ودّعت باكستان أمس جثمان رئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو في موكب جنائزي مهيب شهده مئات الآلاف من المشيعين، فيما انحسرت أعمال العنف نسبياً بعد أن خلفت 32 قتيلاً بينهم رجال أمن خلال 24 ساعة عقب اغتيالها، واتهمت وزارة الداخلية تنظيم القاعدة بالتورط في جريمة الاغتيال.

كما حذرت من استهداف مجموعة اخرى من السياسيين بينهم زعيم حزب الرابطة الإسلامية نواز شريف الذي حذر بدوره من ان تمسك « الحكومة بموعد إجراء الانتخابات في الثامن من يناير، قد يؤدي إلى تدمير الحكومة والبلاد»..

وقال بيان الداخلية إن بوتو لم تقض جراء إطلاق الرصاص عليها بل جراء تهشم جمجمتها بعد ارتطام رأسها في سقف سيارتها، لكن حزب الشعب اعتبر البيان مجموعة من الأكاذيب في حين نقلت قناة «فوكس نيوز» البريطانية أنها ماتت بسبب هبوط في دورتها الدموية.

ووسط تواصل موجة التنديد الدولية والعربية بالجريمة ممزوجة بتحذيرات من وقوع باكستان في دوامة الفوضى والانزلاق إلى حرب أهلية طمأنت واشنطن العالم بأن الترسانة النووية الباكستانية في أمان وبعيدة عن الخطر رغم اعلانها انها ستواصل السعي لمعرفة من قتل بوتو.

وفي محاولة للدفاع عن نفسها، أكدت الداخلية الباكستانية أن بوتو لم تصغ إلى التحذيرات الأمنية عن المخاطر التي تحيط بها، ووجه ناطق باسم الوزارة اتهامات إلى تنظيم القاعدة بارتكاب الجريمة إثر رصد مكالمة هاتفية للتنظيم، في وقت بدأت الشرطة تحقيقاً في الحادث، بينما كشفت الوزارة رواية جديدة للاغتيال تفيد بأن بنازير لم تصب بالرصاص، وشددت على أنها حذّرتها من التوجه إلى حضور المهرجان الانتخابي حيث اغتيلت.

كما أعلنت وزارة الداخلية الباكستانية أن رئيس الوزراء السابق المعارض نواز شريف هو بين العديد من السياسيين الباكستانيين المهددين بالاغتيال.

وقال الناطق باسم الوزارة الجنرال جواد شيما خلال مؤتمر صحافي انه بعد مقتل بوتو أبرز قادة المعارضة «هناك أشخاص آخرون مهددون وكلما تلقينا معلومات بهذا الصدد نقلناها إلى الأشخاص المعنيين».

وطلب منه ذكر بعض هذه الشخصيات فذكر نواز شريف والزعيم الإسلامي مولانا فضل الرحمن والوزيرين السابقين شيخ رشيد وافتاب شرباو.

وأعاد محققون باكستانيون تجميع رأس بشري مشوه أملاً في تحديد هوية الرجل الذي يشتبه في أنه نفذ الهجوم الانتحاري. وقال قائد الشرطة في روالبندي سعود عزيز: «انتشلنا رأساً وأعيد تجميعه. كما عثرنا أيضاً على أصابع ونجري اختبارات لتحديد الشيفرة الوراثية لإجراء مقارنة بين الرأس والأصابع»، لكنه أشار إلى أنه من المبكر تحديد هوية القاتل.

ونقلت وكالة «اسوشيتدبرس» الباكستانية الرسمية عن الناطق باسم وزارة الداخلية الجنرال جاويد إقبال شيما قوله في مؤتمر صحافي عقد مساء أمس إنه «استناداً إلى تقرير طبي تلقته وزارة الداخلية فإنها ماتت (بوتو) بسبب شظايا متطايرة بعدما فجر الانتحاري نفسه ما أدى إلى إصابتها بكسر قاتل في الجزء الأيمن من الجمجمة»، مضيفاً أن الانتحاري استهدف بوتو بإطلاق النار عليها من مسدس لكنه لم يصبها.

وقال إن القاعدة أعلنت في بيان مسؤوليتها عن عملية الاغتيال، مشيراً إلى أن زعيمة حزب الشعب الباكستاني كانت تلقت سابقاً تهديدات من هذا التنظيم. وقال: «لدينا بيانات اعتراض استخباراتية تشير إلى أن بيت الله محسود الزعيم بالقاعدة وراء الاغتيال».

وردا على بيان الداخلية الباكستانية، أعلن أحد أقرب معاوني بنازير بوتو أن الرواية التي قدمتها الحكومة الباكستانية بشأن مقتلها ليست سوى «مجموعة من الأكاذيب».

من جهة أخرى، قال اختصاصي الجراحة في مستشفى روالبندي العام د. مصدق خان الذي شارك في محاولات إنقاذ حياة بوتو ليل الخميس بعد إصابتها في الانفجار انه لم يتم العثور على آثار إصابة بالرصاص في جسدها.

وأوضح خان في مؤتمر صحافي عقده أن بوتو «وصلت إلى غرفة الطوارئ بالمستشفى وهي مغمضة الجفنين ولم يكن قلبها يخفق ولم يسجل أي نبض»، مضيفاً أن هذه الإشارات بينت أنها مصابة بجروح خطيرة أوقفت نقل الدم إلى الرأس.

