حفلت كتب التاريخ والتراث العربي بأخبار الخلفاء والملوك الذين قصدوا البيت العتيق بغرض العمرة والحج، ونقل إلينا المؤرخون من أمثال الطبري وابن الأثير والمقريزي روايات مفيدة عن سلوك الملوك في الحج تبين لنا منها أشياء عديدة.
كان أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أكثر الخلفاء مواظبة على أداء فريضة الحج.. فكانوا يصحبون الناس إلى مكة للحج، فلما تولى الإمام علي - كرم الله وجهه - الخلافة أناب عنه من يحج بالناس مثل القيم بن عباس عامله على مكة، وفي سنة أخرى أناب عنه واليه على اليمن.. من هنا كانت بداية إمارة أو ولاية الحج، فوالي الحج أو أمير الحج شخص له حيثية يختاره الخليفة أو الحاكم ليحج بالناس ويرعي شؤونهم.
وقد حج من الأمويين خمسة خلفاء، كان أولهم معاوية الذي حج مرتين، واحدة عام 44 هـ ووضع فيها أول مقصورة في المسجد النبوي والثانية كانت عام 50 ه. وفي السنوات التي لم يحج فيها معاوية كان ينوب عنه أمثال عتبة بن أبي سفيان ومروان بن الحكم.. وعندما حج الوليد أمر بإصلاح طريق الحجاز وعمل آبار به.
آلت الخلافة إلى العباسيين عام 132 هـ وأفاد الحجيج من جهودهم في العصر العباسي الأول.. وإذا كان عبد الله السفاح أول خلفائهم لم يحج لانشغاله بتوطيد أركان دولته الناشئة، فإنه أمر بضرب المنار من الكوفة إلى مكة فهدى به السائرين.
وفي عام 160 هـ حج الخليفة المهدي وصحبه ابنه هارون وبعض أهل بيته، ولما علم من حجته أن الكعبة قد تهدم لكثرة ما عليها من ثياب وأستار، أمر بتجريدها وألبسها كسوة جديدة وطلى جدران البيت، ووسع مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الحجة أنفق مالا كثيرا قدره المؤرخون القدماء بثلاثين ألفا وخمسمئة ألف دينار أي حوالي 5. 30 مليون دينار عدا الثياب الكثيرة.
وكان المهدي أول خليفة حُمل له الثلج وهو في مكة، وأثناء إقامته تزوج من رقية بنت عمرو العثمانية.. وبعد أربع سنوات توجه من الكوفة إلى الحج حتى إذا وصل إلى العقبة أصابته حمى، فعاد ولم يحج في هذه المرة ولا بعدها، ومن مآثره أنه أمر عام 161 هـ ببناء القصور في طريق مكة مما زاد في عمرانها.. وكان أول من أمر بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن مستخدما في ذلك البغال والإبل عام 166 ه.
أما هارون الرشيد فقد كان كثير الحج حتى قال فيه داوود بن رزين: إمام بذات الله أصبح شغله، وأكثر ما يعنى به الغزو والحج «وكان إذا حج حج مع مئة من الفقهاء وأبنائهم وإذا لم يحج أحج ثلاثمئة رجل بالنفقة السابقة والكسوة الباهرة» علي ما جاء في تاريخ الطبري.
وفي شهر رمضان 178 هـ اعتمر الرشيد ثم أقام بالمدينة إلى وقت الحج، وحج بالناس ومشى من مكة إلى منى على قدميه ثم إلى عرفة وشاهد المشاهد كلها ماشيا، وكان كثير المنح فعندما حج سنة 186 هـ أخرج معه ابنيه الأمين والمأمون، وبدأ بالمدينة فتقدم إليه أهلها فأعطاهم عطاء ثم قدموا إلى الأمين فأعطاهم عطاء ثم إلى المأمون فأعطاهم عطاء، ثم توجه إلى مكة فأعطى أهلها فبلغ ذلك أكثر من مليون دينار، وفي هذه الحجة عقد لابنيه الأمين والمأمون ولاية العهد وعلقها في الكعبة.
