من خلال الفحص الأولي للفيلا التي كان يسكنها (ص) تبين أن عملية القتل تمت من أجل الثأر فقط فليس هناك سرقة وجميع محتويات الفيلا كانت على حالها ومن خلال قراءة سريعة للصور التي تم التقاطها للضحية تبين بأن عملية القتل كان مخططاً لها بشكل جيد فلم يدع الجاني فرصة ولو بسيطة للمجني عليه كي يهرب أو حتى يدافع عن نفسه.
كان (ص) يعيش وحده في الفيلا التي أعدها كي يتزوج فيها وما كاد العمال ينتهون من التشطيبات النهائية حتى ذهب إلى أشهر بيوت الديكور وطلب منهم أن يجهزوا ديكورات الفيلا خلال شهر على أكثر تقدير أما الأثاث فقد اشتراه من أعرق المحلات وأشهرها.
كان (ص) غنياً فهو الوحيد لأبويه ووالده يمتلك شركة كبيرة لاستيراد المواد الغذائية لذا لم يكن يعبأ بالفلوس.
ومع أن ديكورات الفيلا لم تكتمل إلا أن (ص) كان يسكن فيها، وكان (الطباخ) الذي يعمل في بيت والده يذهب إليه كل صباح حاملاً له طعام الإفطار.
في أحد الأيام جاء الطباخ كعادته ودخل الفيلا بالمفتاح الذي كان معه وعندما نادى على (ص) ليحضر كي يتناول الإفطار لم يرد عليه.
بحث الطباخ عن (ص) في الفيلا المكونة من دورين وأخيراً وجده في إحدى الغرف مدرجاً بدمه، فقد تلقى القتيل نحو عشرين طعنة في مختلف أنحاء جسده وبعد أن تأكد القاتل من أنه أجهز على الضحية أمسك برأسه وجزه وبعد أن قطعه ألقاه بعيداً عن الجثة.
هنا أخبر الطباخ والد (ص) الذي حضر إلى الفيلا حيث اتصل بالشرطة الذين تحفظوا على كل شيء من أجل الوصول إلى القاتل.
كانت عملية القتل رهيبة خاصة عملية قطع الرأس لذا طلبت الجهات الرسمية العليا من رجال الشرطة البحث في كل صغيرة وكبيرة ووضعوا تحت تصرف الأجهزة الأمنية جميع الإمكانيات للوصول إلى الفاعل.
لا دليل يذكر
بدأت القصة تتفاعل في الشارع بشكل كبير خاصة وأنه تبعها عملية قتل أخرى كان سببها السرقة وكانت هي الأخرى بشعة حيث تلقى القتيل ضربات عدة بالسكاكين في الوجه.
أخذ رجال الشرطة والأجهزة الأمنية يترددون على الفيلا وحاولوا الاستعانة بخبرة أجهزة أمنية أخرى لكن كل الآمال تلاشت حيث أن الجاني لم يترك خلفه أية بصمات أو آثار تدل عليه.
كان من ضمن الأشياء التي تم فحصها هاتف القتيل النقال حيث طلبوا من مصلحة الهواتف أن تزودهم بمكالمات آخر أسبوع قبل ارتكاب الجريمة لكن المفاجأة كانت كبيرة حيث تم إرسال واستقبال نحو (1600) مكالمة خلال الأسبوع، بدأت الشرطة تتصل بالأرقام، ورغم أن المهمة كانت محرجة وصعبة إلا أن هذا كان هو الأمل الوحيد أمامهم.
وأخيراً تم حصر (7) أرقام كانت الشكوك تدور حولها ومن بينها ثلاثة أرقام تكرر الاتصال بها مرات عدة حيث تم الاتصال واستقبال أحد الأرقام (11) مرة والثاني (25) مرة، أما الرقم الثالث فكان الاتصال به (8) مرات.
تم حصر الشكوك في الرقم الثاني فقد تمت الاتصالات في الفترة التي سبقت عملية القتل بنحو ساعتين، فقد حدد المختبر الجنائي بأن عملية القتل تمت الساعة العاشرة مساء في حين أن المكالمات الـ (25 بين استقبال وإرسال تمت ما بين السابعة مساء والتاسعة والنصف.
