فرض الله تعالى الحج إلى البيت الحرام على عباده المسلمين لكي تكون هذه الرحلة فرصة يتدرب فيها المسلم على عفة اللسان والبعد عن الكلام المسيئ للمشاعر والأحاسيس، إضافة إلى التحلي بمكارم الأخلاق قولاً وفعلاً.
فيكون بذلك مصنعاً لرجال يتحلون بصالح الأفعال والأقوال، لكي يعودوا بعد ذلك من رحلتهم بارين صالحين محسنين ساعين وراء رحمة الله تعالى ورضائه وجنته، ولكي يكتمل فضل الحج على المسلم، هناك بعض السلوكيات التي يجب عليه أن يتمسك بها بعد عودته من حجه، لكي يكون من الفائرين، ولكي لا تنقطع تلك العلاقة السوية التي انعقدت أثناء حجه وتدوم حتى لقاء ربه ماذا ينبغي على الحاج فعله عقب عودته من حجه حتى يحافظ على هذا الثواب الكبير الذي حصل عليه وحتى تظل صفحته بيضاء نقية خالية من الذنوب؟
الشيخ محمد حسن فتح الله أمين عام لجنة الفتوى بالأزهر سابقا يقول: الحج فريضة إسلامية أوجبها الله - سبحانه وتعالى - على من يستطيع من عباده المسلمين في قوله تعالى: «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» وهو ليس مجرد مناسك أو شعائر يؤديها المسلم في وقت معلوم ومكان معلوم بل هو رحلة ربانية شرعها الله تعالى لتكون منهجا لحياة الحاج بعد عودته من الأراضي المقدسة.
وذلك بأن يتحلى بأخلاقيات الحج وآدابه طيلة حياته حتى يكون حجه مبرورا وثوابه الجنة ويعود على صاحبه بالبر والخير في دنياه وآخرته تصديقا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة قيل وما بره؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إطعام الطعام وطيب الكلام»
ولذلك على الحاج أن ينتهج أخلاق الحج وآدابه وسلوكياته بعد عودته ويتخذها سلوكا وأخلاقاً طيلة حياته والكلام موصول للشيخ فتح الله، بأن يأكل الحلال ويتجنب الحرام ويمشي بين الناس متجردا عن الشهوات والخبائث وقول الزور وكل ما يفسد حياته من المحرمات والمحظورات.
حيث إن غاية الحج ليست تأدية المناسك فحسب، بل أيضاً أن تكون صلة الإنسان بربه صلة ممتدة ومتصلة لا تنقطع أبدا لأن الحاج وصل نفسه بربه سبحانه وتعالى بالطواف والسعي حول رموز جعلها الله تعالى رمزاً للطاعة والعبادة، ومن ثم فلا ينبغي أن تنقطع هذه الصلة التي بين الإنسان وربه بعد العودة من الحج بارتكاب المعاصي والذنوب إذ إن واجب الحاج بعد عودته الحفاظ علي استمرار هذه الصلة بينه وبين ربه، وذلك بالالتزام بكل ما من شأنه أن يقرب الإنسان لربه من سلوكيات الخير والعدل والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يبعد الإنسان عن ربه من أفعال الشر والذنوب والمعاصي.
ويضيف الشيخ فتح الله: والحج ينبغي أن يكون تدريبا للحاج علي تطبيع سلوكياته مع أوامر الله ونواهيه بعد العودة من الحج وختام أداء شعائره بحيث تكون أعمال الإنسان خالصة لوجه الله تعالى ولا يفعل إلا طيب الفعل ولا يتحدث إلا بطيب الكلام ولا يتحلى إلا بمكارم الأخلاق حتى تكون علاقته بغيره علاقة مستديمة وحتى يحقق بذلك الغرض الإلهي من فريضة الحج، التي جعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من أفضل الأعمال حينما سئل عن أفضل الأعمال؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله ثم حج مبرور».
وليعلم كل إنسان أن الحج لن يكون مبروراً إلا بالالتزام بأوامر الله ونواهيه وتجنب المعاصي والتحلي بحسن الخلق وكرم النفس وتجردها عن كل ما يغضب الله ويؤذي خلقه فالحاج الذي فارق الأهل والبلاد وترك الأعمال واكتساب الأموال والاستزادة من الربح المادي في سبيل الحصول على ربح أكبر وأسمى، وهو رضا الله تعالى ومغفرته لابد أن يأخذ في اعتباره أن ذلك لا يتحقق.
