دخلت المواجهة بين الموالاة والمعارضة في لبنان طوراً جديداً من التصعيد، بعدما كسرت حكومة فؤاد السنيورة « تفاهم إدارة الفراغ» الذي كان سائداً بين القوى السياسية المتنافسة، إثر جلسة عقدتها أمس أقرت فيها مشروع قانون تعديل المادة 49 من الدستور التي تتيح فيه انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، متجاوزة تحذيرات المعارضة من مغبّة الإقدام على هذه الخطوة، ورفض رئيس مجلس النواب نبيه بري استقبال المشروع لطرحه على البرلمان. كما هدد النائب ميشال عون بالرد على هذه الخطوة.

وأقرت الحكومة اللبنانية في جلستها أمس مشروع قانون لتعديل الدستور اللبناني بما يسمح بانتخاب موظف من الفئة الأولى في منصب رئيس الجمهورية، بعد مرور حوالي الشهر على شغور سدة الرئاسة وانتهاء ولاية الرئيس إميل لحود . وإثر الجلسة، أعلن وزير الإعلام غازي العريضي، عن أن الحكومة وضعت مشروع قانون لتعديل الدستور ينص على «يجوز لمرة واحدة انتخاب رئيس الجمهورية من القضاة وموظفي الفئة الأولى أو ما يعادله».

وتضمن مشروع القرار الأسباب الموجبة التالية «بما أن الوضع السياسي الذي تمر به البلاد وما نتج عنه من حالة فراغ في سدة الرئاسة يستوجب من السلطات المسؤولة اتخاذ قرارات تسهم في إخراج لبنان من عزلته (...) تتقدم الحكومة من المجلس النيابي الكريم بمشروع القانون الدستوري المرفق راجية إقراره»، بحسب العريضي.

ويفترض بحسب الأصول أن يجتمع مجلس النواب لإقرار مشروع القانون ليصبح نافذاً كقانون فور نشره في الجريدة الرسمية. وأضاف العريضي «كما قرر المجلس (...) دعوة مجلس النواب إلى عقد اجتماع استثنائي بتاريخ 1/1/ 2008». ورداً على سؤال، قال العريضي «إن القرار يحتاج إلى ثلثي الأصوات قبل إقراره .

ومن المرجح أن تعقد خطوة الحكومة المساعي الرامية لإيجاد حل سياسي شامل للأزمة بين الطرفين المتصارعين حول مقعد الرئاسة الفارغ منذ انتهاء مدة ولاية الرئيس إميل لحود قبل شهر. وتتجلى خطورة هذا التطور- وفق مصادر المعارضة- في أنها أول صلاحية تخص رئيس الجمهورية تمارسها الحكومة، ومن شأنها أن تدفع الموالاة والمعارضة نحو مزيد من التصعيد والتصلب في المواقف.

وفي أول رد من المعارضة على هذه الخطوة، قال النائب علي حسن خليل المعاون السياسي لرئيس المجلس النيابي نبيه بري ل«رويترز»، «هذا تصعيد يؤشر إلى نية تعطيل التسوية وإقفال الأبواب أمام المبادرات». ويرفض رئيس مجلس النواب نبيه بري أن يتسلم من حكومة السنيورة أي مشروع لأنه والمعارضة يعتبرانها «غير شرعية وغير دستورية». وأكد في تصريح نشرته صحيفة «الديار» أمس أنه لن يتسلم مشروع القانون لأنه يعتبر الحكومة «غير شرعية».

ومن المفترض أن يحال المشروع إلى البرلمان، لكن خليل قال إن «المجلس لن يستلم المشروع من حكومة غير شرعية». ومن جهته قال النائب عن حزب الله حسين الحاج حسن «إن المعارضة لن تشارك في جلسة انتخاب رئيس جديد إلا في إطار اتفاق سياسي شامل مع ضمانات واضحة».

ورد رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون أمس على إقرار الحكومة اللبنانية الموافقة على تعديل الدستور واتهمها ب«البدء بارتكاب الخطايا الكبيرة عشية عيد الميلاد»، مؤكداً أن محاولاتها ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية لن تمر من دون ردود.

وأكد عون أن «نهاية هذه الحكومة لن تكون سعيدة»، مضيفاً أن البلد يعيش حالة فوضى منذ بدأت هذه الحكومة بأخذ قرارات منفردة. وعلق عون على التصريحات التي صدرت أمس عن رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط بالقول انه لا يتفاجأ «سواء تحول جنبلاط إلى اليمين أم إلى اليسار»، موضحاً أن هذه حالة طبيعية لديه.

وبدوره اعتبر عضو تكتل «التغيير والإصلاح» النائب نبيل نقولا، التابع لميشال عون، أن جلسة مجلس الوزراء أمس «تشكل عملاً استفزازياً لشريحة كبيرة من اللبنانيين والمعارضة تقوم بدورها من أجل أن تمر الأمور بشكل هادئ».

وإذ أكد على أن هذه الخطوة لا تحرج بري «الذي يطبق الدستور بحذافيره»، رأى أن «عقد الجلسة جاء لتعقيد الأمور أكثر فأكثر، ووضع العراقيل في وجه الفريق الآخر واتهامه بالتعطيل». واعتبر أن «الحكومة مربكة وأعضاءها أصبحوا جميعا تابعين»، وقال« فلننتظر ونرى ما ستؤول إليه الأمور، وكما يقول المثل الفرنسي (يضحك كثيراً من يضحك في النهاية) ونحن في انتظار النهاية».

وينص قانون الانتخابات في لبنان على أن يقدم القضاة وكبار الموظفين استقالاتهم قبل عامين، إذا ما أرادوا ان يترشحوا لمنصب رئاسة الجمهورية. ويسمح مشروع التعديل ولمرة واحدة بان يترشح هؤلاء إلى منصب رئاسة الجمهورية من دون أن يقدموا استقالاتهم ضمن المدة الزمنية التي حددها القانون قبل مشروع تعديله.

في موازاة ذلك، وجه النائب وليد جنبلاط حملة انتقادات عنيفة ضد الرئيس السوري بشار الأسد و العماد ميشال عون، الذي كلفته المعارضة التفاوض باسمها ووصفه بأنه«صاحب حروب التحرير والإلغاء العبثية يمارس التحريض المنظم والغوغائي ضد الحكومة».

وأضاف جنبلاط الذي توقف عن الظهور الإعلامي منذ نحو الشهر وإقراره بأن التسوية قد حصلت بين واشنطن ودمشق أن«الشعب اللبناني لن يرحم هؤلاء من يأتون باسم الديمقراطية للسجود أمام الطغاة » ، معلنا أنه «لانزال على إصرارنا للسير بالتسوية السياسية عبر الانتخاب الفوري لمرشح التوافق، سنبقى على انفتاحنا المطلق لمناقشة القضايا الخلافية من ضمن المؤسسات وعبر الحوار».

ومن جهته، دعا البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، اللبنانيين إلى عدم اليأس ، داعيا الله أن يصلح حالنا وأن تستقيم أمور بلدنا وأن تتحسن أيضا أوضاع رعايانا بحيث إن الناس يتمسكون بإيمانهم وتقاليدهم وعاداتهم.