حذر الفلسطينيون أمس عشية بدء جولة مفاوضات جديدة حول الوضع النهائي، من أن مواصلة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية كفيلة بالإطاحة بهذه المحادثات، واستنجدوا بالولايات المتحدة لمنع انهيار المفاوضات قبل بدئها وذلك بعد الكشف عن موازنة الحكومة الإسرائيلية للعام 2008.
والتي كشفت عن توفير 25 مليون دولار لتوسيع الاستيطان و207 ملايين دولار لتطوير نظام لاعتراض وتدمير صواريخ قسام ، وتوازى ذلك مع اعتراف مسؤول سياسي اسرائيلي بعجز الحكومة الاسرائيلية عن التقدم خطوات جوهرية في مفاوضات الوضع النهائي.
وأكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس«أبو مازن» أمس، أن الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة هو العقبة الأكبر أمام مفاوضات الحل النهائي. وقال لدى استقباله عدداً من قادة حركة «فتح» المحليين في مكتبه بمدينة رام الله في الضفة الغربية «لقد بدأنا المفاوضات، وهي تواجه عقبات أبرزها قضية الاستيطان التي سنقف عندها طويلاً في كل مناسبة، لأننا لا نستطيع أن نفهم لماذا هذا النشاط الاستيطاني المحموم في الوقت الذي نتحدث فيه عن مفاوضات الحل النهائي».
من جهته، طالب نبيل أبو عمرو المستشار الإعلامي للرئيس الفلسطيني الإدارة الأميركية ب«تأكيد مصداقيتها» تجاه عملية السلام، من خلال الضغط على إسرائيل لوقف توسيع مستوطنات وإقامة أخرى جديدة في الضفة. وقال في مؤتمر صحافي عقده في المقر الرئاسي «إن الإدارة الأميركية أخذت على عاتقها إنعاش مؤتمري انابوليس وباريس، ومصداقية السياسة الأميركية الآن على المحك».
وأضاف «نحن نتهيأ لجولة جديدة من المفاوضات (اليوم)، لكن الجانب الإسرائيلي يلقي بظلال سوداء على هذه المفاوضات قبل أن تبدأ، وهذه القرارات الاستيطانية التي ندرك مغزى توقيتها ستضرب بالتأكيد المحاولات الجديدة التي بدأت في انابوليس». وتابع «يجب أن تمارس أميركا جهودها للضغط على إسرائيل إذا أرادت نتائج ايجابية، ودون الضغط الأميركي والدولي ربما تقوض عملية السلام».
وأكد أبو عمرو أن الاستيطان سيكون البند رقم واحد في المفاوضات، من أجل وقف هذه السياسة التي تدمر أي فرصة للسلام. وفي رده على سؤال لوكالة «فرانس برس»، إن كان الجانب الفلسطيني سيعلن مقاطعة للمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي حال رفضت إسرائيل تجميد النشاطات الاستيطانية، قال «مع بداية المفاوضات أبدينا استجابة لرغبات المجتمع الدولي، وإذا استمرت إسرائيل في هذا النهج الاستيطاني فلن يكون هناك أي جدوى من تعليق آمال عليها».
وعشية الجلسة الجديدة من المحادثات، أكدت إسرائيل رغبتها في مواصلة البناء في مستوطنتين في الضفة. وقال وزير المتقاعدين المكلف شؤون القدس رافي ايتان إن موازنة 2008 تنص على بناء250 مسكناً في مستوطنة معاليه ادوميم في الضفة الغربية وبناء 500 مسكن آخر في حي هار حوما (جبل أبو غنيم) الاستيطاني في القطاع الشرقي من مدينة القدس، بينما كشفت حركة «السلام الآن» عن أن موازنة الحكومة الإسرائيلية تتضمن تخصيص 25 مليون دولار لأغراض التوسع الاستيطاني.
إلا أن صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية لفت إلى أن هناك تخوفاً داخل إسرائيل من تأزم العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية ، قد يصل إلى حد الصدام بسبب المستوطنات. وكشفت الصحيفة أن «أحد كبار مستشاري أولمرت قال إنه من الممكن أن تزيد واشنطن من ضغطها على إسرائيل لإخلاء بؤر استيطانية وتجميد البناء الاستيطاني في الضفة الغربية». وأضاف «إننا قد ندخل في مسار صدام مع الأميركيين ، وستتزايد طلباتهم من إسرائيل ومن غير الواضح إذا كنا قادرين على تلبية ذلك في الوضع الحالي».
