قال الشيخ: قال بعض الفقراء لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذهب أهل الدثور بالأجور»، أي ذهب أهل الأموال بأجور الإنفاق في الصدقات والزكاة وفي الجهاد في سبيل الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن في كل تهليلة صدقة، وفي كل تكبيرة صدقة، وابتسامتك في وجه أخيك صدقة، ألا إن في بضعة أحدكم صدقة - أي عندما ينكح زوجته ـ».

فقالوا: «أنأتي بشهواتنا ولنا فيها صدقة»؟! قال: «أرأيتم إن وضعها أحدكم في الحرام أليس عليه في ذلك وزر؟» قالوا: «نعم يا رسول الله»، قال: «كذلك إن وضعها في الحلال له بهذا أجر»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

فإن كان المعتمرون والحجاج يجدون مالاً يعينهم على السفر بعمرة أو حج فإن هذا ليس تمييزاً لهم عن غيرهم، لأن من لا يجد مالاً لمثل هذا السفر لا يحرمه الحق سبحانه وتعالى من الثواب والأجر، ويكفي أن يكون قلبه معلقاً بالله وبيته وأن يكون الشوق إلى تلك الديار مسيطراً على روحه وجوارحه ليكون له أجر من حج واعتمر.

وله في كثير من العبادات والمعاملات الحسنة فسحة كبيرة لتحصيل الأجر، وكم من بعيد فاق بتقواه وبصالح عمله وبصدق حبه لله ورسوله قريباً امتلك أسباب القرب المكاني وقلبه أقل تعلقاً وشوقاً وعمله أكثر تهاوناً وخمولاً ونيته قد تكون مدخولة بلبس من تلبيس إبليس. وقد رأينا أن الحق سبحانه وتعالى قد يأتي بعبد سخط عليه من غلبة العصيان على سلوكه إلى البيت الحرام أو المسجد النبوي ليشهده على قسوة قلبه وتكاسل جوارحه.

وقد استمعنا إلى امرأة تخاطب شيخاً في برنامج تلفزيوني وتروي له أنها زارت مكة ودخلت المسجد الحرام ولكنها لم تر الكعبة، فقد حرمها الله من رؤية الكعبة لسحرٍ كانت تمارسه في حياتها وتدفنه في التراب مع الأموات ـ كانت تعمل في غسيل الموتى ـ فطلب منها الشيخ أن تتوب وتلح في استغفارها لله وفي الصدقات التي تطفئ غضب الرب لعل الحق سبحانه وتعالى يتجاوز عن سيئاتها.

وإنني أزعم أن كل عازم على العمرة والحج وهو لا يبطن إلا الإقبال على العبادة لتحصيل مزيد من الأجر دون أن يكون قد عزم على مراجعة نفسه ومحاسبتها وعلى العودة من العمرة والحج بهمة عالية على ترك سالف معاصيه كبائرها وصغائرها هو خاسر خسراناً كبيراً قد لا يمثله خسران آخر، لأنه قابل ضيافة الرحمن بسوء أدبٍ وضآلة حكمة وضلال عقل وسيء تدبير، فما الذي تصنعه الحسنات كثرت أو قلت مع سخط الله وغضبه على المصر على العصيان والمخالفة.

من هنا يحسن بالمرء أن يفهم أن الحج والعمرة مع كونهما فضلاً من الله وكرماً، هما امتحان وابتلاء ويضعان صاحبهما أمام مسؤولية جسيمة واختبار عظيم، فمن قربه الله لا يجوز أن يصر على البعد، ومن اصطفاه الله لا يجوز أن يصر على النكران، ومن آتاه الله بسطة في المال والجسم ومهد له السبيل لزيارته في بيته الحرام ومسجد نبيه عليه الصلاة والسلام لا يجوز أن يستخدم ماله وقوته فيما ينزل عليه الغضب من السماء ثم إن في العمرة والزيارة اختبار للقلوب وقربها، وللإيمان في جوهره وحقيقته.

إن «التقوى» و«الصدق» و«الإيمان» و«الحب» و«حسن الظن بالله المقرون بحسن العمل» ليس حكراً على من حملتهم مقاديرهم إلى مكة والمدينة، بل إن حج وعمرة المسلم تكشف عن حقيقته وجواهر هذه الحالات والمعاني، فمن يلمس في نفسه وهو في تلك الأراضي ميلاً وتعلقاً بالمسجدين أو بأحدهما، وخشوعاً وحسن صلة وإقبال محب على الله ورسوله فإيمانه على الأغلب في خير، ومن يلمس فيها زهداً في العبادة وتكاسلاً وخمولاً وصلة مفتعلة بجهد مصطنع فإيمانه على الأغلب في خطر.

هل يقدر الواحد منا ماذا يعني أن يكون ضيف الله في بيت الله، وضيف الله ورسوله في مسجد حبيب الله، أذكر هنا أن المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني عندما وصل إلى مسجد رسول الله في المدينة المنورة انخرط في بكاء شديد وامتنع عن الدخول حياءً وخجلاً من رسول الله وقد أثقلته الذنوب ـ كما كان يرى ويتصور ـ فهذا مثال عمن وعى ماذا تعني ضيافة الله ورسوله.

في المقابل نجد أناساً في الحرمين يلهون ويعبثون، ويرفثون ويفسقون، ويتصادمون ويتجادلون، ومنهم من يسيطر عليه نزقه فيؤذي من حوله، ومنهم من يترفع على خلق الله من الفقراء والمساكين غير مقدر إلى أن ما يراه مميزاً له عليهم هو من فضل الله وكرمه، وأن هؤلاء الفقراء من قد يجعله حبه وقربه أهلاً للشفاعة لمن هم أمثاله.

ماهر سقا أميني