«الخبير الأجنبي» مصطلح لم يعد مستغرباً عن الميدان التربوي خاصة المدارس، لكنه في الوقت ذاته لا يلقى ذلك الاستحسان أو القبول، فأنظار الميدان التربوي تتجه اليوم نحو ذلك الخبير والجديد الذي سيقدمه خاصة في ظل الامتيازات التي يتمتع بها مقارنة بمن هم في الميدان من معلمين وقادة تربويين وسط سؤال حائر عن أن هناك حاجة فعلية للخبير أم أنها مظهر ورفاهية، دون أن يكون هناك تقييم مستمر لعمله أو أن استقدامه مبني على شروط وأحكام لم تتوفر في الداخل، فكيف يرى المتخصصون والمعنيون بالتربية عملية الاستعانة بالخبير الأجنبي؟ وهل لتخوف الميدان مبرراته؟ وما السبل لضمان الجدوى من ذلك التعاون؟

وذكر الدكتور عبداللطيف حيدر عميد كلية التربية في جامعة الإمارات أن كثيرا من القطاعات استفادت من الخبراء الأجانب الذين تم استجلابهم من دول متقدمة وكان لهم فائدة في خدمة التطوير وبالتالي فإن الاستعانة بهم في مجال التربية أمر ليس مرفوضا رغم أن الميدان غاضب من ذلك أو متحسس منه وربما له مبرراته. ولكنه لا يعني عدم الاستفادة من الآخر المتقدم في المجال التربوي فما المانع من الاستفادة من تجارب الآخرين في حل مشكلاتنا وتحقيق التقدم ولكن المهم وضع آلية واضحة لاستقطاب الخبراء ويكون لهم برنامج عمل محدد الأهداف في إطار الرؤية والسياسة العامة للتعليم في الدولة. وأضاف د.حيدر أن هناك معايير لا بد أن تتوفر في الخبير أو القائد التربوي الناجح أولها المعايير المهنية إضافة إلى معايير أخرى ترتبط بمدى تقبله للثقافات الأخرى وأن يكون اتجاهه ايجابيا نحو العمل ولديه رغبة في العطاء ومشاركة الآخرين في أفكاره وخبرته، مع الوضع في عين الاعتبار أن عمل هذا الخبير لا يقوم على مسألة الأمانة والثقة المطلقة فلابد من آلية لمتابعته ومحاسبة وتقييم لأدائه وقياس مدى الاستفادة منه.

موظفون لا خبراء

مبارك الشامسي مدير عام مجلس أبوظبي للتعليم أكد أنه لا يوجد لدى مسمى خبير ولا يوجد خبير فمن يعملون لديهم من الأجانب هم موظفون موضحا أن الجنسية لا تحكم تعيين شخص دونما آخر وإنما الكفاءة والمؤهل هما الأساس فهناك معايير لا تعتمد فقط على الشهادة بل الخبرة العملية التي يمتلكها المتقدم للوظيفة كما عبر عن رفضه لفكرة أن الأجانب القادمين من خارج الدولة هم من كبار السن ومستهلكين في بلادهم وان كل من يعملون لديهم هم أقل من 60 عاما وقلة جدا من أن تعد على أصابع اليد الواحدة لمن هم في هذا العمر .

إضافة إلى أن هناك موظفين واداريين أجانب في الثلاثينات من العمر يعملون في المدارس النموذجية، مشيرا إلى ان معظم العناصر الأجنبية القادمة من الخارج يتم التركيز على الاستفادة من خبراتهم في تطوير اللغة الانجليزية بشكل أساسي.

ويدلل الشامسي على أن جنسية الشخص وبالتحديد الأجنبية ليست الأساس في التعيين بأن المجلس أعطى الأولوية للمواطنين أصحاب الكفاءات للعمل في إدارات ومراكز مهمة منها مجال تطوير النموذجيات ومشروع تطوير المكتبات المدرسية وغيرها وهناك إضافة إلى تعيين المجلس جميع المواطنين والمواطنات خلال العامين الماضي والحالي ممن تقدموا لشغل وظائف لديه ممن لديهم المؤهل ومهارات اللغة الانجليزية.

