في الوقت الذي تستعد فيه وزارة الصحة لتطبيق قرار مجلس الوزراء بإلزامية الفحص الطبي للمقبلين على الزواج من المواطنين والمقيمين، كشف تحقيق أجرته «البيان» عن تجاوزات خطيرة ترتكبها مراكز طبية خاصة تمنح شهادات اللياقة الصحية للراغبين بمجرد اتصال هاتفي دون أن تطأ قدماه المراكز.
وقال مأذون شرعي بالفجيرة إن أحد الأشخاص قدم له تقريرا صحياً مزوراً يفيد خلوه من الأمراض السارية والمعدية من مركز طبي خاص، فطالبه بتقرير من قبل مركز صحي حكومي، الذي اثبت انه مصاب بمرض نقص المناعة المكتسبة (الايدز)، ليتم بعد ذلك تسفيره خارج الدولة، وإنقاذ حياة فتاة بريئة كانت ستكون ضحية التقارير المزورة.
كما أكد مستشار أسري أنه عقد قران شاب على فتاة بعد إحضار ما يثبت خلوه من الأمراض، الخطيرة إلا انه بعد خمسة أيام اتصل وطلب فسخ العقد واعترف انه مصاب بمرض نقص المناعة المكتسبة (الايدز)، ولولا أن لدى الشاب ضميرا حيا لأصبح مصير الفتاة الموت بهذا المرض البشع. وأضح الدكتور محمد عبدالرزاق صديق عضو هيئات الفتوة والرقابة الشرعية أن الفحص الطبي قبل الزواج أصبح واجباً شرعياً، لصدور قرار بوجوب قيام طرفي العلاقة الزوجية بالحصول عليه، قبل إتمام عقد الزواج، لدرء المخاطر والأمراض، وتجنباً لمشاكل الحياة الزوجية والمحافظة على الاستقرار الأسري والنفسي والاجتماعي، لأن ذلك من أساسيات الحياة الزوجية، مشيراً إلى أن الشريعة الإسلامية حريصة على استتباب الاستقرار الأسري والسكن النفسي والجسدي والمودة والرحمة بين الزوجين، وأن يكون الزوجين مهيأين صحياً لاستمرار العلاقة بينهما.
تلاعب وتدليس
وأضاف أن التلاعب في نتائج التقارير لفحص ما قبل الزواج يعتبر تدليساً وتزويراً وغير مقبول شرعاً، لأنه يهدد حياة واستقرار الأسرة، مشدداً على ضرورة اتخاذ إجراءات مشددة تضمن صحة التقارير التي تعطى لطرفي العلاقة الزوجية قبيل الزواج، كان توثق من قبل جهات حكومية رسمية ومعتمدة، لا يمكن أن يحدث فيها أي تزوير أو تهاون أو تلاعب بنتائج الفحص، كذلك ينبغي على الجهات المعنية بهذا الشأن وخاصة من وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف إجراء حملات توعية مستمرة للأهالي والشباب لتعريفهم بأهمية فحوص ما قبل الزواج وعدم التهاون والتساهل بها، كما يحدث أحيانا نتيجة ضغط من الأهالي، الذين يرون انه لا فائدة منه.
وشدد على أن المأذونين الشرعيين عدم التساهل عند كتابة عقد الزواج مع الزوجين في إحضار الفحص الطبي، لخطورة ذلك على الزوجين وعلى استقرار الحياة الزوجية.
ويرى الدكتور عبدالله الأنصاري المستشار في مركز مودة الأسري التابع لجمعية أم المؤمنين في عجمان أن قانون الأحوال المدنية الذي صدر يوم في نوفمبر من العام 2005 جعل قضية الفحص قبل الزواج إلزامية وعبر لجنة مختصة تشكلها وزارة العدل بالتنسيق مع وزارة الصحة لكن منذ سنتين لم تشكل هذه اللجنة ولا ادري السبب مع العلم أن هذه المسألة مصيرية لدى البعض وحالة الضرر التي قد تقع نتيجة للتزوير كبيرة مستشهدا بواقعة حدثت معه عندما قام بعقد قران شاب على فتاة بوجود فحص يؤكد خلوه من الأمراض إلا انه وبعد خمسة أيام اتصل وطلب مني فسخ العقد واعترف لي انه مصاب بمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز).