إذا لم يكن شديد الحرص على التحلي بآداب الحج وأخلاقياته بعد عودته من الحج إلى جانب الحرص على طيب النفقة والخروج عن المظالم والتوبة النصوح، فالمال الحلال يكون عونا لصاحبه على جلب ما يقربه إلى الله ويجيبه إذا دعاه تصديقا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لسعد بن أبي وقاص: «يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة»، وهذا ما ينبغي على الحاج أن يلتزم به بعد عودته من أداء مناسك فريضة الحج، التي هي ليست مجرد شعائر مناسك بل هي جرعة إيمانية تنير طريق الصواب لصاحبها وعلى الحاج أن يحافظ عليها بتقوى الله في أفعاله وأقواله حتى تستمر معه طيلة حياته.
ويؤكد د منيع عبد الحليم محمود العميد الأسبق لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر على ضرورة أن يعلم الحاج بعد عودته، أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وعاد بشهادة ميلاد جديدة حيث إن الذي يوفقه الله تعالى لأداء فريضة الحج، ثم يسلم من الوقوع في الفسوق والرفث والجدال وذلك مصداقا لقول الصادق الأمين - صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» وعليه ينبغي على الحاج بعد عودته أن يكون إنسانا جديدا بعد أن طهر نفسه من الخطايا والآثام، وأن لا يقول ولا يفعل إلا ما فيه الخير لنفسه ولأهله ولدينه حتى يحقق بذلك القصد الإلهي من فريضة الحج.
ويقول د منيع: الحج أمنية لكل مسلم تتشوق نفسه إليها مهما تباعدت به الديار، وتظل أطياف هذه الزيارة تداعب خياله ويملأ الحنين إلى بيت الله الحرام قلبه والحج بذلك يعد فريضة للمسلم كي يتدرب على عفة اللسان والبعد عن الجارح من الكلام المسيئ للمشاعر والأحاسيس، ذلك النهج من الحديث الذي يحاربه الإسلام ويرفضه ويدعو المسلم أن يترفع عنه بعد عودته من الأراضي المقدسة.
فالحج فرصة للتدريب العملي على صيانة اللسان والتحلي بمكارم الأخلاق، والأخذ بالسلوك السوي حتى يعتاد المسلم ذلك في كل أمور حياته وحينئذ يهيئه الحج، لأن يكون نموذجا للإنسانية الراقية والأخلاق الطيبة، والهادية إلى الصراط القويم، كما قال الله عز وجل في سورة الحج: «وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد».
ومن ثم يجب على الحاج بعد عودته أن يعف عن القبيح ويقبل على الحسن الخير من الأقوال والأفعال والتصرفات والمعاملات مع أقرانه، وحسب الحاج فوزاً وفلاحاً أن يخرج من هذه التجربة الإيمانية وقد تطهر لسانه من دنس القول وتعودت نفسه علي السمو والرقي، وتطهر قلبه من شواغل السوء ودواعي الأذى، حتى تصير تلك سمة لكل أفراد المجتمع المسلم.
وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى أن الفوز بهذه القيم والمعاني العليا إنما هو خير زاد يتزود به المسلم في دنياه وأخراه ومن جانبه يقول د محمد أبوليلة أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر: إن الحج يفتح للمسلم صفحة بيضاء جديدة تنتفي أي سواد كان في حياته من قبل ولكي يحافظ الحاج علي ما اكتسبه من هذه الرحلة المقدسة من آداب وأخلاقيات ولابد أن تكون هذه الآداب.
وتلك الأخلاقيات مقرونة بصفة الاستمرارية بأن يلتزم بها الحاج بعد عودته في معاملاته وعلاقاته بسائر المخلوقات وليس بني البشر، لأن الحج قبل أن يكون فريضة فهو معمل تجارب ناجحة يتدرب فيها المسلم علي أن يكون أكثر التزاما في السلوك وأطيب خلقاً في المعاملة مع الناس مما كان عليه قبل الحج فعليه إذن أن يكون أكثر خلقاً وأحرص على مصالح الناس.
ويؤكد أبوليلة أنه ينبغي على الحاج أن يظهر للناس أن الحج قد غيره وأن يعتقد أن الحج تغيير لا تعميق للمعاصي والذنوب، وللأسف الشديد بعض الناس، يذهب إلى الحج ويعود وكأنه لم يذهب ويضيف: تجده يتلفظ بالألفاظ والعبارات المحرمة شرعاً فينبغي على الحاج أن يحافظ علي الأخلاق الطيبة ويستثمرها في نفسه وفي أولاده وفي جيرانه، لأن الحجيج إذا ما صلحوا فهم بذلك يكونوا رسل هداية ويكونوا قدوة حسنة للآخرين، وفي نفس الوقت يبرهن الحاج على أن الحج يغير النفس ويرجع بغير الشخصية، التي كان الحاج عليها قبل سفره، لأنه شاهد مهبط الوحي وطاف بقلبه ووجهه بالكعبة وذابت ذنوبه بماء زمزم وسعى بين الصفا والمروة.
