قال الشيخ:كما عصم الحق سبحانه وتعالى رسوله الأعظم محمداً صلى الله عليه وسلم قبل البعثة من أي فعل يترك كدراً على صورة نفسه وقلبه الشريفة هيأ له صاحباً كان اكبر مما تمجه النفس بفطرتها النقية.

فأبو بكر، عبد الله بن عثمان، لم يشرب خمراً قط. وعندما سئل لماذا؟ أجابت فيه حكمته وطهارة سريرته: كنت أصون عرضي وأحفظ مروءتي فإن من شرب الخمر كان مضيعاً في عرضه ومروءته، ولما بلغ هذا القول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، قال صدق أبوبكر، صدق أبو بكر مرتين (تاريخ الخلفاء ص29).

ولم يسجد الصديق لصنم قط، وعندما أخذه أبوه وهو فتى إلى الأصنام ليعرفه عليها لم يقنعه الأمر فإذا به يضرب صنماً فيكسره فلا يرى فيه ما يستحق العبادة، وقيل انه كان على الابراهيمية الحنفية مما قرب بينه وبين الرسول الأعظم وقلنا انه قد تعرف إليه في الثامنة عشرة من عمره وقد جمعهما الصفاء والطهر والعفاف.

وعندما أراد أبو بكر الصديق رضي الله عنه الهجرة لقيه ابن الدغنة فعرض عليه جواره أي أن يعبد الله في مكة دون أن يمسه أذى من مشركيها، وقال له ابن الدغنة: إنك لتزين العشيرة وتعين على النوائب وتكسب المعدوم وتفعل المعروف. وقد علق ابن حجر على هذا قائلاً: ومن أعظم مناقبه -أي أبي بكر- أن ابن الدغنة وصفه بنظير ما وصفت به خديجة النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث، فتوارد نعت واحد من غير أن يتواطأ على ذلك، وهذه غاية مدحه لأن صفات النبي صلى الله عليه وسلم منذ نشأ كانت أكمل الصفات (أبو بكر الصديق، علي الصلابي25).

والأخلاق الحميدة والشمائل الخيرة نتاج حكمة وعقل وبعد نظر، سيما عندما لا يكون هناك نبي أو شريعة واضحة، ويؤكد ذلك مكانة الصديق قبل الاسلام فقد كان عالماً بالأنساب ومن رقيق خصاله أنه لم يكن يعيب نسباً فإن رأى أو علم شراً سكت، وكان تاجراً وقد دخل الاسلام ومعه أربعون ألف درهم أنفقها جميعاً إلى يوم الهجرة على المستضعفين والرقيق من المسلمين إلا ألفين أخذهما معه إلى المدينة، وفي سيرة ابن هشام أنه كان يؤنس من قبل من حوله فيقصدونه في الزيارة دائماً.

وكان له أمر الديات والغرم وهو من أشرف ما يزين الرجل ويعبر عن أمانته وثقة الناس برشده، فقد كان يقصد في أمر دية لا يملك صاحبها أن يدفعها أو دين أعسر صاحبه، وكان إذا حمل دية أو ديناً عن صاحبه وقصد الناس استجابوا له وأبروه لما يعرفونه عنه من حسن تدبير.

لم يشرب خمراً ولم يسجد لصنم ولم يقل شعراً -وكان كثير من العرب يستخفون بالشعر لغلبة الكذب أو الفحش عليه كان كريماً قواماً في حاجات الناس..... هذه أخلاقه رضي الله عنه قبل الإسلام.

أما بعد الإسلام بل وفي عهد الخلافة ويوم كان كل شيء في يده يذكر ابن الأثير في الكامل «قيل ان زوجته اشتهت حلواً، فقال ليس لنا ما نشتري به، فقالت أنا استفضل من نفقتنا في عدة أيام ما نشتري به، قال: افعلي، ففعلت ذلك، فاجتمع لها في أيام كثيرة شيء يسير، فلما عرفنه ذلك ليشتري به حلواً أخذه فرده إلى بيت المال وقال هذا يفضل عن قوتنا، واسقط من نفقته بمقدار ما نقصت كل يوم، وغرمه لبيت المال من ملك كان له» (الكامل في التاريخ 2/423).

وعندما بويع خليفة نزل في اليوم التالي إلى السوق، فرده عمر وقال له نقسم لك من بيت المال ما يكفيك، فلما حضرته الوفاة قال لعائشة رضي الله عنها: تردون إلى بيت المال ثمانية آلاف درهم من مالي فقد أنفق علي بمقدار ذلك أيام الخلافة من بيت المال (الطبقات الكبرى 3/192).

ماهر سقا أميني