الحج المبرور هو الحج الذي لا يُخالطه إثم، وقد قال الحسن البصري: هو أن يرجع الحاج زاهدا الدنيا راغِبا في الآخرة..ورُوي أنَّ عائشة قالت: يا رسول الله، ألا نغزو ونُجاهد معكم؟ قال: لكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور.
وعن عمرو بن العاص قال: لمَّا جَعَلَ الله الإسلام في قلبي، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت، ابسط يدك، فلأبايعك، قال، فبسط، فقبضت يدي. فقال: مالك يا عمرو؟ قلت: أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن يغفر الله لي، قال : أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله؟
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنب كما ينفي الكير خبث (وسخ) الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة».
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا البيت دعامة الإسلام، فمن خرج يؤم هذا البيت مِن حاج أو معتمر، كان مضمونًا على الله، إن قبضه أن يُدخله الجنة، وإن رَدَّه رَدَّه بأَجْرٍ وَغَنِيمَة».
وينبغي على كل مُحرم بالحج أن يلتزم آدابًا رفيعة تجعله في محل المناجاة العُلوية مع الخالق جل شأنه، وتصل بالحاج إلى مراقي الكمال الروحي والسلوكي والأخلاقي مع ربه ثم نفسه ثم الناس. قال الله تعالى: (الحج أشهر معلومات فمَن فرَض فيهن الحج فلا رفَث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزوَّدوا فإن خير الزاد التقوى واتقونِ يا أولي الألباب) (البقرة: 197).
وقد أشارت الآية الكريمة إلى ثلاثة جوانب أساسية هي: النهي عن الرفث والفسوق والجدال..والرفث هو الجماع ودواعيه، فيحرم على الحاج المعاشرة الزوجية ومقدماتُها ،وقد جاء الرفث بمعنى الجماع في قوله تعالى: (أُحِلَّ لكم ليلةَ الصيامِ الرَّفثُ إلى نسائِكم)..وذكر ابن جرير أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول: «الرفث إتيان النساء، والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم».
أما النهي عن الفسوق: فيعني النهي عن معاصي الله عز وجل، سواء كانت متعلقة بالإحرام أو عامة لكل ما نهى الله عنه، فهناك محظورات للإحرام كقتل الصيد، ولبس المخيط، وتقليم الأظفار، واستعمال الطِّيب وغير ذلك، ويدخل في الفسوق كل معصية، فالحاج الذي ترك الأهل والوطن، وتحمل المشاق في النفس والمال يجدُر به أن يواصل مسيرة النقاء والطهر.
وينأى بنفسه عن كبائر الذنوب وصغائرها، فلا يُزاحم ولا يظلم في بيعه وشرائه، ولا يبخس الناس أشياءهم ولا يسيء إلى أحد..وإذا كان اجتناب المعاصي واجبًا في كل وقت إلا أنه في وقت الإحرام بالحج ألزم؛ ولهذا كان مجرد نية السوء في الحرم تُحمِّل صاحبَها وزرًا كبيرًا وذنبًا عظيمًا، قال تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فيه بإلحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عذابٍ أليم).
والنهي عن الجدال له معنيان: الأول: لا جدال في مشروعية الحج وفرضيته وحكمة مناسكه، فهذا أمر مقرَّر شرعًا بنصوص صحيحة وصريحة لا تحتمل تأويلاً. المعنى الثاني: لا مجال للمخاصمة والمنازعة في موسم الحج، فالمسلم حريص على أن يُسالم الزمان والمكان والبشر والمخلوقات كلها..فالزمان من الأشهر الحرم، والمكان هو البيت الحرام، ومَن دخله كان آمنًا، وحُرم صيد البر أثناء الإحرام، وهكذا فالمناسبة كلها مناسبة سلام وأمن وإخاء وصفاء مع الله ثم مع النفس ثم مع الآخرين.
أحمد عبد المجيد