عندما جاء الأخ إلى بيت أخته طالباً يد ابنتها لابنه لم يكن يتخيل أن تلك الزيارة ستكون فيها نهاية لحياته فقد جاء الرجل وهو يحمل آمالاً عريضة بأن يزوج ابنه من الفتاة التي أحبها رغم أن الفتاة لم تكن تبادله نفس المشاعر.
ما قاد الأخ يدخل بيت أخته ويفاتحها في طلب زواج ابنه من ابنتها حتى قوبل برفض قاطع، فقد قالت له أخته بأن ابنتها متعلمة وأنها تحضر للحصول على شهادة الماجستير وستحصل عليها قريباً فيما ابنه لم يتجاوز في تعليمه المرحلة الإعدادية حيث ترك المدرسة وانضم للعمل في شركة والده الكبيرة.
اعتبر الأخ بأن أخته توجه له صفعة برفضها ابنه رغم أن ابنه كان مسؤلاً كبيراً في شركة العائلة، إلا أن أم الفتاة رفضت هذا الزواج لأنه غير متكافئ من الناحية العلمية فهي سيدة واقعية، ولا تعبأ بأن ابن أخيها مسؤول كبير في شركة والده، أو أن والده من أصحاب الملايين لأنها هي نفسها ثرية وزوجها يمتلك الملايين، إذا فالمسألة هنا ليست مسألة مال بل علم وثقافة ومعرفة.
عندما رجع الأخ إلى البيت وأخبر ابنه بأن عمته غير موافقة على تزويج ابنتها له بسبب عدم إكمال تعليمه وبسبب الفجوة الثقافية والعلمية بينه وبين الفتاة استشاط الابن غيظاً وقرر أن يذهب إلى بيت عمته لإقناعها بالموافقة، إلا أن والده طلب منه عدم الذهاب إلى هناك حتى لا يسمع كلاماً يضايقه.
إلا أن الابن أصر على موقفه وطلب من والده أن يأتي معه لكن الرجل رفض قائلاً بأنه لا يريد أن يدخل بيت أخته مرة ثانية بعد الإهانة التي سببتها له برفضها زواج ابنه من ابنتها.
ذهب العريس المنتظر إلى بيت عمته التي استقبلته ببشاشة واضحة، وعندما عاتبها لرفضها الزواج من ابنتها أبلغته بأنها تحبه مثل ابنها لكن مسألة الزواج شيئاً آخر حيث لها اعتبارات تتعلق بالمستوى الثقافي والعلمي والانسجام بين الشاب والفتاة وهذه مسائل حتى يدوم الزواج.
إلا أن الابن أصبح فجأة كالأسد الذي نزع أنيابه وتحول إلى قطة أليفة وعد عمته إذا وافقت على زواجه من ابنتها فانه سيعود إلى مقاعد الدراسة من جديد خاصة وان الفصول المسائية متاحة له.
معارضة شديدة
وافقت العمة على شرط ابن أخيها وقالت له بأنها ستتكلم من ابنتها في ذلك عندما تعود من الجامعة.
عندما رجعت بنت العشرين ربيعاً كلمتها والدتها في هذا الأمر إلا أن الفتاة أبدت معارضة شديدة ورفضت الموضوع جملة وتفصيلاً وقالت بأنها لن تتزوج من ابن الخال حتى لو عاد إلى الدراسة وحصل على الدكتوراه لأنها تعرفه إنسانا مستهتراً وسبق له أن دخل السجن أكثر من مرة بتهمة تعاطي المخدرات والكحول.
بعد أسبوع عاد ابن الأخ يتصل بعمته ليخبرها انه سجل اسمه في إحدى المدارس الخاصة بالتعليم المسائي وانه أوفى بوعده وعليها أن توفي بوعدها، فقالت العمة بأنها كلمت ابنتها في مسألة الزواج لكنها رفضت ذلك بحجة أنها تريد أن تكمل دراستها، وطلبت منه أن ينتظر بعض الوقت حيث ان زوجها سافر للعلاج في الخارج وعندما يأتي لعله يستطيع التأثير على ابنتهما لتوافق على الزواج.
