارات.

* طلال سعيد:

لا اعتقد ان الهوية الوطنية ستضيع إذا ما جاء القادمون إلينا على شكل ضيوف وعمالة مؤقتة بين 3-6 سنوات لأن كل الحكومات الأجنبية وقعت مع الإمارات اتفاقيات تلزمها بذلك ومثلاً ليس لدى مجموعتنا أي مشكلة إذا ما اشتغل العمال 6 سنوات ثم جرى إبدالهم وإحلال آخرين مكانهم لانه يسهل تدريبهم على العمل بسرعة، ولكن بالنسبة للوظائف العليا والكفاءات المتخصصة فلا يمكننا تبديلهم كل 6 سنوات مثلا.

* سالم الموسى:

عندنا تجارب دول مجلس التعاون واذكر أنني استمعت إلى حديث لوزير العمل البحريني يقول فيه انه بدل استقدام عمالة أجنبية وتدريبها وإعادتها إلى دولتها بعد مدة واستقدام غيرها ثم تدريبها وهكذا فانه يمكن تنقل العمالة المدربة بين دول مجلس التعاون بعد الانتهاء من عملهم في إحدى دوله ومثلا بعد خروجهم من البحرين يمكن ذهابهم إلى السعودية ثم الإمارات وهكذا دواليك وذلك حتى يكون التكامل الخليجي واضحا وفعليا.

* د. محمد المطوع:

يمكن ان يطبق هذا الاقتراح على السعودية وعمان لأنهما لا تعانيان من خلل في التركيبة السكانية ولكن بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة فان الخلل في التركيبة السكانية واضح بجلاء وهو أكبر مما هو عليه في بقية دول مجلس التعاون الخليجي، مع اننا قبل 90 عاما ومنذ أيام الغوص كنا مشتركين في العمل مع الآخرين. ونحن وان كنا نحاول تلاشي الآثار السلبية فإننا لا ننكر الايجابيات الكثيرة التي نحققها ونجنيها من الطفرة العقارية التي نعيشها.

* عادل لوتاه:

للإعلام دوره الكبير في هذه القضايا وخاصة التلفزيون والصحافة وان كنا نتحكم في العادات والسلوك في الشارع والمراكز التجارية ولكن يصعب علينا التحكم في الإعلام وخاصة القنوات الفضائية وما تبثه من مواد إعلامية وإعلانية أيضا. وبالنسبة للتشريعات العقارية فهي ضرورية لضبط السوق والنشاط العقاري والحكومة تسن القوانين التي تناسبها وتلائم ظروفها.

* سالم الموسى:

بالنسبة للتشريعات العقارية وخاصة حساب الثقة فالقانون واضح والهدف منه حفظ حقوق جميع الناس من مطورين ومشترين للعقارات أو مستخدمين، وفيما يتعلق بالبنوك والتفاوض معها فالبنوك تريد حفظ حقوقها والاستفادة أكبر قدر ويمكن لمحامي الشركات المطورة التفاوض مع البنوك بما يحقق لهم أكبر قدر من الاستفادة وهناك بنود كثيرة للتفاوض مع من يحقق مصلحة أكبر لكن روح القانون نفسه تحمي مصالح المشتري أما المفاوضات التي هي خارج القانون فهي قابلة للنقاش مع البنوك لتحقيق أفضل الشروط.

* محمد سلطان القاضي:

مما لا شك فيه فإن الاستثمارات الأجنبية قد لعبت دورا كبيرا في دفع هذا القطاع إلى النمو وشجعت المطورين للتنافس لطرح أفضل الأفكار لمشاريعهم التي تلاقي إقبالا كبيرا من المستثمرين الذين يعتبرون الإمارات واحة الأمن والأمان لهم التي كانوا يحلمون بها، مما حدا بهم إلى طرح الثقة بدولتنا وضخ أموالهم واستثماراتهم بها والتي وحسب علمي قد حققت للكثيرين منهم العوائد المالية المجزية وأعطتهم الثقة بمواصلة العمل والتجارة في مختلف الأعمال في داخل الدولة وخاصة بأن الدولة قد وفرت الحماية اللازمة لهم ولاستثماراتهم كما أن عملية دخول وخروج الأموال من وإلى الدولة وضمن الضوابط والقوانين التي أقرها البنك المركزي قد ساعدت المستثمرين والتجار على ممارسة عملهم في الإمارات العربية المتحدة وعليه فقد لعبت هذه الاستثمارات دورا كبيرا في نمو وازدهار هذا القطاع.

ولعل من بين أهم أسباب الطفرة الهائلة في العقار وتطورها هو فتح أبواب الملكية الحرة للعقارات أمام الأجانب وخصوصا في دبي والإمارات الأخرى. رافق ذلك نمو قوي في قطاع تمويل شراء الوحدات السكنية والتجارية مما شجع مؤسسات مالية كثيرة على دخول هذا القطاع بزخم كبير.

