اهتزت باكستان أمس على وقع تفجير انتحاري وإطلاق نار، حيث قتلت رئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو و20 من أنصارها خلال تجمع انتخابي في روالبندي، ما أشعل موجة من العنف في كراتشي سقط خلالها 6 قتلى وأحرقت عشرات السيارات، الأمر الذي دفع مراقبين للقول إن الحادث يضع باكستان على حافة مصير مجهول بفعل الأزمة السياسية الداخلية المستحكمة وعمليات العنف خصوصاً في منطقة القبائل الحدودية إضافة إلى الضغوط الخارجية.

وأعلن الرئيس برويز مشرف حالة «التأهب القصوى» والحداد ثلاثة أيام وتنكيس الأعلام، في حين أكد زعيم المعارضة نواز شريف مقاطعة حزبه الانتخابات البرلمانية التي من المرجح إرجاؤها داعياً إلى إضراب عام. في وقت أدانت عواصم العالم الجريمة الإرهابية، ودعت الإمارات الباكستانيين إلى التماسك والوحدة مستنكرة العمل الإجرامي، بينما تعهد الرئيس الأميركي جورج بوش بالوقوف خلف إسلام أباد في مواجهة التطرف. وقتلت بوتو (54 عاماً) فور انتهائها من إلقاء خطاب انتخابي في روالبندي عندما أقدم مفجر انتحاري على إطلاق الرصاص على بوتو قبل أن يفجر نفسه وسط التجمع الانتخابي لزعيمة حزب الشعب. وقال ضابط الشرطة محمد شاهد «أطلق الرجل في بادئ الأمر النار على سيارة بوتو المصفحة، فأحنت رأسها وبعد ذلك فجر نفسه ما أدى إلى مقتل 20 شخصاً من أنصارها».

وروى أحد زعماء حزب الشعب، قمر حيات، تفاصيل عملية الاغتيال بالقول إنه «كان يقف على بعد 10 أمتار من السيارة التي تقل بوتو وقت وقوع الهجوم الانتحاري في مدخل حديقة لياقت»، مشيراً إلى أنها كانت داخل السيارة عندما غادرت الموقع واندفع نحوها مجموعة من الشباب هاتفين بحياتها وكان منها أن أطلت من الفتحة العليا للسيارة لتوديع تلك المجموعة. وأوضح أنه شاهد شاباً نحيفاً يندفع من مؤخرة السيارة إلى مقدمتها. وفي لحظات فتح النار على بوتو وأعقب ذلك تفجير نفسه ما أحدث دوياً هائلاً لتنطلق السيارة بعد ذلك فوراً من الموقع. وأوضح المستشار الأمني للراحلة، عبدالرحمان ملك، ان «الأعيرة النارية أصابتها في عنقها وصدرها فيما نقل عن الأطباء قولهم إنهم حاولوا خلال الساعة التي أمضتها بوتو في غرفة العمليات وهي في غيبوبة تامة إنقاذها غير أنها فارقت الحياة نتيجة نوبة قلبية من هول دوي الانفجار».

وأعلن شخص قال إنه ناطق باسم تنظيم «القاعدة» مسؤولية التنظيم عن عملية اغتيال بوتو. وذكرت وكالة «اكي»الإيطالية أن شخصاً يدعى مصطفى أبو اليزيد أبلغ مندوبها بكراتشي في اتصال هاتفي مسؤولية التنظيم عن الاغتيال. وقال «قتلنا الاحتياطي الأميركي الأغلى التي كانت قد تعهدت بهزيمة المجاهدين». وذكرت الوكالة الإيطالية ان ابو اليزيد هو المسؤول الأساسي للقاعدة في أفغانستان وكان يتحدث بلهجة انجليزية ركيكة. ولم يستبعد آصف بوتو ابن عم بنازير وكذلك زوجها آصف زرداري أن يكون «مشرف وراء الاغتيال»، ولا سيما أن فرصتها في النجاح خلال الانتخابات المقبلة كانت كبيرة. وقطع أكثر من مئة من مناصري بوتو الطريق الرئيسية في مدينة بيشاور، حيث حرقوا لوحات إعلانية مطلقين شعارات معادية للرئيس برويز مشرف، وفرقت الشرطة بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع المظاهرات واستهدفت مفوضية للشرطة بالحجارة إضافة إلى سيارات خاصة.

