أكد الدكتور عمر محمد الخطيب مدير إدارة التوجيه والإرشاد بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي أن مواجهة فوضى الفتاوى عبر الفضائيات ضرورة مهمة عن طريق العديد من الوسائل الرادعة، مشيرا إلى أن الخلافات الاجتهادية بين المذاهب أمر واقع وصحي، ولا ينكره أحد، وقال إن هذا من رحمة الله بالمسلمين.
وأوضح ان التداعيات التي فرضتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 من أهم العوامل الجوهرية التي أدت إلى تعطيل مسيرة العمل الخيري الإسلامي في كثير من بلدان العالم، لاسيما بعد اتهام العديد من مؤسسات العمل الخيري بدعم أنشطة تتعلق بالإرهاب، لافتا إلى أن العمل الخيري الإسلامي في الإمارات لم يتأثر بهذه الأحداث، لأنه يحظى بإشراف حكومي مباشر، ما قطع الطريق أمام أية شبهات حوله.
وإلى تفاصيل الحوار.
ـ حصلتم أخيرا على درجة الدكتوراه في أصول الفقه من جامعة الأزهر.. كيف يمكن أن تنفع بالعلم الذي حزته؟ وهل حصولك على درجة الدكتوراه حقق طموحاتكم العلمية؟
ـ بداية، أحمد الله ذا الفضل والمنة، الذي وفقني للحصول على هذه الدرجة العلمية، وأدعوه أن يوفقني في تحقيق شغلي الشاغل بأن أعمل على توضيح معنى الفقه المعاصر للقائمين على شؤون الإفتاء في بلادنا، فضلا عن التطوع بالعمل في جامعات دولة الإمارات العربية المتحدة، بإلقاء محاضرات علمية وندوات فقهية، وإعداد بحوث علمية في الفقه الإسلامي، ودراسة القضايا المعاصرة، وكل ما يهم المسلم فيما يتعلق بالنواحي الفقهية المعاصرة، هذا بجانب عملي الأساسي في إدارة التوجيه والإرشاد بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في إمارة دبي.
أما عن تحقيق طموحي العلمي بالحصول على درجة الدكتوراه أقول إن الإنسان بطبيعته طموح، وطموح الإنسان لا يقف عند حد معين، خاصة في تحصيل العلم، وهو دائما ما يطمح إلى طلب المزيد، لقول الله تعالى: «وقل رب زدني علما{. وبالتالي لا يعتبر حصولي على درجة الدكتوراه نهاية المطاف بالنسبة لي، وليس منتهى العلم أن يحصل الإنسان على أعلى درجة علمية سواء الليسانس أو الماجستير أو الدكتوراه، لأن العلم لا نهاية له، وسبحان القائل: «وفوق كل ذي علم عليم{ والشهادة أيا كانت ما هي إلا قنطرة ينتقل بها الإنسان إلى ربوع العلم الفسيح، أي أن هذه الشهادة ربما تؤهله ليملك أدوات صحيحة للفهم والمعرفة والقراءة، وكيفية الاستزادة من العلم النافع الذي ينفع به نفسه وأمته ووطنه والمسلمين كافة.
ـ لعلكم تتابعون ظاهرة الفتوى على الفضائيات..كيف يمكن التصدي لهذه الظاهرة التي يتخذها البعض سبيلا للهجوم على الإسلام؟
ـ هذه البلبلة جاءت نتيجة للذين قاموا بتنصيب أنفسهم مفتين وهم ليسوا بعلماء أو فقهاء، ولم يتأهلوا حتى لدراسة العلم الشرعي أساسا، إنهم أناس يدعون العلم وحب الظهور، وبالتالي يفتون بفتاوى مغلوطة ليس لها أي أساس علمي أو فقهي، ولابد للذي يفتي المسلمين في أمور دينهم أن يملك الأدوات التي تمكنه من الربط بين ما في بطون الكتب التراثية من نصوص وقواعد شرعية وبين الواقع الذي يفتي بشأنه. والشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، والخلل ليس في الفقه ولا في علم أصول الفقه، لكن في كيفية التطبيق على الواقع، لأن معظم الذين يفتون عبر الفضائيات لا يستطيعون ذلك، لأنهم ليسوا مؤهلين للإفتاء.. ويجب التصدي لهم بشدة حتى نتوقى البلبلة والفوضى التي يتسببون فيها.
ـ لكن البعض يرون أن اختلاف فتاوى الفضائيات ناتج عن الخلافات المذهبية..فما تعليقك؟
ـ الخلافات الاجتهادية بين المذاهب أمر واقع وصحي، ولا ينكره أحد، وهذا من رحمة الله بالمسلمين، لأن العقول وإدراكها وفهمها للنص الشرعي تتفاوت، أما من يريد أن يأخذ هذا الخلاف الفقهي ذريعة لأن يسب بعضنا بعضا، أو يعتدي بعضنا على بعض، فهذا غير وارد ولا يقره الإسلام بأي حال من الأحوال، بل الأدهى من ذلك أن يتخذ هذا الخلاف ذريعة للطعن في الإسلام.