تم التنسيق بين الشرطة ومصلحة الهاتف على أن تقوم المصلحة باطلاع الشرطة على أي اتصال سواء من الرقم المذكور أو به ومحاولة تحديد الموقع الذي فيه صاحب الرقم، مرت الأيام والأسابيع ولم يتم الاتصال بالرقم كما أن صاحب الرقم لم يقم بأي اتصال من هاتفه، ما أضاف عبئاً ثقيلاً على عاتق رجال الشرطة والأمن، علماً بأن رجال الشرطة كانوا يبحثون في مجالات واتجاهات أخرى الا أن كل الأبواب كانت مغلقة فلم يتم التوصل إلى أي دليل على القاتل.
ضد مجهول
من المعروف أن أصعب شيء على رجال التحقيق أن يتوصلوا إلى قرار وهو تسجيل القضية ضد مجهول فهذه العبارة تقتلهم لأنها تدل على ان الجاني استطاع ان يفلت من العقاب ولو لفترة، وهذا ما حدث فقد اتفق فريق التحقيق أن يسجل هذه القضية ضد مجهول مع مراعاة عدم إغلاق الملف ولكن قبل أن يكتبوا هذه العبارة على ملف القضية جاء اتصال من مصلحة الهاتف يقول بأن الرقم المذكور أجرى اتصالاً دولياً لمدة لا تزيد على دقيقة وأنه تم تحديد المدينة والشارع الذي تم فيه الاتصال.
كانت المدينة التي تم منها الاتصال تبعد عن المدينة التي حدثت فيها الجريمة بنحو (130) كيلومتراً ومع أن فريقاً من الأجهزة الأمنية انتقل إلى المدينة التي فيها المجرم الا أنه تم الطلب من الأجهزة الأمنية هناك أن يحاولوا حصر الأشخاص في الشارع الذي تم منه الاتصال.
حاول أحد الضباط أن يتصل بالرقم لكن الهاتف كان مغلقاً، بعد وصول الفريق الأمني إلى الشارع ( الهدف) بحثوا في كل مكان وحاولوا أن يتفرسوا في الوجوه لمعرفة صاحب الرقم خاصة وأن أبناء البلد الذي ينتمي إليه صاحب الرقم لهم لهجة مميزة عن غيرهم من سائر الجنسيات، بعد ثلاثة أيام من الاتصال أجرى صاحب الرقم مكالمة دولية من مدينة تبعد عن المدينة التي تم فيها ارتكاب الجريمة بنحو (220) كيلومتراً وما كاد ينهي المكالمة التي لم تستمر سوى دقيقة أو أقل حتى عاد وأغلق الهاتف من جديد.
اتصالات دولية
أصبحت الأجهزة الأمنية على قناعة بأن صاحب الرقم على صلة بالجريمة ولهذا فإن اتصالاته قليلة ومن مدن متباعدة لذا قام فريق من الأجهزة الأمنية بزيارة سريعة إلى الدولة التي يتصل بها صاحب الرقم حيث اطلع الأجهزة الأمنية هناك على الجريمة وعلى الشكوك التي تراود الفريق بأن صاحب الرقم قد يكون هو القاتل لذا تم التنسيق بين الجانبين على أن يتم رصد الرقم الذي يتصل به المشتبه به، وفعلاً بعد أقل من (24) ساعة قام المشتبه به بإجراء مكالمة دولية حيث تم تحديد الجهة والرقم الذي اتصل به.
تم اعتقال الشخص الذي تلقى المكالمة حيث تبين بأنه شقيق المشتبه به وأنه لا يعرف عن الموضوع شيئاً لكنه، أعطى معلومات مهمة عن أخيه، كما زود فريق التحقيق بصور عدة للمشتبه به، بعد ذلك تم وضعه تحت حراسة الشرطة حتى لا يتصل بشقيقه ويخبره بما حدث.