وقتل أربعة من المتظاهرين الغاضبين في كراتشي ومناطق متفرقة، فضلاً عن حرق ما يصل إلى 40 سيارة. وأفادت قناة «دون نيوز تي في» الإخبارية الباكستانية بأنه سيجري نقل جثة بوتو جواً من قاعدة جوية عسكرية بروالبندي ليلة الخميس، الجمعة، إلى مسقط رأسها بإقليم السند الجنوبي حيث سيجري دفنها.

وعقب الاغتيال ترأس مشرف اجتماعاً في القصر الرئاسي حضره رئيس الحكومة الانتقالية محمد ميان سومرو ووزراء ومسؤولون أمنيون. وبعد الاجتماع حض الرئيس الباكستاني الشعب على الهدوء لمواجهة هذه المأساة بتصميم متجدد على مواصلة محاربة الإرهاب.

واصفا جريمة الاغتيال بـ «الكارثة الوطنية». وأعلن وضع قوات الأمن في «حالة تأهب» والحداد ثلاثة أيام وتنكيس الأعلام. كما تعهد رئيس الوزراء الباكستاني محمد يان سوم «بكشف المؤامرة» ضد باكستان.

أما زعيم المعارضة، رئيس حزب «الرابطة الإسلامية» نواز شريف فأعلن أن حزبه سيقاطع الانتخابات البرلمانية المقبلة. وتعد بوتو، وهي سليلة عائلة سياسية عريقة، رابع ضحية من العائلة بسبب نشاطها السياسي حيث أعدم والدها رئيس وزراء باكستان الأسبق ذو الفقار علي بوتو عام 1979، كما قتل أخواها أيضا بسبب السياسة.

وتوالت ردود الأفعال العربية والدولية عقب الهجوم، حيث أعرب وزير الخارجية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان عن أن الدولة «فجعت بهذه الخسارة الجسيمة التي لم تصب الباكستان فقط بل أصابت دولة الإمارات العربية المتحدة».

وقال «لقد كانت الراحلة الكبيرة صديقة عزيزة لدولة الإمارات وارتبطت معها بعلاقات إنسانية لسنوات طويلة». وتابع «ان الكلمات تعجز عن التعبير عن استنكارنا لهذا العمل الإجرامي الجبان وعن فجيعتنا بخسارة بنازير بوتو».

ودعا أسرة الفقيدة «إلى الصبر والتماسك»، مناشداً الشعب الباكستاني «توحيد صفوفه ووضع كل خلافاته جانباً وتفويت الفرصة على أعدائه الذين يريدون تقويض وحدته الوطنية واستقرار بلاده». كما توجه سمو وزير الخارجية «بأحر تعازي دولة الإمارات قيادة وحكومة وشعباً لأسرة الفقيدة الراحلة وللشعب الباكستاني بهذه الخسارة الكبيرة والمصاب الجلل».

وعلى الصعيد الدولي، تم على نحو عاجل عقد اجتماع على مستوى المندوبين لمجلس الأمن الدولي لمناقشة الحادث المأساوي، حيث أدان المجلس في بيان تم تبنيه بالإجماع «بأشد العبارات» اغتيال بوتو.

وفي واشنطن، أدان بوش، وهو متجهم الوجه، اغتيال بوتو، ووصفه ب«العمل الجبان»، وقال في كلمة من منزله في كروفورد (تكساس) إنها «ضحت بحياتها من اجل الديمقراطية». ودعا إلى محاكمة «المتطرفين القتلة الذين يحاولون تقويض الديمقراطية في باكستان».

وأشار إلى أن «بوتو كانت تعلم أن عودتها إلى باكستان تعرض حياتها للخطر، ومع ذلك رفضت أن تسمح للقتلة بأن يملوا على البلاد المسار الذي تسلكه». وأكد على أن «الولايات المتحدة تقف خلف باكستان في مكافحة التطرف».

كما أعلن البيت الأبيض أن بوش اتصل هاتفياً بنظيره الباكستاني برويز مشرف وبحث معه الوضع في باكستان بعد جريمة اغتيال. ولم يتم الكشف عن فحوى الاتصال الذي كان «مقتضباً».

واتهم البيت الأبيض في بيان «أعداء الديمقراطية» بالوقوف وراء الاغتيال، معتبرا أنهم استخدموا في تنفيذ العملية الأساليب عينها التي يستخدمها تنظيم «القاعدة»، ومؤكداً في الوقت عينه أن الوقت ما زال مبكراً للكشف علنا عن هؤلاء المجرمين.

روالبندي ـ «البيان» والوكالات ــ لندن ـ جمال شاهين