وأوضح أن القانون يلزمه كمأذون عدم إتمام عقد الزواج إلا بتقرير طبي لكن القانون لم يحدد جهات بعينها المهم شهادة خلو أمراض وهنا مكمن الخلل لكنني أقوم باجتهادي الشخصي بإفهام الطرفين أهمية المكاشفة والمصارحة لأن ذلك لا يؤذيهما فقط بل ذريتهما أيضا.
لافتا إلى أن القانون فيه بنود تستوجب التفريق بين الزوجين في حالات عدة منها المادة 112 التي تنص على فسخ عقد القران بين الطرفين إذا كان أحدهما مصاب بمرض وراثي أو علة منفرة سواء أصيب بها قبل أو بعد الزواج، وفي المادة 114 إذا اثبت التقرير الطبي عقم أحد الزوجين أو إصابته بمرض معدي كالايدز وجب فسخ العقد والتفريق بينهم.
واقترح للخروج من مأزق التقارير المزورة العودة إلى النص القانوني في المادة 27 الفقرة الثانية التي تشترط لإجراء عقد الزواج تقديم تقرير من لجنة طبية مختصة تفيد بخلو المتقدم من الأمراض التي نص القانون على طلب التفريق بسببها.
وقال إن المصابين بأمراض كالسكري والقلب عليهم مصارحة الطرف الثاني حتى يتهيأ، أما الأمراض المستعصية كالأمراض العقلية والعصبية والسرطانات فإن المصارحة بها تحول دون فشل الزواج، وبالنسبة للأمراض الوراثية كفقر الدم والثلاسيميا.
مقاصد شرعية
وقال الدكتور عبدالناصر أبو البصل عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الشارقة إن إخفاء أحد طرفي العلاقة الزوجية أي مرض على الطرف الآخر محرم شرعا، وقد يكون احد أسباب الشقاق، مشيرا إلى أن الطرف المتضرر يمكنه أن يطلب التفريق، ويحصل على حكم من القاضي الشرعي بالتفريق للضرر، خاصة في العيوب والأمراض المنفرة التي تحول دون استتباب واستقرار الحياة الزوجية.
وأوضح أبوالبصل أن فحوصات ما قبل الزواج تحقق مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ النفس والنسل والأموال، وعليه فإنها يجب أن تتم بسرعة وبسرية تامة ومن خلال جهات معتمدة موثوق فيها تحت رقابة الدولة، محذرا من إن التقارير التي تعطى من قبل بعض المراكز الصحية، يمكن أن تكون شكلية ومجافية للحقيقة بقصد الربح المادي فقط، مما قد يؤدي إلى أمراض خطيرة ومعدية، لأحد طرفي العلاقة الزوجية، وانهيار أسس الاستقرار الأسري والاجتماعي.
وشدد عبيد محمد إبراهيم المفتش القضائي الأول بوزارة العدل على ضرورة تشكيل لجنة من قبل وزارة الصحة لتوثيق فحوص ما قبل الزواج والتأكد من صحتها. وأشار إلى انه رغم مرور عامين على القرار الصادر في شهر ديسمبر من العام 2005، الذي ينص على إلزامية فحوص ما قبل الزواج، ووجود مذكرة تفصيلية للقانون، تحدد الجهات المخولة بإصدار هذه الفحوص.
وهي العيادات والمستشفيات الحكومية لدقة تقاريرها وصعوبة تزويرها، مشيراً إلى أن تأخر وزارة الصحة بتشكيل لجنة متخصصة في اعتماد هذه الفحوصات، جعل بعض المحاكم توافق على تقارير العيادات الخاصة المرخصة من قبل وزارة الصحة.
