أنعم الله على عباده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، ووهبهم من المنح والنِعم ما لا يُعد ولا يحصى، ظاهرةً وباطنة. ومهد لهم الأرض كالفراش، وثبتها بالجبال الرواسي الشامخات، لتستقر ويسكن ساكنوها، ورفع فوقها السماء بلا عمد، وجعل فيها الشمس والقمر والكواكب والنجوم، وأنزل من السماء نِعمة الماء، وهي رزق للإنسان والأرض.

وما خلق فيها من زرع مختلف طعمه ولونه، وحيوانات مختلفة المنافع للإنسان، والأنهار التي تجري من أرض لأرض، والبحار بما فيها من خيرات، وغيرها الكثير الكثير من النِعم التي يستدل بها العقل على وجود الخالق الرازق، الحكيم المدبر، وقدرته العظيمة، ورحمته بخلقه، وإحسانه إليهم، وأحقيته أن يُعبد وحده، ولا يُشرك به.

وقال تعالى: ( يأيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) البقرة 22. 21. وعن ابن مسعود قال، قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال: ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك).

قال الحارث الأشعري، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( إن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا عليه السلام بخمس كلمات، أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وأنه كاد أن يبطئ بها، فقال له عيسى عليه السلام : إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن، فقال يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي.

قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشُرف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن، أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فإن مَثَل ذلك كَمَثَل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بورِق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيِّده، فأيكم يسرَّه أن يكون عبده كذلك؟

وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، وآمركم بالصيام، فإن مَثَل ذلك كَمَثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وآمركم بالصدقة فإن مَثل ذلك كَمثل رجل أسَرَهُ العدو فشدُّوا يديه إلى عنقه.

وقدموا ليضربوا عنقه، وقال لهم هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه، وآمركم بذكر الله كثيرا، وإن مَثَل ذلك كَمَثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره، فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله).

الكلمة الأخيرة

سئل الإمام الشافعي عن وجود الله فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد، تأكله الدود فيخرج منه الحرير، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الأنعام فتلقيه بعرا وروثا، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك، وهو شيء واحد.

سوسن سحاب