من الإسراف في الكلام المذموم أيضاً الثرثرة وهي كثرة الكلام أو التعمق فيه، أو تكلف الشخص في الفصاحة، ليظهر شخصيته أمام الناس، ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون»، وقال أيضاً «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة ».
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً.. وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة.. الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيقهون». وجاء في الحديث: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تتفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».
فعدم وزن الكلام، وكثرته والتشدق فيه، مما يجعل السامعين يتذمرون ويتضايقون من ذلك فلا يستطيعون أن يعربوا عما في ضمائرهم فقد يكون المتكلم ذا وجاهة، أو صاحب سيطرة بحيث لا يترك مجالاً لغيره أن يتكلم. ومن الإسراف في الكلام تأليف الكلام وتنميقه وتحليته، والإتيان بالكلمات المضحكة من أجل إضحاك الناس، وإضاعة أوقاتهم فيما لا فائدة فيه .
والإسلام دين يدعو إلى العمل والجد، وعدم الهزل في الأمور وعدم تضييع الوقت فيما لا طائل من ورائه. قال عليه الصلاة والسلام: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ثم ويل له». وقد يتذرع مثل هؤلاء: أنهم يفعلون ذلك لإدخال السرور على قلوب الناس.
ولكن في الحقيقة، قد أساءوا إليهم بدل الإحسان، وإدخال السرور إليهم لأنهم ضيعوا أوقاتهم سدى دون ما فائدة ترجى من وراء ذلك فالأيام خمسة: يوم مفقود، ويوم مشهود، ويوم مورود، ويوم موعود، ويوم ممدود: فالمفقود أمسك الذي فاتك مع ما فرطت فيه، والمشهود يومك الذي أنت فيه، فتزود فيه من الطاعات، والمورود هو غدك لا تدري هل هو من أيامك أولا ، والموعود هو آخر أيامك من أيام الدنيا فاجعله نصب عينك، والممدود هو آخرتك وهو يوم لا انقضاء له، فاهتم له غاية اهتمامك، فإنه إما نعيم دائم أو عذاب مخلد .
أما الإسراف في الإنفاق يقول تعالى: (ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً). والمبذر أخ للشيطان لأنه شابهه وشاكله. فالشيطان عصى الله، وجحد نعمته، والمبذر جحد نعمة الله وعصاه، حيث وضعها في غير موضعها الذي أمر الشارع به. وقد جاء النهي عن التبذير في الأكل والشرب، والإنفاق وكذلك الإسراف في اللباس، وإسبال الثوب، والإزار، وحرمة لبس الحرير للرجل، وإباحته للمرأة، حيث هي موضع للزينة، والأنوثة.
يقول تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). فالاقتصاد محمود، ويأمر به الإسلام قال - عليه الصلاة والسلام - «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد».
فالاقتصاد خلق محمود يتولد من خلقين: عدل، وحكمة، فبالعدل يعتدل في المنع والبذل وبالحكمة يضع كل واحد منهما موضعه الذي يليق به، فيتولد من بينهما الاقتصاد، وهو وسط بين طرفين مذمومين كما قال تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً) وقال تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً).
إذن فالدين الإسلامي يأمر بالاقتصاد، وحفظ المال، وصيانته، وعدم بعثرته، ويحث على نمائه، وحفظه ، ولذا أمر الإسلام الدائن، والمدين بكتابة الدين والإشهاد على ذلك يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل غير مسمى، فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم).
يقول تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته، وليتق الله ربه، ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعلمون عليم). ومن ذلك أن الإسلام حرم لعب الميسر والقمار والشطرنج وكل ما من شأنه أن يتسبب في ضياع الأموال.
والمسلم ليس مكلفاً بالحفاظ على ماله هو فحسب بل عليه أن يحافظ على مال الغير فالواجب على أولياء الأمور عدم تمكين السفهاء من أموالهم يقول تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً).
فالله سبحانه أضاف المال إلى أولياء الأمور ولم يقل أموالهم لأن السفهاء مسلوبي الإرادة ففي هذا الوقت المال ليس مال السفهاء وإنما مال الأولياء فيجب عليهم المحافظة عليه كما لهم الحقيقي والمراد بالسفيه كل ما يستحقه الحجر عليه من النساء والصبيان واليتامى وعديمي التصرف.
رجاء علي