قالت مجلة نيوزويك في طبعتها اليابانية هذا الأسبوع في مقال للصحافي أيشين مولوي حول «حلم دبي» إنه لم يدر بخلد يسار جرار وهو خبير في الإدارة تلقى تعليماً بريطانياً أنه سيجد نفسه ذات يوم مقيماً في دبي.
وشأن الكثيرين من النخبة المتعلمة في الأردن كان يعلق الآمال على استخدام مهاراته في بلده أو في أوروبا أو في الولايات المتحدة، وبعد فترة عمل قصيرة بوظيفة حكومية بالأردن استقر على أن يعيش حياة أكاديمية هادئة يقوم فيها بتعليم الإدارة في المملكة المتحدة.
ثم جاء نداء دبي، ففي أوائل عام 2007 لاحظ أحد المكاتب الحكومية بدبي مقالاً لجرار منشوراً في إحدى الصحف وسأل الأستاذ الجامعي ذو 32 عاماً عما إذا كان يود إجراء مقابلة للحصول على وظيفة فاهتم جرار بهذا العرض، وطار إلى دبي وهو يقول: «بدد ما رأيته كل الصور المسبقة التي كانت لديّ عن عرب الخليج بحسبانهم أشخاصاً أثرياء وغير منتجين».
فقد رأيت إدارة قوية وقائداً ذا رؤية ودرجة رفيعة من المهنية في الحكومة ونخباً شديدة الجد عند القمة». وقد شغل الوظيفة واليوم يعمل جرار في المكتب التنفيذي الذي يقدم الاستشارات لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وهو قائد يوصف بأنه بالغ الطموح وبأنه قائد حريص على التحديث .
ويقوم جرار بعدة أعمال في وقت واحد فهو استشاري في تطوير الأعمال، ومحلل ودارس إستراتيجي، وتشكل السرعة المذهلة لعمله مفارقة حادة مع حياته المهنية السابقة. وهو يقول في هذا الصدد: «من المؤكد أنني أمضيت وقتاً في الجو في هذه الوظيفة مقارنة بما كنت أمضيه في السابق».
وهو يسافر إلى الصين وأميركا وأوروبا، ولكنه سعيد بالفرصة التي أتيحت له. ويضيف، باعتباري عربياً كنت فخوراً بأنني أقوم بدور صغير في نهضة دبي».، ويضيف «في هذه الحقبة الصغيرة من الزمن حققت الكثير».
وتعد دبي حقاً إحدى أكثر المدن نمواً على سطح الأرض بل تفوق في هذا المجال المدن الصينية الكبرى وقد أدت مشاريعها العملاقة في البناء إلى بروز خط أفق يشبه ما هو موجود في «منهاتن» على نطاق أصغر بالإضافة إلى فنادق فخمة ومراكز تسوق هائلة،
وجزر في الخليج وأعلى فندق في العالم، وأعلى برجين في العالم عما قريب، ويقدر أن حوالي ربع رافعات الإنشاء في العالم تعمل في دبي حيث تبني بما قيمته 50 مليار دولار من المشروعات العقارية.
لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، فهذه المدينة التي تضم أقل من مليوني نسمة تجتذب من السياح أكثر مما تجتذبه الهند، وتستقطب من الاستثمار الأجنبي أكثر مما تستقطبه دول أوروبا وتحظى بقدر من الضجيج والإثارة يفوق ما تجده في فيلم من أفلام هوليوود
كما أنها قدمت للعالم أيضاً شركة الطيران التي نالت العديد من الجوائز، والتي عقدت العزم على أن تصبح أكبر ناقلة في العالم في السنوات العشر المقبلة متجاوزة العمالقة التقليديين مثل لوفتهانزا وبريتش ايروايز، وتتوقع المدينة أن تستقبل 15 مليون سائح بحلول عام 2015
بينما تضاعف حجم اقتصادها إلى 3 أمثاله ومركزها المالي الجديد الذي تم تأسيسه قبل 4 سنوات فحسب يضم بالفعل 5 آلاف من محترفي العمل المالي، وموانئها المملوكة للحكومة تعد الثالثة على مستوى العالم، وشركاتها الاستثمارية تحظى بالعلامات الكبرى على امتداد الكرة الأرضية، بما في ذلك صفقة كبرى أبرمت حديثاً مع شركة سوني».