إلا أن هذا التبرير لم يقنع الفتى فما كان منه إلا أن ذهب إلى الجامعة التي تدرس فيها ابنة عمته وعندما شاهد ابنة عمته كان عقله من الغضب فقد كانت تسير وهي وثلاث أخريات مع بعض الزملاء، وهنا تقدم منها طالبا الحديث معها.
بعد تردد واضح، وافقت الفتاة ، حيث طلب منها أن يذهبا إلى كافتيريا الجامعة ليتحدثا عن مسألة مهمة، وبدأ متودداً إلى ابنة عمته، طالبا منها أن توافق على الزواج منه، إلا أن الفتاة أخبرته بأنها لا ترغب بالزواج في الوقت الحاضر، لأنها تفكر في استكمال تعليمها، لكنه لم يقتنع بذلك، على اعتبار أنها تتخذ مسألة التعليم ستاراً، لتخفي به علاقتها مع بعض الشباب الذين تتسكع معهم في الجامعة.
وكان الاتهام قاسياً عليها، ومع ذلك حاولت إقناعه بان علاقتها مع زملائها لا تتعدى علاقة دراسة فقط، وان تفكيره الضيق يصور له أشياء كثيرة غير حقيقية، لكنه شعر بإهانة كبيرة، لأنها وصفت تفكيره بالضيق فما كان منه إلا أن بدأ يصرخ في وجهها واصفا إياها بأوصاف سيئة ومهدداً بأنه سيتزوجها شاءت أم أبت.
وبدأت الفتاة تشعر بإحراج كبير بين الطلاب والطالبات في الجامعة فما كان منها إلا أن حاولت الانصراف لكنه استوقفها بالقوة طالبا منها أن تسمعه.
وتدخل بعض الطلاب وطلبوا منه أن يتركها وشأنها خاصة انها بدأت تبكي بصوت عالٍ.
لكنه بدلا من أن يترك المكان اشتبك مع الطلاب فتدخل حرس الجامعة وانتهت القضية في مركز الشرطة حيث وقع تعهداً بعدم التعرض إلى ابنة عمته مرة أخرى.
عندما عرف الأخ الأكبر للفتاة ما وقع لأخته في الجامعة، حاول الذهاب إلى بيت ابن خاله لإيقافه عند حده، إلا أن والدته طلبت منه عدم زيادة المشكلة تعقيداً، فهم في النهاية أسرة واحدة ، ولا يجوز أن يتصرفوا معا كأعداء.
عودة الأب
في هذه الأثناء عاد الوالد من رحلة العلاج التي طالت في الخارج، لذا استغل العريس المنتظر و والدة هذه المناسبة للسلام على الرجل العائد العلاج ومحاولة تلطيف الجو، وفي أثناء الحديث عاد الفتى إلى مسألة رغبته في الزواج من ابنة عمته، وحاول أن يغريها : بأنه سيدفع لها المهر الذي تريده وعلى استعداد لشراء الجهاز لها من لندن وباريس، ليؤكد كرمه وقدرته المالية.
لكن المفاجأة كانت أن الوالد العائد ورفضه حتى مجرد الحديث عن الزواج، رداً القرار لابنته، وبما أنها رفضت الزواج من أجل العلم، فلها الحق في ذلك وانه لا يستطيع أن يجبرها على شيء لا تريده.
أحس الفتى بأن المسألة أصبحت مسألة تحد لذا قرر أن ينتقم من الفتاة وأسرتها.
خطة الاختطاف
وبدأ يخطط لاختطافها، وأخذها إلى مزرعة أحد أصدقائه كي يذلها ويذل أهلها ويرغمهم في النهاية على القبول بزواجه منها، فجند بعض أصدقائه لهذه المهمة، وطلب منهم مراقبة ابنة عمته في الذهاب والإياب وبعد أقل من أسبوع من المراقبة عرف أوقات خروجها من الجامعة حيث إنها تخرج كل يوم أربعاء الساعة السابعة والنصف مساء حيث يقوم السائل بانتظارها أمام الجامعة.
