من أراد أن يمده الوجود كله بالخير فليجعل نفسه تحت الخلق كلهم في الدرجة، فإن المد الذي مع الخلق كالماء، والماء لا يجري إلا في المواضع المنخفضة دون العالية أو المتساوية، ولا يرى الإنسان نفسه كذلك إلا إذا أحسن ظنه بالخالق أولا ثم بالخلق ثانيا.

تحت هذه المفاهيم العميقة والراسخة في وجدان الخليقة جاء هذا المؤلف الجديد «سمات العصر» لمفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة، والذي تعددت مؤلفاته الدينية، والتي أنصب معظمها في معالجة الحياة تحت مسمى «دع الخلق للخالق».

هذا الكتاب الذي بين أيدينا يدعو فيه مؤلفه إلى العمل على مناهج التغيير وعلى كل المستويات سواء على المستوى الفردي أم الجماعي، ويشير في بعض فقراته إلى ضرورة أن يلجأ الإنسان لتغيير نمط الحياة، ويجعل من نفسه أكثر حكمة في معالجة أمور حياته، وينتقل المؤلف لحال المسلمين ويؤكد أنهم تأثروا في كتابة أدبياتهم بفكرة النسب والمطلق.

وكتاب «سمات العصر»، يحتوي على قسمين: الأول عبارة عن مقالات نشرت في جريدة الأهرام وهي مقالات فكرية، وأخرى نقدية إصلاحية، ومقالات القواعد والمسائل، أما القسم الثاني من الكتاب فهو يشمل مقالات وموضوعات متفرقة.

وتحت عنوان «مفهوم الأمة» يذكر المؤلف أن مفهوم الأمة في نظر المسلمين ممتد عبر الزمان فيما يمكن أن نسميه بالدين الإلهي، فالأمة تبدأ من آدم، وتشمل كل الرسل والأنبياء في موكبهم المقدس عبر التاريخ، والأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام ممتدة عبر الزمان والمكان، وفي جميع الأحوال، وبدء الأمة من آدم يجعل لقصة الخلق الواردة في القرآن الكريم معنى جليلا، ولا تكون إقرارا لحقيقة أو لواقع فحسب، بقدر ما تكون تأسيسا لمفهوم يبنى عليه الاجتماع البشري.

ويتساءل جمعة: إذا كان هذا حال الأمة عبر التاريخ الماضي واحدة بعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وواحدة في يومنا هذا في أساس عقائدها فلماذا لا نكون أمة واحدة في واقع معاشنا؟

يجيب المؤلف عن هذا التساؤل قائلا: يمكن أن نضع برنامجاً عملياً منبعثاً منا يشتمل على:

التقريب والتحالف بين دول المنطقة، ولنبدأ باقتراح الطريق السريع الذي يربط بين البلدان، وهذه هي أول خطوة من ربط البلدان بعضها مع بعض، ورفع تأشيرات الدخول والإقامة بين العالم العربي، السعي إلى تفعيل السوق المشتركة والتجارة البينية والاكتفاء الذاتي، عن طريق المشروعات العملاقة كالتي بين مصر والسودان في زراعة القمح.

ونأمل في السعي الحثيث لتوحيد العملة بين الأقطار العربية ثم الإسلامية، وبعد ذلك هناك أساليب للوحدة مع الاحتفاظ بالهوية والخصوصية كالاتحاد الفيدرالي، وأخيرا إصلاح التعليم بالاهتمام بمراكز البحث العلمي، وتشجيع الابتكار وحمايته بقضايا التدريب وبالجانب التطبيقي.

يذكر المؤلف أن مفهوم النخبة نراه في الكتاب والسنة وحكمة البشر ولكنه يتعرض من بعض تيارات ما بعد الحداثة في العصر الحاضر لكثير من الرفض، وهذا التيار لا يعتمد على تجربة بشرية مستقرة، ويدعونا إلى شيء جديد لا نعرف ملامحه ولا إلى أي طريق يقودنا إليه، والنتائج التي ستترتب عليه.

إن القضاء على النخبة والدعوة إلى التساوي المطلق قد تتضمن في طياتها هلاك العالم، وهناك مجموعة من النصوص التي يمكن أن تكون أساسا لهذا المعنى، قال تعالى: «يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. فجعل الله للناس رؤوسا، وجعل ذلك طبقا لكفاءتهم ورغبتهم في الإصلاح دون إفساد. ويؤكد المؤلف على أن وجود النخبة يؤدي إلى حل المشكلات، وإلى الأمن والاستقرار بين الناس.

أما عن مناهج التغيير فيقول: إن التغيير يجب أن يكون في جهات مختلفة وكثيرة، فنحن نحتاج إلى التغيير على كل المستويات، على مستوى الفرد، وعلى مستوى الجماعات، وغيرها بل على مستوى المجتمع كله، والتغير له اتجاهان: اتجاه التطور إلى الأحسن واتجاه التدهور إلى الأسوأ، وسنة الله في كونه أنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

ويؤكد على أهمية أن نغير نمط حياتنا، برنامج يومنا، ونجعله أكثر جدية مما هو عليه، ونجعله أكثر حكمة، فنرتب الأولويات ونعلم أن ارتكاب أخف الضررين واجب، ودفع أشد المفسدتين واجب، فلابد أن نحافظ على أوقاتنا ونتقن أعمالنا ونستديم على ما بدأناه ولا نحقر صغائر الأمور فنقع في كبارها، ونحاول أن نكون حكماء فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.