وفي عهده حجت زوجه زبيدة عدة مرات أنفقت فيها أموالا طائلة، فحضرت عين المشاش وأوصلت مياهها إلى الحرم وأمرت بحفر برك وآبار كثيرة في طريق مكة لتتزود منها قوافل الحج بالماء منها برك العنابة وأم جعفر والقنيعة والزبيدية.. وكان بجوار بعض البرك قصور وقباب، ولما قدم لها وكيلها كشفا بحساب النفقات قالت له ثواب الله بغير حساب، وقد أمر الخليفة المأمون بتجديد كسوة الكعبة كل عام، وكان يقدم لها كساء من قماش فاخر أسود اللون.
وإذا انتقلنا إلى الفاطميين سنجد أن خلفاءهم قد تجنبوا الحج حتى لا يحتكوا بالعباسيين، كما انشغل الأيوبيون بالحروب الصليبية وتولى أمر مصر المماليك الذين ظهر في عهدهم «المحمل». ويذكر مؤرخون أن أول من استخدم المحمل لحمل الكسوة هي شجر الدر، وذلك أنها أرادت الحج سنة 640 هـ فصنعوا لها هودجا مربعا عليه قبة لحملها، ومشى هودجها وقافلة الحج تتبعه فسمي بالمحمل، وصار إرسال الكسوة فيه عادة جارية من ذلك الحين.
وإذا كان الإعداد للمحمل في البدايات بسيطا فقد صار بعد ذلك شغلا شاغلا، إذ تقام له الاحتفالات وهو يطوف شوارع القاهرة وتصحبه المسيرات وحوله الزينات والرايات، وأمامه الرماحة بالملابس الحمراء يلعبون بالرماح. وتحف به الفرسان وأعيان الدولة وكان السلطان يشهد كل هذا وكأنه عيد ديني أو رسمي.
كان الحجاج من شمال أفريقيا ومصر يسلكون الطريق البري إلى الحجاز عبر سيناء والعقبة، فلما وقعت الحروب الصليبية سلكوا طريق النيل حتى قوص ومنها إلى عيذاب والقصير على البحر الأحمر، حيث يستقلون مراكب إلى جده، فلما تولى السلطان بيبرس السلطة في مصر وكسرت شوكة الصليبيين عاد الحجاج إلى الطريق البري عبر سيناء مرة أخرى.
وقد حج السلطان بيبرس وساهم في غسل الكعبة مع الحجيج، وأجرى على أهل الحرمين وأهل بدر ما كان انقطع في أيام غيره من الملوك.. وتم عمارة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل منبره، وجعل بالضريح النبوي «درابيزين وذهب سقوفه وبيقن حيطانه» على حد قول الأتابكي ابن تغري بردي.
ومن الخلفاء والسلاطين من كان حريصا على بيت مال المسلمين، ومنهم من كان مسرفا في الإنفاق على نفسه، ومما ذكره الطرطوش في «سراج الملوك» أن عمر بن الخطاب قال لغلامه لما حج: كم أنفقت في سفرنا هذا؟
قال يا أمير المؤمنين ثمانية عشر دينارا.. فقال ويحك أجحفنا ببيت مال المسلمين، فأين هذا مما صنعه السلطان قلاوون عندما حج؟ لقد أنفق نفقات باهظة، فإذا عرفنا أن قلاوون حج عدة مرات فكم يكون قد كلف بيت المال؟ وقد شارك قلاوون في غسل الكعبة وتعليق أستارها وأمر بحجب الضرائب.
بالرغم من هذه المآخذ فإن هؤلاء الخلفاء والسلاطين من أصحاب النفوذ نراهم مع غيرهم من السواد الأعظم في صور من المساواة، ويسألون الله من فضله وينسون جاههم وعزهم ويبلغون درجة عالية من السمو الروحي، ولقد بعث الحج في نفوسهم عزما صادقا فقاموا بإصلاحات كثيرة عادت على الحجاج بالفوائد الجليلة.