سألني أحد الزملاء حول رأيي في الاستماع إلى القرآن الكريم أثناء قيادة السيارة، وبعد أن قرأ مقال العدد قبل الماضي وقولي إنني لا أحب السرعة على الطريق والتزم بخط سير معين، فبادرني بالسؤال وماذا عن الذين لا يلتزمون بخط معين أو يسرع خلال قيادته، فهل يستمع إلى القرآن أم لا؟.
ومن ينظر إلى الفائدة التي تعود عليه من جراء استماعه إلى كتاب الله وخاصة من الذين تدخل قراءتهم القلب والعقل، وتبعث على الخشوع والتدبر والفهم لا يسعه إلا أن يستمع إليه حتى وهو نائم أو قبل خلوده إلى النوم، فما بالك بمن ذهنه وقلبه حاضران خلال القيادة.
وفكرت في الأمر فرأيت أن الفتوى التي أصدرها الدكتور أحمد الحجي الكردي خبير الموسوعة الفقهية وعضو لجنة الفتوى في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية من أن سماع القرآن الكريم أثناء قيادة السيارة ممنوع، هي من باب الاختلاف في الرأي فتنطبق على البعض ممن لا يستطيعون الانتباه أو انشغالهم عن الاستماع.
ولا تنطبق على البعض الآخر وأنا واحد منهم لأني ألزمت نفسي بذلك، ومن الأفضل للجميع الاستماع إلى كتاب الله، فوقت القيادة فرصة لا تعوض من أجل الاستفادة من الاستماع إلى الآيات القرآنية والابتعاد عن التفكير في أمور أخرى ليس هذا وقتها.
وكلنا يعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يسأل فيه ربه مستغيثا بأسمائه الحسنى أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلبه فيقول صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجلاء همومنا وأحزاننا».
ويرى الباحث بكلية دار العلوم بالقاهرة عماد الدين دهينة أن سماع القرآن الكريم يعتبر عبادة صامتة يغفل عنها الكثيرون، حيث إن لسماع القرآن سحر للقلوب وسلطان عليها، حتى حذَّر الكفار أتباعهم من سماع القرآن لما يعلمون من صدقه وسلطانه على القلوب، حيث حكى القرآن عنهم فقال: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ» (فصلت: 12).
ورسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من عبدالله بن مسعود أن يسمعه القرآن رغم أنه أنزل عليه، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ عليَّ القرآن» فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟، قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية: «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا» (النساء: 41). قال: «حسبك الآن»، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان» (متفق عليه).
ولم يقتصر تأثير القرآن على الإنسان فقط، ولكن كان له تأثير على الجن أيضا، يقول سبحانه: «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدا» (الجن:1-2).