وأكدت وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» على أن ترسانة باكستان من الأسلحة النووية في أمان.

وقال الناطق باسم «البنتاغون» الكولونيل جاري كيك «تقديرنا هو أن الترسانة النووية الباكستانية تحت السيطرة. في الوقت الحالي لا سبب يدعونا للقلق».

كما أكد مسؤولون عسكريون ودفاعيون أميركيون أن أسلحة باكستان النووية في أمان تحت سيطرة الجيش الباكستاني. وسبق أن وصف هؤلاء المسؤولون الجيش الباكستاني مرارا بالنزيه وبأن الرئيس الباكستاني برويز مشرف مسؤول عن الترسانة وقالوا إنها ستظل بعيدة عن الصراع السياسي في باكستان.

بدوره، قال ناطق باسم البيت الأبيض سكوت ستنزيل إن المخابرات الأميركية تواصل السعي لمعرفة من الذي قتل بوتو رغم تأكيدات رسمية باكستانية بوقوف القاعدة وراء جريمة الاغتيال هذه.

وقال ستنزيل «هناك الكثير من الجهات التي تبنت الحادث. وأجهزتنا الاستخباراتية تواصل بحث المسألة».

وشيعت بوتو أمس في موكب مهيب إلى مقبرة العائلة في كرهي خدا بخش التي تبعد خمسة كيلومترات من منزل العائلة في بلدة نوديرو في إقليم السند ودفنت إلى جوار والدها ذو الفقار بوتو وشقيقيها شاه نواز ومرتضى.

وشارك في مراسم الجنازة عشرات الآلاف من أنصارها الذين بدت على وجوههم الصدمة والذهول ومشاعر الحزن.

وانتحب عشرات الآلاف من المشيعين وضربوا رؤوسهم فيما تحرك الموكب الجنائزي من بلدة لاركانا مسقط رأسها في جنوب باكستان إلى مقبرة العائلة.

وبينما كانت السند تودع بالدموع بنازير كان أنصار حزب الشعب يعبّرون عن غضبهم بحرائق واستهداف رجال الأمن، وحتى اختطافهم، ما اضطر السلطات إلى إعطاء عناصر الأمن رخصة استخدام الرصاص لوقف مشاهد الفوضى التي انعكست بصورة نهب بنوك وحرق دوائر حكومية وقطارات ووسائل نقل وعشرات السيارات.

وقال وزير داخلية إقليم السند غلام محمد محترم إن 32 شخصاً قضوا في أعمال العنف في السند منذ اغتيالها.

وفي سياق المواقف الداخلية قال زعيم حزب الرابطة الإسلامية نواز شريف إنه «إذا بقيت الحكومة متمسكة بموعد إجراء الانتخابات في الثامن من يناير، فذلك سيؤدي بنا إلى طريق التدمير الذاتي الذي لن يؤدي فقط إلى تدمير الحكومة وإنما أيضاً إلى تدمير البلاد».

وكرر شريف مطالبته باستقالة فورية للرئيس مشرف. وأضاف: «نعتقد أن مشرف ليس لديه أي نية لإجراء انتخابات حرة وعادلة وما حدث بالأمس (حادثة الاغتيال) كان دليلاً على ذلكوتوالت ردود الأفعال العربية والدولية المنددة بالجريمة، حيث أعلنت سلطنة عمان استنكارها وإدانتها للعمل «الإجرامي الغاشم» الذي أودى بحياة بوتو.

كما أعربت السلطنة عن أملها في أن يتمكن القادة الباكستانيون من نبذ الخلافات وتجاوز المصاعب والمحن التي تمر بها بلادهم وان تتكاتف الجهود نحو تحقيق الأمن والاستقرار والنماء للشعب الباكستاني.

ودولياً، دعا رئيس الوزراء البريطاني غودرون براون الرئيس مشرّف إلى إجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر الشهر المقبل. وقال براون في بيان إن «المجتمع الدولي بأسره متحد في موقفه وإصراره على التصدي للذين يلجأون إلى مثل هذه الممارسات، ولذلك أشجّع الرئيس مشرف على التمسك بالموعد الذي حدده لبناء دولة ديمقراطية مستقرة في باكستان».

مشيراً إلى أنه ابلغ مشرف «استعداد لندن لدعم جهود باكستان في مجال مكافحة الإرهاب ومن ضمنها الجهود الرامية إلى تدمير تنظيم القاعدة».

وكانت الحكومة البريطانية قد دعت مواطنيها إلى عدم السفر إلى باكستان تحسبا لعمليات إرهابية قد تطال الأجانب.

كما استنكر البابا بنديكت السادس عشر «الاعتداء الإرهابي الوحشي» الذي أودى بحياة بوتو مؤكداً انه يصلي «لتجنب أعمال عنف جديدة».

وأدان حزب الله في بيان «بشدة» ما وصفه «الجريمة النكراء» وأعرب عن «بالغ القلق» لتداعيات هذا الحادث على الأوضاع في داخل باكستان وفي خارجها، ودعا إلى الوقوف في وجه المخطط الأميركي والإسرائيلي في المنطقة.

وقال الحزب إن ما يجري في باكستان وأفغانستان والعراق والصومال وفلسطين ولبنان والسودان «كلها مشاهد تأتي في سياق ما تريده الإدارة الأميركية وما ترغب في أن تراه في العالمين العربي والإسلامي، تبريراً لسياساتها وتحقيقا لمخططاتها».