وبالطبع دبي ليست وحدها فهناك دول أخرى بالخليج تنطلق مسرعة مع تحليق أسعار النفط عالياً، ويقدر أن ما قيمته حوالي تريليون دولار من البنية التحتية والمشروعات العقارية يجرى إنشاؤها على امتداد منطقة الخليج والسعودية وعمان وقطر والبحرين، تضخ فوائض صحية.
غير أن نمو دبي لا يدفع النفط قدماً، ففي الوقت الراهن يشكل الدخل النفطي أقل من 5% للناتج المحلي لدبي، وبينما قد يعد متوسط الدخل الفردي أقل منه في قطر المنتجة للنفط والغاز بل وأقل منه في أبوظبي وبينما تظل السعودية العملاق الاقتصادي والصناعي الأكبر على المستوى الإقليمي في الخليج فانه ما من دولة تجتذب سياحة واستثماراً غير نفطي أو تجارة على نحو ما تفعل دبي.
وتشكل قصة نهضة دبي لحظة فريدة في التاريخ الاقتصادي العالمي، نهضة مركز تجاري نشط ينافس هونغ كونغ وسنغافورة في آسيا، بل أميركا وأوروبا، وقد أثرت نهضتها بالفعل إلى حد كبير في منطقتها حيث أوجدت فرصاً استثمارية للسيولة المتدفقة في أرجاء الخليج وقدمت رأسمالاً استثمارياً للمشاريع على امتداد الشرق الأوسط.
والسؤال هو ما الذي يدفع هذه النهضة المذهلة لدبي قدماً؟
وما هي النتائج المترتبة على مثل هذا النمو فائق السرعة بالنسبة لهوية دبي الثقافية العربية، والناس الذين يعيشون في دبي والمنطقة العربية؟
ـ ينظر يسار جرار إلى نهضة دبي باعتبارها إحدى اللحظات النادرة والتاريخية للعالم العربي، ويقول «دبي تدفع الدول العربية الأخرى إلى النجاح محطمة الأساطير التي تدور حول تخلف العالم العربي، ومطلقة تنافساً صحياً على امتداد المنطقة».
ويقول الصحافي السعودي البارز عبدالرحمن الراشد: إن دبي تجبر القادة في المنطقة على أن يجيبوا عن سؤال أساسي إذا كانت دبي تستطيع أن تقوم بذلك، فلماذا لا نستطيع نحن؟
والمدينة قد تكون إحدى أبرز المدن الكوزموبولتانية في العالم حيث تضم أكثر من 150 جنسية مختلفة يقيمون ويعملون تحت آفاقها.
ومع ذلك فإنه في غمار البحث عن مصدر نهضة دبي الحالية فان كل الطرق تقود إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم . وقال ذات يوم إن لديه سرعة واحدة وهي الانطلاق بأقصى سرعة، ويمكن للعين أن تقع عليه وهو ينطلق بسيارته التي تحمل الرقم المميز «1» في أرجاء المدينة حيث يتوقف للاستفسار عن أحدث مشروعات التنمية،
وهو عندما يتيح الاتصال بهاتفه فإن هذا الهاتف لا يكف عن الرنين وهو يتخذ قرارات تتعلق بمليارات الدولارات في لمحة عين. ويقول محمد العبار رئيس مجلس إدارة شركة إعمار «إنه أسرع صانعي القرارات الذين عرفتهم»، ويقول كيتو ديبوير مدير شركة ماكنزي للاستشارات إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يدير دبي كما يدير رئيس تنفيذي جيد نشاط أعماله.
ويقول عثمان العمير الصحافي السعودي البارز: «إنه ليس حاكماً عربياً أوتوقراطياً تقليدياً ولكنه يقيس النجاح بالنتائج وليس بالتملق أو المداخلة السياسية. وهناك مثال جيد كبروز معالي محمد الفرقاوي وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء والرئيس التنفيذي النشط لدبي القابضة
وهي شركة تقوم على المشروعات الحكومية العملاقة ويعمل بها أكثر من 35 ألف شخص. ففي دولة عربية أخرى كان يمكن أن يعطى مثل هذا المنصب الحساس لشخص ينتمي للنخبة السياسية بحكم القرابة أو التحالف السياسي غير أن دبي تكافئ النتائج.
ونموذج دبي يضم عناصر من الرأسمالية الموجهة من جانب الدولة مع روح جريئة في إدارة الأعمال ترحب بأنشطة الأعمال والتجار القادمين من مختلف أرجاء العالم والشعار غير الرسمي لدبي الذي أطلقه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم هو: «ما هو جيد للتجار جيد لدبي».
ترجمة: كامل يوسف حسين