واعتبر المستشار أن «تعهدات القائم بأعمال رئيس الوزراء حاييم رامون في محادثاته مع مسؤولين أميركيين خلقت جزءاً من المشكلة، حيث ذهب رامون بعيداً ووعدهم بأشياء من أجل نيل إعجابهم». وأوضحت «هآرتس» أن مسؤولين إسرائيليين آخرين يتوقعون أن تتعرض إسرائيل للضغط من قبل الإدارة الأميركية لتجميد الاستيطان وإخلاء البؤر العشوائية، ما سيؤدي إلى تفكيك الائتلاف الحكومي في إسرائيل كون ذلك لا يحظى بالإجماع».
وتابعت إن «مسؤولاً سياسياً إسرائيلياً ضالعاً في المفاوضات مع الفلسطينيين قال إن «إسرائيل طرحت توقعات بعيدة المنال في الحلبة الدولية وهي تطبيق المرحلة الأولى من خارطة الطريق إلا أن ذلك لن يتحقق إذ لا يوجد قوة سياسية لا لإخلاء البؤر الاستيطانية ولا لتجميد البناء في المستوطنات».
وأضاف أنه «في اليوم الذي ستبدأ فيه المفاوضات حول القضايا الجوهرية ستكون المشكلة أكبر بكثير، فثمة ملفات مفصلة تتضمن الموقف الإسرائيلي في مفاوضات العام 2001» ، متسائلاً عما سيحصل حينما يفتح ملف القدس مثلاً؟.
كما قررت الحكومة الإسرائيلية المصغرة أمس رصد 207 ملايين دولار لتطوير جهاز «القبة حديدية» لاعتراض وتدمير صواريخ «قسام» التي تنطلق من قطاع غزة، فيما أصاب صاروخ فلسطيني من طراز «قدس» لأول مرة مصنعا في عمق مدينة عسقلان المحتلة عام 1948.
وأفادت إذاعة جيش الاحتلال بأن «ميزانية كبيرة رصدتها الحكومة الإسرائيلية لتطوير جهاز (القبة حديدية) بلغ 811 مليون شيكل (حوالي 207 ملايين دولار) وستكون المنظومة جاهزة لاستخدامها بعد سنتين ونصف. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت ووزير الدفاع السابق عمير بيريتس قررا في يناير الماضي البدء بتطوير «القبة حديدية» بواسطة شركة «رفائيل» الإسرائيلية لتطوير الأسلحة.
وتحاول إسرائيل وقف الصواريخ الفلسطينية التي تأتي رداً على اعتداءات جيش الاحتلال وجرائمها المتكررة في غزة، ومع تواصل الاعتداءات الإسرائيلية طيلة الأيام الماضية، استهدفت المقاومة لأول مرة عمق مدينة عسقلان. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر أمنية إسرائيلية قولها إن «صاروخ فلسطيني أصاب أحد المصانع في المنطقة الصناعية».
في موازاة ذلك، كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن أن رسالة من رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل وصلت إسرائيل عبر مصر الأسبوع الماضي واقترح فيها هدنة ووقف إطلاق نار في قطاع غزة، وربط ذلك بقضية الجندي الإسرائيلي الأسير في القطاع غلعاد شليت.
وبحسب الصحيفة الإسرائيلية فإن مشعل تواجد الأسبوع الماضي في السعودية، وانضم إليه مسؤولون في «حماس» من قطاع غزة بمساعدة مصر وخلال مباحثات مع مسؤولين مصريين وسعوديين طرح مشعل فكرة «وقف إطلاق نار محدود»، أي وقف إطلاق نار متبادل في قطاع غزة فقط ومن دون شروط أخرى. وأشار الاقتراح إلى أن وقف إطلاق نار كهذا من شأنه أن يفتح الطريق أمام محادثات هادفة لحل قضية شليت.
ونقلت «يديعوت أحرونوت» عن مصادر سياسية إسرائيلية قولها إن «حماس» بعثت خلال السنة الأخيرة، عدة رسائل وصلت مباشرة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت ووزير الدفاع إيهود باراك وتم إرسال هذه الرسائل عبر دبلوماسيين أجانب زاروا سوريا.
وتحدثت هذه الرسائل عن ثلاثة أنواع من وقف إطلاق النار: وقف إطلاق نار «واسع» يتم من خلاله وقف إطلاق النار في الضفة الغربية وقطاع غزة وبدء مباحثات حول حل مرحلي طويل الأمد بوساطة طرف ثالث، ووقف إطلاق نار في الضفة والقطاع من دون خطوات سياسية، والنوع الثالث هو وقف إطلاق نار «محدود» في القطاع فقط.
القدس، غزة ـ ماهر إبراهيم، والوكالات