وقال علي خلفان الكندي مأذون شرعي بالفجيرة انه يجب على السلطات والأجهزة المعنية تحديد قائمة بالمراكز الصحية المعتمدة التي يمكن أن تصدر تقارير فحوص ما قبل الزواج، وضرورة تقيد المأذون الشرعي بهذه القائمة وعدم قبول أي تقارير خارجة عنها وذلك من اجل تحقيق أفضل معايير الدقة وصحة هذه الفحوص، حتى لا تصبح شكلية يمكن أن يحصل عيها البعض بمجرد مكالمة هاتفية دون أن يجري أي فحص طبي كما يحدث أحيانا.
دورات لتجنب عمليات التزوير المتقنة
اقترح عبيد محمد إبراهيم المفتش القضائي الأول بوزارة العدل على اللجان التي يفترض أن تشكلها وزارة الصحة لتوثيق عقود فحص ما قبل الزواج أن تخضع لدورات قانونية وصحية وشرعية لاتخاذ التدابير اللازمة لتجنب التلاعب والتدليس في هذه الفحوصات، التي يمكن أن تهدد الاستقرار الأسري.
وأشار إلى أن كثير من الأمراض لا يشملها الفحص الطبي ولكنها توجب التفريق بين الزوجين إذا تضرر أحدهما منها، وهي كثيرة ومتشعبة ولا تعتمد على فحص الدم الذي يكشف عن مرضي الايدز والكبد الوبائي فقط، لأن هناك أيضا العديد من الأمراض الخطيرة والأوبئة التي تحول دون استمرار العلاقة الزوجية.
القطامي: الفحص بالمستشفيات الحكومية الثلاثاء المقبل
أكد معالي حميد القطامي وزير الصحة أن الوزارة ستبدأ اعتبارا من الثلاثاء المقبل تطبيق قرار مجلس الوزراء المتعلق بفحوصات ما قبل الزواج والذي سيتم تطبيقه على المواطنين والمقيمين في الدولة.
وقال إن الوزارة اتفقت مع جميع الجهات المعنية على عدم توثيق أي عقد زواج في المحاكم الشرعية ما لم يكن مرفقا بالفحص الطبي للطرفين.
وأشار إلى أن الوزارة انتهت من تزويد المراكز التي تم اعتمادها لإجراء فحوصات ما قبل الزواج بأحدث الأجهزة والمعدات الطبية مشيرا إلى أن نتائج الفحوصات سيتم التعامل معها بسرية تامة.
وتشمل قائمة الأمراض التي سيشملها الفحص أمراض الدم الوراثية مثل الثلاسيميا و والأمراض الخطيرة المعدية كالتهاب الكبد الوبائي والايدز، وحددت رسوم تلك الفحوصات بـ 200 للمقيمين ومجانا للمواطنين.
الشرع يشجع الوقاية من الأمراض الوراثية
أفاد الدكتور عبدالله الأنصاري المستشار في مركز مودة الأسري أن الشرع أجاز وشجع على إجراء الفحوص الطبية باعتبارها احد التدابير الوقائية التي تمنع حدوث الأمراض الوراثية مستندا إلى قوله عليه الصلاة والسلام «لا يوردن ممرض على مصح».
فقد جاء الإسلام على حفظ الضروريات الخمس التي لا تستمر الحياة إلا بها ومنها النفس ولا شك أن الأمراض الوراثية تكون مهلكة للأبناء فلا يجوز بحال من الأحوال نقل العدوى إلى الأجنة بل يحرم ذلك إذا ثبت فعلا، مضيفا انه لا يوجب العلماء إجراء الفحوص الطبية إلا إذا أوجبه ولي الأمر لأن الشارع الحكيم قد أعطى ولي الأمر صلاحيات تقييد المباح أو إيجابه من ناحية السياسة الشرعية.
تحقيق: فراس العويسي ونورا الأمير