مجرى واحد
ـ كثيرون يرون أن تعدد المذاهب أدى بالمسلمين إلى الفرقة؟
ـ كثرة المذاهب ليست عيباً، ولا تنقص من قدر الإسلام شيئا، بل إنها دليل على صلاحية شريعة الإسلام لكل زمان ومكان، فكلما كثرت مجاري النهر زادت قوته وغزارته. وهكذا الإسلام نهر واحد ثم تنوعت مجاري الماء ومنابعها في الوديان، لكنها في النهاية من مصدر واحد هو الكتاب والسنة.
ـ لكن أين ذلك مما نراه من تعصب مذهبي؟
ـ التعصب أمر مرفوض في الإسلام، فلابد لكل من يتبع مذهبا معينا أن ينظر لأتباع المذاهب الأخرى بأنهم أيضا يسيرون وفق منهج إسلامي جاء من نبع واحد، ولهدف واحد هو التقرب إلى الله عز وجل بالطاعة، لكن الاختلاف إنما يكمن في الأسلوب، وهو خلاف اجتهادي، وصدق من قال (الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية) وهذا الاختلاف بين المذاهب الإسلامية فيه سعة ورحمة بالمسلمين..أما ما نراه من شقاق وتناحر مذهبي فهو أمر مرفوض تماما ولا يمكن لعاقل أن يرضى به.
ـ ماذا استفدت في هذا الشأن من دراستك لعلم أصول الفقه؟
ـ التخصص مهم جدا، خاصة في هذه الأيام التي تشعبت فيها العلوم، وكثر فيها المدعون، فعلم أصول الفقه هو علم عقلي يعتمد على العقل في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة والأدلة الشرعية الأخرى، وهو من العلوم الصعبة والدقيقة، ولا يستطيع الإنسان العادي أن يتعلمه إلا بمعاونة الفقهاء المتخصصين، ولا شك أن دراسة أصول الفقه تفيد في كل القضايا الإسلامية، لاسيما المعاصرة منها.
ـ هناك دعوات أثيرت أخيرا تطالب بتجديد الفقه الإسلامي..فهل ترى ضرورة لذلك؟ وكيف؟
ـ التجديد سنة من سنن الحياة، وبالتالي إذا كان المقصود بتجديد الفقه الإسلامي كيفية التعامل مع النصوص الفقهية أو النوازل الفقهية بحيث تتلاءم مع الواقع الجديد دون مساس بالثوابت أو الأصول المعتمدة في تراثنا الفقهي فمرحبا به..أما إذا كان التجديد بإقصاء أحكام معينة لأهداف معينة ليست على ما أمر به الله سبحانه وتعالى فهو مرفوض تماما.
ـ وماذا عن تجديد الخطاب الديني؟
ـ إذا كان المقصود منه تعديل أسلوب تفهيم الناس للدين، وإيصال المفهوم الصحيح للشريعة الإسلامية بأساليب عصرية فلا بأس بذلك، خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها.
ـ هناك اتهام بأن بعض النصوص يتأولها البعض بأنها تدعو إلى العنف كوسيلة يحصل بها المسلم على حقوقه..فما تعليقك؟
ـ هذه التهم الزائفة التي يريد أعداء الإسلام إلصاقها بهذا الدين العظيم وهو بريء منها يجب أن يفطن لها المسلمون، وأن يبينوا للعالم أن هذه افتراءات وأكاذيب مختلقة من أعداء الإسلام لتشويه صورته، لكن المشكلة تكمن في أن بعض المنتسبين للإسلام تبنوا أفكارا تؤدي في النهاية إلى أن يتهم الإسلام بتهم هو بريء منها، والسبب في تبني هذه الأفكار هو قلة العلم، والاعتماد على فتاوى صدرت من أناس ليسوا أهلا للفتوى.
ـ ماذا عن الدور الذي تقوم به دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي لخدمة الإسلام والمسلمين؟
ـ في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي قطاع متخصص للعمل الخيري، له جهود واضحة وملموسة، حيث يقوم هذا القطاع بالإشراف على أي عمل خيري بدبي، خاصة الإشراف على الجمعيات والمؤسسات الخيرية، فيقوم بخدمة هذه المؤسسات وتسهيل مهمتها في أداء رسالتها الخيرية، أي إن دائرة دبي بمثابة مظلة لهذه المؤسسات الخيرية، تشرف على ما تقوم بجمعه هذه المؤسسات وما تقوم به من أعمال الخير، فتشرف على المبالغ المرصودة لعمل الخير، كما تشرف على ما تقوم به هذه الجمعيات والمؤسسات الخيرية من أنشطة دينية، كطباعة المصاحف والكتب الدينية، ورحلات الحج والعمرة، ومراكز تحفيظ القرآن، ودعوة العلماء لإلقاء دروس دينية ومحاضرات، وبرنامج إفطار الصائم، باختصار كل ما يتعلق بأعمال الخير يخرج من عباءة الدائرة.
القاهرة - دار الإعلام