من هنا بدأت الخطة ففي الوقت المحدد ذهب أحد الأصدقاء إلى السائق الذي كان ينتظر الفتاة وبدأ يتسامر معه، وهنا جاء صديق آخر وانضم إليهم، حيث كانوا جميعاً يجلسون في سيارة السائق الخاص بالفتاة، وفجأة وضع الشخص الذي كان يجلس في الكرسي الخلفي للسيارة منديلاً على أنف السائق الذي حاول أن يقاوم لكن الاثنين تغلبا عليه في النهاية حيث خدراه، ثم وضعاه في سيارة الفتى.
في هذه الأثناء جاءت الفتاة، واندفعت نحو السيارة التي قام أحد الأصدقاء بقيادتها دون أن تتنبه إلى أن السائق ليس هو سائقها، ولم تندفع السيارة لأكثر من 500م حيث تبعها ابن الخال هو وصديق له بسيارته ثم توقفت سيارة الفتاة بجانب الطريق.
حيث نزل الفتى وصديقه واندفعا إلى حيث تجلس الفتاة، وبحركة سريعة وضعا منديلاً على وجه الفتاة حيث خدراها وقد ساعدهما على كل ذلك أن زجاج السيارتين كان مغطى بطبقة من النايلون الأسود مما جعل مشاهدة ما يحدث داخل السيارتين مستحيلاً.
عاد العريس المنتظر إلى سيارته واندفع بها نحو مزرعة صديقه فيما بقيت الفتاة مخدرة في سيارتها التي كان يقودها أحد أصدقاء الشر وعندما ابتعدتا كلتا السيارتين عن المدينة رمى الفتى السائق المخدر في الصحراء ثم أكمل طريقه مع الصديقين نحو المزرعة، وعند وصولهم، وضعوا الفتاة في غرفة وأغلقوا عليها الباب.
بدأ الأهل يشعرون بالقلق وهم يرون الساعة تتجاوز الحادية عشرة دون أن ترجع ابنتهم أو السائق ومما زاد انشغالهم أنهم اتصلوا بجميع صديقاتها حيث اجمعن بأنها خرجت من الجامعة في الوقت المحدد مع سائقها.
حاول أهلها أن يتصلوا على هاتفها النقال وكذلك على هاتف السائق لكن الهاتفين كانا مغلقين، هنا أبلغت الأم الشرطة ، التي بدأت البحث حيث لم يبلغ عن وجودها في المستشفيات كما أن الدوريات لم تبلغ غرفة العمليات عن وقوع حادث لسيارة بنفس أوصاف سيارة الفتاة فبقي سر اختفائها والسائق لغزاً حتى الساعة السادسة من الفجر، حيث جاء السائق وهو في حالة مزرية ليبلغ الشرطة بما حدث.
هنا بدأت الشكوك تحوم حول ابن الخال، فليس لأي شخص مصلحة في اختطاف الفتاة إلا هو، ذهبت والدتها إلى بيت أخيها تسأل عنه، فأخبرها أخوها بأن ابنه لم يعد من الليلة الماضية وانه قلق بشأنه فما كان منها إلا أن قالت له بأنه خطف ابنتها.
حاول الجميع الاتصال بالابن على هاتفه النقال لكنه كان مغلقاً وهنا تم تجهيز قوة لمداهمة مزرعة والد الفتى إلا أن القوة رجعت خاوية اليدين حيث لم تجد أحداً في المزرعة.
هنا كانت الشرطة وضعت هاتف العريس المنتظر تحت المراقبة لتحدد موقعه في حالة حدوث أي اتصال منه.
لم ينتظر الضابط الذي يراقب الهاتف طويلاً حيث اتصل بأحد أصدقائه وطلب منه إحضار طعام وماء ومشروبات روحية إلى المزرعة.
على الفور انتقلت دورية من الشرطة الخاصة إلى المزرعة وانقضت عليه فأصيب بصدمة عندما شاهد رجال الشرطة يطوقونه ويسددون أسلحتهم نحوه، فيما كانت الفتاة في الغرفة مغلقاً عليها الباب.
