عندما يستشعر القائمون على أحوال البيئة في الوطن أن منطقة ما، سواء في البر أو البحر، تتعرض للخطر، يتم إعلانها محمية طبيعية. قد يكون الدافع الرئيسي لإعلان الحماية هو تعرض الأرض أو البحر أو ما بهما من أجناس حيوانية ونباتية لظروف غير ملائمة نتيجة تدخل غير مرغوب من الإنسان أو حتى نتيجة متغيرات طبيعية ليس للإنسان دخل بها.
مثلا، عندما ترصد أجهزه البيئة أن الأحواض البحرية التي تعتبرها الدلافين وعجول البحر والحيتان بيئتها المناسبة، تتعرض للجور من مراكب الصيد أو السياحة أو حاملات النفط، فعندها ينبغي أن يعلن هذا المكان محمية. حيث تمنع مراكب الصيد من ملاحقة هذه الكائنات وتمنع اليخوت ومراكب الغوص من إزعاجها وحاملات النفط من تلويث مياه محيطها الحيوي.
ذلك، دون أدنى شك، هدف نبيل يسعد المهتمون بالبيئة وكل العقلاء الذين يعرفون أن نقاء البيئة مطلب عادل لكل ما خلق الله من إنسان أو حيوان أو نبات أو جماد. وأعتقد أنني لست حالمة عندما أتصور أن زمناً سوف يأتي، بإذن الله، ستكون كل الأرض وكل البحار معاً محمية واحدة كبيرة، لا تحتاج لمن يحرسها.
ذلك لأن كل إنسان سيدرك أن الحفاظ على البيئة هو مطلب خاص له وأنه بحمايته للبيئة إنما يحمي حياته وحياة كل من يهتم بهم. ولكن، حتى يحدث هذا، هل نترك تراث الطبيعة والأجداد والتنوع البيولوجي والجيولوجي الذي اختص الله به وطننا ليكون عرضة للأذى، سواء بقصد أو من غير قصد.
الحل البديهي هو أن نعلن مناطق البيئات النادرة والحساسة محميات، وذلك يتم بقرار وزاري أو من رئيس الوزراء. ولكن، ليت الأمر ينتهي بصدور القرار. لأن السؤال سيكون، من الذي يملك القدرة على الحماية؟ ومن الذي يستطيع ملاحقة من يعتدي على الحماية؟ بكلمات أخرى السؤال هو كيف نحمي المحمية؟ أخشى أن الإجابة لن تكون سهلة، ولكن على كل حال فإن منظومة الإجراءات التالية قد تساهم في تفعيل دور الحماية:
1. وضع خطة للإدارة: والمعني هنا أن يكلف طاقم مدرب بأعمال الإشراف والمراقبة، تحت رئاسة واعية للأهداف المأمولة. وان يتم ترسيم دقيق للمحمية، بحيث تكون المداخل والمخارج الممكنة للموقع تحت سيطرة المشرفين على الموقع.
2. التعليم والإعلام البيئي: والمعني بالتعليم هو أن ندخل مفهوم الاهتمام بالبيئة وحمايتها لأبنائنا، حتى يدركوا أن الاهتمام بالبيئة ليس ترفا وليس مسؤولية فئة بعينها، ولكن هي مسؤولية تضامنية للجميع. أما الإعلام فهو على مستوى المجتمع ككل وأيضا على مستوى المحمية، بحيث يعرف الزائر حدود المسموح به والمنهي عنه داخل حدود المحمية.
3. وسائل الرصد: لابد من استخدام التقنيات الملائمة لرصد كل تغير أو اعتداء على المحمية، بالأسلوب الذي يسمح بالتدخل السريع لمنع الضرر. ومن الممكن أن يكون أحد وسائل الرصد، الأقمار الصناعية وهي كثيرة، كما أن الرصد يمكن أن يكون عن طريق الدوريات الراكبة أو حتى بالمروحيات. وبالقطع فإن أسلوب المراقبة والرصد يجب أن يكون ديناميكيا يتغير مع تغير المعطيات.
4. التمويل: والمعني هو توفر الدعم المالي المناسب والدائم لتنفيذ خطة الحماية.
عندي يقين راسخ أن تعليم الأجيال الصاعدة بأهمية البيئة، أفضل من أنفاق المال على المتابعة والملاحقة. لو أن ابني فهم أن قيمة الشجرة ليست في ثمارها وأخشابها فقط، ولكن تمتد قيمتها لتشمل الظل الذي توفره في الحر والأكسيجين الذي تنتجه وتلطيف الجو والمنظر الجمالي، لاشك أن كل ما سبق يمكن أن يقاس بالمعيار المادي أو النقدي.