كما أن تأسيس كلية الإمارات للتطوير التربوي أكبر مثال على سعي المجلس للوصول لكوادر تربوية مواطنة على أعلى مستوى تخدم هذا القطاع المهم الذي يحظى بدعم القيادة العليا بالدولة.

حل قصير الأجل

الدكتور صادق مدراج أستاذ بكلية التربية في جامعة زايد أشار إلى أن الاستعانة بالخبراء يكون عادة لحل مشكلة قصيرة الأجل لأن الخبير الأجنبي ليس من أبناء الوطن وليس لديه ذلك الانتماء وبالتالي يأتي لتقديم خبراته ومعارفه لقاء مقابل مادي معين بمعنى أن الخبير الأجنبي لن يأتي من بلده بسهولة ويترك معايير نجاحه وصلاته بأهله إلا لوجود مغريات مادية أفضل لذلك نجد الخبراء في دول أوروبا النامية انتقلوا إلى الدول الأوروبية المتقدمة بسبب مغريات الحياة هناك .

كما أن الشخص الناجح والخبير في بلده عادة يفضل البقاء فيها أما من يتقدمون عادة لشغل وظائف خبراء في دول أخرى فهم من كبار السن والذين يريدون العطاء في مكان آخر لأسباب عديدة ومنها البحث عن حياة أفضل خاصة ان عدم وجود روح المواطنة سبب كاف ليكون هناك اختلاف واضح بين عطاء ابن الأجنبي وما يقدمه ابن البلد ذاته.

ويرى د.مدراج أن دولا كثيرة استعانت بخبراء من دول أخرى للاستفادة من تجاربهم الناجحة ولكن هناك معايير يجب مراعاتها عند الاستعانة بالخبير الخارجي أساسها الكفاءة المهنية وامتلاكه رخصة لمزاولة المهنة متجددة بحيث تخضع الرخصة للتجديد كل عدة سنوات على أساس أن يخضع التربوي لمساقات في التطوير التربوي تؤكد تطور أدائه وأحقيته في تجديد رخصة عمله.

هذا بالإضافة إلى قدرة الخبير على استخدام التقنيات الحديثة وتوظيفها في عمله وكفاءته في وضع رؤية لمؤسسته التعليمية وقيادة الكوادر العاملة لديه نحو تحقيق هذه الرؤية وتكوين علاقات واسعة وايجابية مع ولي الأمر والمجتمع المحلي.

ويشير د.مدراج إلى أن التنمية المهنية من الجوانب المهملة في غالبية دول الوطن العربي فالمدارس المتقدمة ترصد ميزانيات خاصة وجداول عمل سنوية لهذا الغرض يتم من خلالها تنفيذ الدورات والمشاركة في المؤتمرات للاطلاع على كل جديد فالبعض يعتقد أن مجرد حمله لشهادة الدكتوراه يكفيه وانه لا يحتاج للتنمية المهنية مع أن التعليم الحقيقي يأتي بعد الشهادة وليس قبلها.

ويوجه مدراج إلى ضرورة العمل باجتهاد في توفير الخبير المواطن لأن عمله سيكون طويل الأمد ومن منطلق المواطنة والانتماء للبلد وتطوير الكادر المواطن سيتطلب من 3 إلى 4 سنوات بعدها يكون لدينا عنصر جيد قادر على الانجاز وبكفاءة.

إقرار بالقدرات المحلية

عوض صالح الأمين العام للجنة الوطنية لليونسكو بوزارة التربية والتعليم رأى أن تبادل الخبرات والمعارف أمر متعارف عليه إنسانيا في جميع المجتمعات والحضارات وهو أمر طبيعي ومطلوب ويتم فيها الاستعانة بذوي الخبرات من أفراد وعلماء وجهات وغيرها.

وبالتالي فإن مسألة الاستعانة بخبير أو خبرة أجنبية للتطوير في مجال ما شيء جيد، ولكن الإشكالية تأتي في عملية تحديد مجال الحاجة لهذا الخبير ووجود برنامج خاص لكيفية الاستفادة منه وعادة ما تكون مجالات التخطيطية والفنية هي التي تحتاج للاستعانة بالخبرة الخارجية ومن المهم إتاحة الفرصة للكوادر الوطنية للاحتكاك بهذه الخبرات والاستفادة منها.