ثم اقتياده إلى التحقيق حيث اعترف بما نسب إليه من عمليات خطف وتخدير واعتداء على الغير وتعريض حياتهم للخطر، لكن عمته تنازلت عن حقها وحق ابنتها بعد أن: توسل إليها أخوها بأن تسامح ابنة إلا أن المحكمة لم تتنازل عن الحق العام حيث تم الحكم عليه وصديقيه اللذين اشتركا معه في الجريمة بالسجن سنتين لكل واحد منهم مع النفاذ.
أيام العذاب
كانت أيامه كله عذاب في السجن، حيث افتقد النعيم الذي كان يعيش فيه لذا كان كل يوم يمر عليه كان يزيد حقده فيه على ابنة عمته وأهلها.
بعد انقضاء المدة القانونية خرج من السجن، كان الحقد الذي في نفسه قد تحول إلى وحش كاسر، لذا بعد خروجه بيومين توجه إلى بيت عمته بعد أن تأكد من وجود ابنتها، هناك دخل إلى البيت فوجد العمة والزوج والابنة يجلسون أمام التلفاز، فتفاجأ الجميع بوجوده وحاولوا أن يرحبوا به لكنه لم ينطق بكلمة.
نظر طويلاً إلى وجه من تمناها عروساً عندها شعرت بخوف شديد حيث قامت من مكانها محاولة الاحتماء بوالدها لكنها قبل أن تختفي خلف والدها طلباً للحماية كانت الرصاصة الأولى قد انطلقت لتستقر في صدرها.
حاول والدها أن ينهض ليوقفه، لكنه كان ضعيفاً حيث دفعه بعيداً عنه، فما كان من الرجل إلا أن اندفع نحو ابنته وبدأ يحميها بجسمه، هنا صوب المسدس نحو رأس الفتاة لكن الأب بدأ يبكي ويتوسل إليه أن لا يقتلها، إلاّ أن توسله لم يجد نفعا حيث انطلقت الرصاصة الثانية لكنها استقرت في رأس الوالد في هذه الأثناء كانت الوالدة قد خرجت إلى الشارع تطلب المساعدة.
أحس الفتى بأن أقدام الناس قد اقتربت من البيت ففر هارباً تاركاً الفتاة ووالدها غارقين في دمائهما، تم استدعاء سيارة الإسعاف ونقل الجريحين إلى المستشفى حيث توفي الوالد قبل أن يصل إلى المستشفى أما الفتاة فقد أدخلت العناية المركزة وبقيت فيها أكثر من ثلاثة أشهر، وأخيراً خرجت منها مشلولة اليد اليسرى.
بدأت الشرطة تبحث بشكل مكثف عن الفتى، وأخذت تراقب بيت وشركة والده وهواتف الشركة والبيت لكنه لم يتصل بأي رقم كما أنه لم يأتي إلى بيت والده أو الشركة تم توزيع صورته على جميع المراكز والمخبرين، وأخيراً وبعد نحو تسعة أشهر شاهدة احد المخبرين يتردد على بيت أحد المشبوهين المتعاطين للمخدرات.
تم اتخاذ الإجراءات القانونية لمداهمة البيت المشبوه وفي الوقت المحدد تمت المداهمة، حيث وجه نحو رجال الشرطة سيلاً من الرصاص من داخل البيت الاّ انهم في النهاية سيطروا على الموقف وتم اعتقاله وثلاثة من المشبوهين.
تم تقديمه بتهمة القتل العمد وتعاطي المخدرات ومقاومة رجال الشرطة حيث أحيلت قضيته إلى المحكمة.
أما الفتاة ووالدتها فقد تغيرت حياتهما بعد أن فقدتا الأمل في الدنيا وبعد أن فقدت الفتاة رغبتها في استكمال دراستها بل ورغبتها في الحياة فلا تزال صورة والدها وهو يحاول حمايتها من رصاصة غادرة تعيش في خيالها.
عندما زارتها إحدى الاختصاصيات النفسيات قالت لها الفتاة لم اعد أرغب في الحياة فأنا اشعر بأنني السبب في قتل أبي فقد مات المسكين ليحميني من الموت.
أحمد سلطان
