لم يكن الأجداد يعرفون سماد الفوسفات، ولكنة أحد مستحدثات القرن العشرين لتحسين صفات التربة الزراعية، ومن ثم تحسين صفات المحاصيل. وسماد الفوسفات يقدم الى التربة والنبات مكونات حيوية مهمة، أهمها الفوسفور.
وبالقطع فإن إضافة هذا السماد إلى التربة لا يتعارض مع إضافة أسمدة أخرى مثل السماد الطبيعي وسماد المازوت ، أو غيرهما.
ويصنع سماد الفوسفات من خامات رواسب الفوسفات، والتي حبا الله أرض العرب بأهم رواسبه. وتعرف مملكة المغرب العربي بأنها المنتج والمصدر الأهم في العالم، وبها أيضا أكبر أحتياطي من هذه الرواسب التي تكونت في عصور جيولوجية قديمة، تعود إلى عصري الطباشيري والإيوسين.
أيضا توجد رواسب الفوسفات بوفرة في العديد من الدول العربية مثل تونس وموريتانيا ومصر والأردن وفلسطين وسوريا والعراق. كما أن هذا الخام مكتشف بالفعل في دول أخرى مثل السعودية وإن لم يستغل جدياً حتى الأن. وليس من قبيل المصادفة أن جانباً كبيرا من هذه الثروة، غير المتجددة والمهمة إستراتيجياً، قد نضب بفعل الإستنزاف المستمر والمكثف خلال السبعة عقود الماضية من شركات أوروبية غربية.
وليس سراً أن موارد الفوسفات العملاقة في بعض الدول، مثل مصر، قد قارب على النضوب، ومن الممكن أن تصبح مصر مستورداً لخام الفوسفات بعد أقل من عشرين سنة، بعد أن كانت مصدراً رئيسياً لأكثر من سبعين سنة.
من المعروف عن خامات الفوسفات، والتي يصنع منها أنواع من السماد أهمها سماد الفوسفات الثلاثي وأدناها الفوسفات الأحادي الرخيص الثمن، كما تستخدم هذه الخامات في تصنيع حمض الفوسفوريك ذي الاستخدام الصناعي المهم والمتشعب.
ولأن رواسب الفوسفات قد تكونت في بيئة بحرية اختزالية، نتيجة لموت جماعي للكائنات التي كانت تعيش في بحر الزمن الجيولوجي، فإن هذه الرواسب تحتوي على نسبة عالية من العديد من العناصر السامة أو حتى الشديدة السمية.
ولعل العناصر الثقيلة (مثل الزنك والنحاس والكوبلت و الرصاص والخارصين) هي الأهم، ذلك لأن هذه العناصر تميل الى الترسيب والتركيز في التربة الزراعية وهي جميعاً ذات أثر سلبي على المحيط البيئي للإنسان عند التركيز الذي يزيد عن الحد الأقصى المسموح به، وفقاً لمؤشرات منظمة الصحة العالمية.
نأخذ مثلاً لذلك، الحد الأقصى المسموح به في التربة الزراعية لعنصر الخارصين هو جزء واحد في المليون. والمعروف أن خامات الفوسفات قد تحتوي على عشرات أضعاف هذا الحد الأقصى، ومن ثم تأتي مخاطر إستخدام الفوسفات كمخصب قبل أن ينقى من هذه العناصر.
ولعل أكثر العناصر سمية في الفوسفات، عنصر الكادميوم، والذي حددت هيئة الصحة العالمية مستوى ربع الجزء في المليون كحد أقصى للتربة الزراعية. وقبل كل ما سبق يجب أن لاننسى الملوث الأشعاعي الخطير، اليورانيوم، والذي يصل تركيزه الى أكثر من 500 جزء في المليون في بعض رواسب الفوسفات العربية، وإن كان أغلب هذه الخامات تحتوي على تركيز يتراوح بين 50 و 200 جزء في المليون.
وهو تركيز أقتصادي عمدت كثير من الدول الصناعية على إستخلاصه، ليس لهدف بيئي ولكن لهدف أقتصادي كمورد مهم للوقود النووي. إذا علمنا أن الحد الأقصى المسموح به لليورانيوم هو جزء واحد في المليون لأدركنا الخطر الجسيم إن لم ينق من الخام كمنتج ثانوي، لحماية بيئة الإنسان من ملوث خطير، حتى وإن لم يفصل لأسباب تجارية.
والغني عن التعريف أن أستخدام سماد الفوسفات يؤدي حتماً الى زيادة تركيز كل العناصر السابقة ومعها عنصر الفوسفور ذاته في مياه المصارف، ومن ثم يزداد في البحيرات التي تصب فيها هذه المصارف، الأمر الذي يؤدي الى زيادة الطحالب ونقص مستوى الأوكسيجين في هذه البحيرات وتدمير الثروة السمكية بها.
كذلك فإن احتمالات وصول التلوث بكل العناصر السابقة الذكر الى خزانات المياه الجوفية، وما يستتبع ذلك من أخطار على مستخدميها، خاصة في المناطق التي تعتمد على مياه الآبار في الشرب والزراعة.
ليس ما سبق هو دعوة الى عدم استخدام أسمدة الفوسفات، ولكن دعوة للحرص والإحتياط عند الإستخدام، ذلك لأنها سلاح ذو حدين. أصبح الآن من الضروري متابعة نسب كافة العناصر الخطرة، بصفة دورية في المياه وفي التربة وايضا في المحاصيل.