المتأمل في شعائر الحج ونسكه وأركانه يجده جهادا كبيرا ومنافع عظيمة وخيرا عميما يصل إلى الداني والقاصي من أبناء هذه الأمة، ولعل تجمع المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف أجناسهم وأعراقهم يعد من هذه المنافع التي ذكرها الحق تبارك وتعالى في كتابه الكريم (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات..) آية 28 سورة الحج.
وأداء مناسك الحج على وجهها الصحيح لا يمكن القيام بها إلا إذا كان المؤمن يفعلها بقلبه وجسمه لان كل عمل من أوامر الشريعة المطهرة للقلب فيه تأثير خاص، فلو أن المسلم قام بأداء الأحكام الشرعية بجسمه مع غفلة قلبه عن الاستحضار الذي يتمثل فيه لمن العمل ولم العمل؟ وما الغاية الباعثة عليه؟
كان هذا العمل ناقصا أو مردوداً لعدم استيفاء شروطه شرعا لغفلة القلب، فإن الأعمال البدنية صورة ميتة وإنما حياتها وروحها بالإخلاص فيها قال تعالى (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) آية 37 الحج.
كما أن مبادئ الإسلام وتشريعاته لا تسمو بالجانب الروحي فقط بل ترتبط ارتباطا قويا بكل العلوم التي تشتمل على رقي الحياة البشرية وازدهارها وتقدمها في إطار الإيمان والحق والأمن والسلام.
فالحج يحتاج إلى المال للزاد والراحلة والمال في الإسلام لابد أن يكون من طرقه المشروعة بكل الوسائل الممكنة، فالإسلام حث على العمل والإنتاج بالعلم والمعرفة للكسب الحلال وكذلك يحتاج إلى السفر وهو مرتبط بوسائل النقل والمواصلات البرية والبحرية والجوية وذلك يدفع إلى معرفة علم الأرصاد الجوية لمعرفة أوقات هبوب الرياح والسير ليلا أو نهاراً ومعرفة أماكن الأمن والخوف.
وهكذا نجد أن هذه العلوم الكونية تعين على أداء العبادات لتكون اقرب إلى القبول عند الله سبحانه وتعالى.. فمن لبى لله في الحج فليلبِّ له في كل مكان وزمان بالاستجابة لأمره أنى توجهت ركائبه، وحيث استقلت مضاربه، لا يتردد في ذلك ولا يتخير، ولا يتمنع ولا يضجر، وإنما يذل ويخضع، ويطيع ويسمع. ومن لبى لله في الحج مستجيبًا لندائه كيف يلبي بعد ذلك لدعوة أو مبدأ أو مذهب أو نداء يناهض دين الله الذي لا يقبل من أحد دين سواه....
فيا من امتنعتم عن محظورات الإحرام أثناء حج بيت الله الحرام،.. هناك محظورات على الدوام، وطول الدهر والأعوام، فاحذروا إتيانها وقربانها، يقول جل وعلا: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة: 229.
يا من غابت عنه شمس هذه الأيام ولم يقضها إلا في المعاصي والآثام، يا من ذهبت عليه مواسم الخيرات والرحمات وهو منشغل بالملاهي والمنكرات، أما رأيت قوافل الحجاج والمعتمرين والعابدين؟! أما رأيت تجرد المحرمين، وأكفّ الراغبين، ودموع التائبين؟! أما سمعت صوت الملبين المكبرين المهللين؟!...
بادر بالمتاب ما دمت في زمن الإنظار، واستدرك فائتًا قبل أن لا تُقال العثار، وأقلع عن الذنوب والأوزار، واعلم أن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار...ويا من تقلبتَ في أنواع العبادة، ألزم طريق الاستقامة، وداوم العمل فلست بدار إقامة، واحذر الإدلاء والرياء فربّ عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية، يقول بعض السلف: من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته.
أحمد عبد المجيد