* د. محمد المطوع:

اعتقد أننا ناقشنا المحور الثاني بما فيه الكفاية ونريد الانتقال للمحور الثالث المتعلق بقضايا الاستثمار الأجنبي وأبعاد حقوق التملك وحرية السوق.

* عبد الله العطاطرة:

ارغب في هذا المحور بالحديث عن تجاربنا وتجارب بعض الشركات التي استثمرت في الخارج واثر تجاربها على سوقنا المحلي. فمثلا نحن خرجنا إلى أكثر من 7 دول خلال السنوات الثلاث الماضية وقد وجدنا في نهاية المطاف ان العودة للاستثمار في الإمارات بشكل خاص هو المرغوب فيه والأفضل وقد أعطانا الدفع للاستمرار في السوق العقاري والاستثمار فيه.

وقد وجدنا ان القوانين والتشريعات العقارية خارج دولة الإمارات تعاملنا كمستثمرين يجب اخذ كل شيء منهم وإعطائهم اقل شيء. ونتيجة لذلك عدنا للسوق الإماراتي ونرى ان المستثمرين العقاريين هنا يمكنهم الاستمرار في عملهم وزيادة أرباحهم لان التشريعات والقوانين مناسبة لظروف العمل بالإضافة لحرية التنافس. كما ان كل هذه الأمور أعطت المستثمرين الأجانب الفرصة الملائمة للدخول إلى سوق الإمارات والاستثمار في القطاع العقاري من أوسع أبوابه.

وبالنسبة للإعلام وخاصة القنوات الفضائية فانا أرى ان الكثير من أعمال الرعاية التي قامت بها الشركات في الخارج كان لها الدور الكبير لجلب المستثمرين الأجانب إلى الدولة، كما ان نقل خبرات الشركات الكبيرة المملوكة للحكومة في مختلف المجالات وليس فقط في القطاع العقاري إلى الخارج أعطى انطباعا جيدا عن صورة الإمارات لدى هذه الدول والتي بعضها لديه تجارب استثمارية تمتد لأكثر من قرنين من الزمان، وهذا أدى إلى قيام الشركات العالمية الكبرى بنقل مقارها الإقليمية من الخارج إلى دبي وأبوظبي والشارقة وغيرها من مدن الدولة وكان لهذه الشركات بالتالي دورها في زيادة النمو الاقتصادي في الإمارات.

لكن هناك بعض السلبيات وهي التركيز على استقدام مستثمرين من بعض الدول والغفلة عن دول أخرى ويمكن دق أبواب هذه الدول خلال السنتين القادمتين لنقل استثماراتهم إلى أسواق الإمارات.

وفيما يتعلق بأزمة الرهن العقاري التي تمر بها أميركا وأثرها على نقل العديد من الصناديق الاستثمارية على الإمارات ومنطقة الخليج العربي بشكل عام فشخصيا عايشت أوضاع 3 صناديق استثمارية أجنبية وهم يفكرون جديا بنقل صناديقهم من أميركا وأوروبا إلى دولة الإمارات ومع انها أموال غير كبيرة ولكنها هذه هي بداية الخير، وهناك أسباب كثيرة مشجعة للاستثمارات الأجنبية مثل عدم وجود الضرائب وقد أكد للمستثمرين الأجانب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله بأنه لن يكون هناك ضرائب خلال السنوات الخمس القادمة.

كما ان الخدمات المميزة التي توفرها الدولة للمستثمرين عامل جذب أيضاً للاستثمارات الأجنبية وهذه التسهيلات الخدماتية غير موجودة في البلاد الأخرى، وأكبر الاستثمارات الأجنبية موجهة للسوق العقاري في الدولة سواء من خلال المشاريع العقارية المباشرة أو شراء حصص شركات عقارية قائمة. ونأمل استمرار الدولة في هذا النهج المتميز.

المشاركون

عادل احمد لوتاه: الرئيس التنفيذي/الوطنية للعقارات.

سالم احمد الموسى: رجل أعمال/ رئيس مجلس إدارة مشاريع سالم الموسى.

عبد الله عطاطرة: رئيس مجلس الإدارة/مجموعة بنيان الدولية للاستثمار.

فارس محمد سعيد: الرئيس التنفيذي /دياموند للاستثمارات.

طلال سعيد: المدير الشريك/فينو انترناشيونال

احمد أديب صالح: منسق تنفيذي / مجموعة بنيان الدولية للاستثمار.

محمد سلطان القاضي:العضو المنتدب /شركة رأس الخيمة العقارية .

أدار الندوة: أ. د. محمد عبد الله المطوع

الإعداد والتحرير: موسى إبراهيم أبوعيد

تصوير: عماد علاء الدين