بعد تسلم الصور تم إرسالها إلى جميع الأجهزة الأمنية في الدولة التي تم فيها ارتكاب الجريمة وأصبح الكل متحفزاً للقبض على المشتبه به، أصبح الأمل كبيراً في حل لغز هذه الجريمة ومما زاد الأمل أن المشتبه به أجرى مكالمة من ذات الهاتف يطلب فيها من أحد الأشخاص في مدينة مجاورة ان يحجز له تذكرة سفر على أية طائرة متجهة إلى الخارج.
من خلال المكالمة تم تحديد المدينة التي فيها المشتبه به ووضعت دوريات على جميع مخارج الطرق وتم تفتيش السيارات الداخلة والخارجة، كان من السهل التعرف على المشتبه به من خلال الصور التي يحملها عناصر الأمن الذين كانوا مطمئنين إلى أنهم سيتوصلون إلى المشتبه به عاجلاً أو آجلاً وذلك لأن الشخص الذي اتصل به المشتبه به وطلب منه حجز تذكرة له وضع تحت المراقبة المستمرة وكذلك هاتفه وذلك بعد أخذ الإجراءات القانونية، وفي خلال ثماني ساعات تم اعتقال المشتبه به وتقديمه إلى التحقيق.
اعترافات خطيرة
أثناء التحقيق حاول الرجل أن يتجاهل كل الأسئلة التي كانت توجه إليه ويبدو أمام المحققين بأنه يعاني من بعض الأمراض العقلية الا أن هذه الحيلة لم تنطل على فريق التحقيق ومع ذلك تم تحويله إلى مستشفى (.....) للكشف عليه حيث جاءت النتيجة بأنه إنسان طبيعي ولا يعاني من أية مشاكل عقلية.
أعيد المشتبه به إلى غرفة التحقيق من جديد وبدأ مراوغاً وعنيداً خاصة أنه كان يعرف جيداً بأنه لا يوجد أي دليل حقيقي ضده لكنه أخيراً بدأ يتكلم حيث قال بأنه كان يحب فتاة حباً كبيراً وعندما تقدم لخطبتها رفضه والدها لكونه لا يحمل شهادة علمية فهو لم يكمل سوى المرحلة الابتدائية، لكنه اقنع والدها بأنه غني جداً كونه يعمل في الخارج ورغم أنه لم يكن غنياً إلا أنه اضطر لأن يبيع ثلاثة فدادين من الأرض كان والده قد تركها له وأن يشتري لخطيبته شبكة وجهازا كبيرين وهكذا تم الزواج.
وأضاف أحسست بأن الحياة بدأت تبتسم لي فأنا أعيش مع الفتاة التي أحبها، رغم أنني كنت أشعر ببعض الأسى على الفدادين الثلاثة التي بعتها، إلا أنني عندما كنت أرى زوجتي وحبيبتي أمامي كنت أنسى كل شيء الا هي، ومما زاد سعادتي أن زوجتي أصبحت حاملاً في أشهرها الأولى، في هذه الأثناء كانت زوجتي تبحث عن عمل كونها تحمل دبلوم محاسبة، وأخيراً وجدت وظيفة في الشركة التي يمتلكها والد (ص) القتيل.
وفي غفلة من الزمن تعرفت زوجتي على (ص) ونشأت بينهما قصة حب، حيث لاحظت تأخرها عن البيت بعد انتهاء الدوام إضافة إلى كثرة الفلوس في حقيبة يدها حاولت أن أعيدها إلى الصواب وأن أذكرها بحبي لها وبإبننا الذي سيرى النور بعد أشهر الا أن المغريات أمامها كانت كبيرة حيث الغنى الفاحش لـ (ص) سلبها تفكيرها وعقلها بمغرياته من الفلوس والفساتين والسيارات الفارهة التي كان يركبها والعطور والهدايا التي كان يشتريها لها.
في أحد الأيام جاءت زوجتي لتخبرني بأنها حجزت تذكرة وستعود إلى بلادها لترى والدها المريض فوجدت بأن تلك فرصة كي تبتعد عن (ص) لعلها تنساه، ووافقت فوراً على سفرها وقمت بإعطائها مبلغا من المال، لكني اكتشفت فيما بعد بأن والدها لم يكن مريضاً وأنها ذهبت إلى بلادها لتجري هناك عملية إجهاض لابني الذي كانت تحمله في أحشائها وأن (ص) دفع مبلغاً كبيراً من المال لعيادة خاصة لإجراء العملية.