وأضاف أنه عقب تحديد مجال الحاجة للتطوير يتم انتقاء الخبير في إطار معايير تلبي هذه الحاجة واعتبر أن الإشكالية في الميدان التربوي والقلق من وجود خبير أجنبي ترجع لأسباب مختلفة فاليوم هناك طفرة في التعليم تتطلب مواكبة جادة لكل جديد في إطار التنافس الحادث وأن الخبير الأجنبي لم يعد دوره محدودا في الوزارة أو المنطقة بل أصبح له دور تنفيذي في الميدان سواء كاستشاري أو حتى معلم مما جعل البعض يعتقد أن هذا فيه انتقاص من قدرة الكادر المحلي على العمل والعطاء وان وجوده للقيام بمهام يعجز عنها من هم في الميدان أو كبديل لهم هذا ما اعتقده البعض لذا علينا توضيح دور الخبير كعنصر مساعد مع الاهتمام بإقرار أهمية قدرات ومهارات الكوادر المحلية في الميدان.

كذلك من أسباب هذا القلق أن الخبير قد يكون فردا أو شركة توفر الكوادر التي تراها هي مناسبة كل هذا يدفع لوجود حساسية ما في الميدان التربوي رغم أن لدينا تجارب تعامل مع خبرات أجنبية موجودة وناجحة كما هو الحال في بعض المدارس الخاصة التي تستقطب اليوم عددا كبيرا من الطلبة المواطنين كذلك على صعيد مؤسسات التعليم العالي وكلها أعطت نتائج ايجابية ومخرجات جيدة لذا فإنه من المهم عند الاستعانة بالخبرة الخارجية مساعدة الميدان على فهم حجم الحاجة للخبير ودوره مع وجود المتابعة والتقييم للجميع لأن البعض يظن أن التقييم لا يجري على الخبير.

العمل في جميع الاتجاهات

يرى مبارك الشامسي مدير عام مجلس التعليم بأبوظبي أن لا يجب إضاعة الوقت وعلينا العمل في جميع الاتجاهات ففي حين يتم تأهيل الكوادر الوطنية علينا مواصلة عملية التطوير من خلال الاستعانة بالخبرات الأجنبية من الدول التي لديها سمعة طيبة في المجال التربوي لأننا نعيش في عالم تنافسي كبير.

وهنا ينوه الشامسي إلى نقطة مهمة وهي أن الدولة تعاني من نقص كبير في المدرسين والتربويين المواطنين من الذكور على وجه التحديد ويكاد يكون عدد الملتحقين بكليات التربية في جامعاتنا المحلية والاتحادية معدوما لذا فإنهم جادون في العمل على جذب المواطنين للعمل في سلك التدريس والاستعانة حاليا بالخبرات الأجنبية ليس عيبا ولا نقصا ما دمنا نسعى نحو الأفضل وعمل في إطار خطة واعية ومعايير محددة.

على طبق من ذهب

شددت عائشة الضبع رئيسة مجلس أمهات تعليمية أبوظبي على أننا نقدم للخبير عمله على طبق من ذهب والنماذج لذلك عديدة في الميدان، مشيرة إلى أنها مع التطوير وأي ولي أمر أو معلم يرغب في رؤية التعليم يتقدم والاستفادة من تجارب الآخرين أمر مطلوب فمن الصواب البدء من حيث انتهى الآخر ولكن وجود الخبير التربوي الأجنبي أمر مرهون بمدى قدرته على تحقيق إضافة حقيقية وان تكون لديه الخلفية الكافية عن طبيعة البلد لأن مجال التربية مختلف عن مجالات العمل الأخرى فهو مرتبط ببناء العقول.

وقال إن تخوف الميدان من الخبير ناتج عما لمسه الكثيرون من الخبير الذي يأتي للميدان ويستمع إلى المشكلات وكذلك الحلول ومن ثم يصيغها ويقدمها في تقريره على أنها جهده الذاتي ورؤيته بينما الواقع أن الخبرة التي جمعها كلها من الميدان.

استطلاع ـ لبنى أنور