ويقول د عبد الغفار هلال العميد الأسبق لكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر: إن فريضة الحج جعلها الله تعالى لتصحيح سلوك المسلم في الحياة بأن يكون ماله حلالا وسلوكه طيبا في معاملاته وعلاقاته بغيره امتثالاً لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» فالإسلام يحث المسلم على فعل الخير قبل أن يذهب لأداء الفريضة.
فيجب أن يعود وقد تخلق بأخلاقها، كما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يبين الله تعالى سلوك الحاج أثناء أدائه النسك، فيقول: «الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج»، ومعنى هذا أن الله سبحانه وتعالى يطلب من الحاج ألا يكون بذيء اللسان أو سيئ الأفعال وأن يكون مسالما مع إخوانه بحيث لا ينازعهم ولا يجادلهم في غير الحق ويعود وهو مطبوع على فعل الخير والابتعاد عن فعل الشر بكل أنواعه، كما جاء في بقية الآية من قوله تعالى: «وما تفعلوا من خير يعلمه الله»
ويضيف د هلال: إن الحاج يتزود في رحلة الحج بالخوف من الله فيجب أن يعود وهو مراقب للمولى في كل حركاته وسكناته فإذا أراد فعل شيء من الخير أقبل عليه وإذا دعته نفسه إلى فعل الشر ابتعد عنه عاملا بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، وقوله تعالى: «وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب».
د عبد الحكم الصعيدي الأستاذ بجامعة الأزهر يرى أنه إذا كانت هناك مقدمات لهذه الرحلة مثل التحلل من المظالم ورد الديون والتصالح والتصافي مع الأهل والجيران كل هذا شرط للدخول في أداء هذه العبادة، فإن الحاج إذا أراد الحفاظ على هذه العبادة عليه أن يسير على المقدمات، التي قام بها قبل أدائها وهي رد المظالم والتصالح والابتعاد عن مواطن الغيبة والنميمة ويكف لسانه عن القيل والقال.
ولاسيما وأن آية الحج ركزت على آفات اللسان المتمثلة في الجدال والرفث والفسوق، لأنها هي الأدوات التي تدفع العبد إلى التهلكة والبعد عن ذكر الله سبحانه وتعالى وعلى الحاج إذن بعد عودته أن يتجنب هذه الأفعال.
وتؤكد د ملكة يوسف أستاذة الشريعة الإسلامية أنه بعد ما أدى المسلم ما أوجبه الله عليه من طواف وتلبية ورمي جمرات وحمل هذه الروحانيات في عقله وقلبه بقي عليه أن يحافظ ويستمر على الضوابط والآداب التي كان يمارسها في أوقات الحج وكما التزم مع الله في أيام الحج في كل أموره عليه أن يلتزم مع الله في بقية حياته بعد عودته.
وتوضح د ملكة أن الالتزام بعد العودة يكون بعدم التعرض لحرمات الله والابتعاد عن ارتكاب الذنوب، ولا يطفف الميزان إذا كان تاجرا ولا يسرق إذا كان في المصالح العامة وأن يحفظ الأمانة ويحفظ لسانه من الزور والكذب وعينيه من الحسد وقلبه من الحقد ويدعو إلى المحبة والرحمة والألفة والخوف من الله ويساعد المحتاج ويرحم الأرملة والمسكين ويرفق بوالديه، لأن الله جعل الحج تطهيراً من الذنوب وبداية لحياة جديدة يولد فيها مطهراً من الرجس والخبائث.
ويشدد الشيخ علي عبد المهدي- الواعظ بإدارة أوقاف القاهرة على ضرورة أن تنطبع مناسك الحج على سلوك الحاج لأنه عايش الحج وتعايش معه وهو في رحاب ربه سبحانه وتعالى وعلم أن الدنيا مهما طالت فهي فانية وعصمة الحج من اللغو والرفث والفسوق والجدال والكذب وإيذاء الآخرين وخلقه بأخلاق النبيين والصديقين، فإذا ما عاد إلى داره وأهله وعشيرته وجيرانه عليه أن يتعامل معهم بأخلاق الحج.
فإذا كان غليظاً في قوله شديدا في تعاملاته تجده بعد أن عاد من تلك الرحلة المباركة قد تغير سلوكه إلى مودة وخفض جناحه للناس مطعما للطعام لينا في الكلام يتودد إلى إخوانه ويتفانى في خدمتهم ويقضي حوائجهم.