ويختتم جمعة المقالات الفكرية، بالحديث عن النسبي والمطلق قائلا: إن المتأمل في الفكر الإسلامي يجد أن المسلمين قد آمنوا بالمطلق، واعترفوا بالنسبي، وإيمانهم بالمطلق تمثل في إيمانهم بالله، فالله سبحانه وتعالى كان قبل الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهي الجهات الأربع التي تحكم الواقع المعيش، والتي ينسب إليها، ولذلك نسمي هذا المتغير بالنسبي نسبيا في الزمان والمكان.

يضيف المؤلف أن المسلمين تأثروا في كتابة أدبياتهم بفكرة النسبي والمطلق، فتراهم يبدأون بالإقرار بالإيمان المطلق، وبما يؤدى إليه ذلك الإيمان من الإيمان بالله وبرسله وبالقيم السامية العالية، ويتمثل ذلك في بدايات الكتب حيث يبدأون بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) والتي نحت منها في لغة العرب كلمة (البسملة) للدلالة عليها.

ثم يتبعون ذلك بـ (الحمد لله رب العالمين) وتفننوا في صياغات الحمد كثيرا، ثم يذكرون الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وتراهم يقولون في نهاية اجتهادهم أو بحثهم «والله تعالى أعلى وأعلم» وهي كلمة حكيمة تدل على أمور منها: أنه يعلن أن علمه محدود، وأن حواسه التي تتلقى الواقع من حوله محدودة، وأن الدماغ التي هي محل التفكير وأدواته محدود كذلك، ويبدو أن الذات لا تتضخم حينئذ ولا يتغير الإنسان بما قد توصل إليه، ويترك فرصة كبيرة من ورائه لقضايا القطع واليقين في مقابلة قضايا الظن.

وينتقل المؤلف في القسم الثاني من الكتاب إلى المقالات النقدية الإصلاحية فيقول في أولى هذه المقالات «والله لا يحب المعتدين»: ثلاث عشرة صفة لا يحبها الله، إذا ابتعد الإنسان عنها كان عبدا ربانيا، وصلح بسكونه الاجتماع البشري، وحسنت علاقته مع ربه ومع نفسه ومع الناس بل مع الكون كله.

وأول صفة هي صفة العدوان، وينهى عنها الله بنهي صريح مباشر صار كالقاعدة المطردة: «ولا تعتدوا» فالعدوان يفسد نفس الإنسان، ويولد هذه النفسية التي نراها عند الطغاة عبر التاريخ، والله لا يحب الفساد ولا الفاسدين، والفساد ينتج عن العدوان، كما أنه لا يحب الظالمين، والظلم هو التصرف في ملك الغير بدون إذنه، والمعتدي الذي لا يرتدع فيه صفات كلها يكرها الله ولا يحبها: الكفر والإثم.

ويذكر المؤلف أن مجموعة الصفات السابقة تولد صفتين مذمومتين هما: الفرح القاصر، والجهر بالسوء، والفرح الذي هو السرور مطلوب لا شيء فيه، وأما المذموم فهو الفرح بالطغيان والعدوان وإهلاك الحرث والنسل، فهو فرح قاصر على نفس الإنسان لا يفرح سواه به.

أما الجهر بالسوء فهو أمر ذميم في التربية وفي المجتمع وفي العلاقات الدولية وفي الحكم بين الناس، حيث يتحول المنكر إلى معروف يرضاه الكافة وتشيع الفاحشة والبذاءة في الناس، ويتحول المعروف إلى منكر ويختل الميزان ويختلط الأمر حتى على الحكماء، ولا يبقى للناس أصول يرجعون إليها.

وفي مقال «إذا لم تستح فاصنع ما شئت»، يقول المؤلف: الحياء خلق يمنع صاحبه من الفحش في القول والعمل، ولذلك فإنه ضد بعض معاني الشفافية التي يدعو إليها بعضهم في عصرنا هذا، والشفافية قد تعني الصراحة في القول والصدق في العمل وهي خلق محمود بلا شك، وقد تعني التبجح بالفاحشة وإظهار المعاصي والفجور بدعوى الحرية التي تساوي حينئذ التفلت والعبث.

والحياء المذكور في القرآن الكريم جاء على ثلاثة أنحاء: الأولى ما أسند إلى الله تعالى قال سبحانه: «إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا{ وذلك أن هذا ليس بحال الحياء، لأنه مجال تعليم، والثانية حياء منسوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنه قوله تعالى: (إن ذلك كان يؤذي النبي فيستحيي منكم). والثالثة جاء منسوبا إلى النساء العفيفات (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء).

يذكر المفتي في هذا المقال بدء مشروع بنك الطعام بمصر، وهو مشروع خيري لسد فجوة الجوع كما أمرنا الله سبحانه وتعالى، ووصف المتقين بهذه الصفة فقال: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا).

والطعام وهو أحد الأساسيات للإنسان، وفتح بنك له هو أول خطوة في المشروع الأكبر الذي يشمل الكساء، ثم السكنى، والذي يقضي حينئذ على ظاهرة أولاد الشوارع التي ملأت العالم وبدأت تسري عندنا والتي هي سبة في جبين البشرية، خاصة من دان بالإسلام «دين الرحمة والتكافل».

والطعام هو أساس حساب احتياجات الإنسان، حيث إنه يمثل 40% من الدخل غالبا في أي مستوى من المستويات الثلاثة وهي: مستوى الكفاف، ومستوى الكفاية، ومستوى الكفاءة، وهذه مستويات المعيشة الثلاثة التي لها علاقة بتحديد مستحق الزكاة، فالزكاة تعطى لمن هو دون مستوى الكفاية حتى يصل إلى مستوى الكفاية.

القاهرة ـ أيمن عثمان