هنا بدأت الدماء تغلي في عروقي، خاصة وأن زوجتي أخبرتني بأنها تريد الطلاق وأنها رفعت قضية خلع ضدي.
ويضيف المشتبه به بأنه سافر للقاء زوجته، وحاول إرضاءها لكنها كانت مصممة على الطلاق، وعندما طلبت منها أن تعيد لي الفدادين الثلاثة مقابل تطليقها قالت بأنها لم تأخذ مني سوى الشبكة وهي على استعداد لتعيدها لي في المحكمة وأمام الشهود أما الفدادين الثلاثة فلا علم لها بها.
ويردف الرجل قائلاً هنا قررت أن أنتقم منها ومن عشيقها الذي سرق مني زوجتي وقتل إبني وجعلني أعيش حياة كلها بؤس وشقاء .... وضياع.
الخطة
قال المتهم أثناء التحقيق بأنه وضع خطة لقتل (ص) أولاً ثم يقتل زوجته بعد أن يأخذ منها كل ما أعطاه لها وأنفقه عليها. لذا عاد إلى حيث يعيش (ص) فاتصل بالشركة الخاصة به وطلب مقابلته قائلاً له بأنه يحمل له أخباراً من حبيبته، وعندما قال له (ص) بأن بإمكانه الحضور إلى الشركة قال الرجل بأنه لا يستطيع ذلك لارتباطاته الخاصة وأن من الأفضل أن يتم اللقاء في المساء وأن يكونا وحدهما، هنا قام (ص) بإعطاء الرجل رقم هاتفه النقال ليتم الاتصال بينهما في المساء.
وأضاف المتهم بأنه اتفق مع (ص) أن يلتقيه في الفيلا التي يمتلكها مستغلاً عدم معرفته به فهما لم يلتقيا في السابق. كان المتهم حريصاً على أن يتصل بـ (ص) بين كل فترة وأخرى وذلك كي يتأكد بأنه وحده في الفيلا.
في الوقت المحدد حضر المتهم واستقبل (ص) بترحاب كبير فهو يحمل له أخباراً من حبيبته، وهنا قال المتهم لـ (ص) بأنه قريب المرأة وأنها أخبرته عن قصة الحب التي بينهما فقال (ص) بأنه فعلاً يحبها وأنهما أمضيا فترات جميلة معاً حيث كان يستأجر شقة يلتقيان فيها، وأنه هو الذي أقنعها وأعطاها المال كي تجهض الجنين الذي تحمله حتى لا يكون لزوجها أي ارتباط بها، وعندما سأله المتهم هل تريد فعلاً أن تتزوجها كما وعدتها فرد (ص) بأنه لا يستطيع ذلك لأنها ليست من جنسيته، لكنه لن ينساها وسيستمر في حياته معها مقابل المال الذي سيعطيه لها.
قال المتهم كنت استمع إلى مأساتي وأراها ترتسم أمامي وبطلها شاب متهور دمر حياتي وحياة أسرتي وزوجتي وابني الذي لم أره بسبب طيشه، وغناه، وهنا طلبت منه أن يسكب لي كأساً من الشاي الذي كان أمامه.
وعندما أمسك بالكأس عاجلته بطعنة بساطور كنت احمله لهذه الغاية كانت الضربة قوية بنفس قوة حقدي عليه وحزني على ابني وعندما سقط على الأرض عاجلته بضربات في صدره زادت على العشرات وعندما تأكدت من موته قمت بقطع رأسه وقلت له قتلتك لأنك دمرت حياتي وحياة زوجتي أما قطعي لرأسك فلأنك قتلت ابني بدون ذنب فلولا أموالك لما استطاعت زوجتي ان تتحمل نفقات الإجهاض. بعد أن اعترف المتهم بأنه هو الذي قتل (ص) قال لضابط التحقيق بأنه غير نادم على ما فعل لكنه يشعر بالغضب لأنه لم يتمكن من قتل زوجته.
أحمد سلطان
