إن الله تعالى ميز الإنسان بالإفصاح عما يكنه ضميره على كثير من مخلوقاته وجعل اللسان وسيلة التخاطب فيما بين الناس بما ينفعهم فإذا ما استعمله الإنسان في غير ما أمر الشارع به، فقد تجاوز الحد وأساء. يقول تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً)، ويقول سبحانه: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).
فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار قال: «لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل من جوف الليل ثم تلا: تتجافى جنوبهم عن المضاجع) ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد.
ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه فقال: كف عليك هذا. قلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم». ويقول عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». ويقول أيضاً: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».
قال النووي رحمه الله: اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام، أو مكروه، وذلك كثير في العادة والسلامة لا يعد لها شيء». ودرجات الإثم تختلف باختلاف الضرر اللاحق بالأشخاص قوة وضعفاً فكلما عظم الضرر من جراء اللسان عظم الإثم وكلما قل الضرر قل الإثم تبعاً لذلك.
فمن مذموم القول، شهادة الزور، وكفى بها إثماً أن المفتري، أوقع شخصاً بريئاً في المهالك أو تسبب في سلب ماله، فأصبح ضحية نتيجة للافتراء والنفسية الشيطانية. يقول تعالى: (واجتنبوا قول الزور)، ويقول تعالى: (والذين لا يشهدون الزور). لذا كانت من الكبائر وجاء فيها الوعيد الشديد قال ـ عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت».
قال الصنعاني: قال الثعلبي ـ رحمهما الله: الزور تحسين الشيء بخلاف ما هو به فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق وقد جعل ظاهره المتبادر وذلك لأن الشرك أكبر بلا شك، وكذلك القتل فلابد من تأويله. والبهتان أشد إثماً من الغيبة لأنه يتسبب في إساءة سمعة شخص بريء من التهم التي تلصق به نتيجة الحقد والحسد، وسوء النية، فقد يكون الشخص مستوراً في بيته لا يعلم شيئاً مما حصل أو يحصل فيرمى بتهمة تحط من قدره وتسيء إلى سمعته مدى حياته ويصبح عرضة لأقوال المتقولين ولقمة سائغة لأفواه الجائعين الذين لا يراقبون الله ولا يخشونه.
قال تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً). قال عليه الصلاة والسلام «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته». ولكن مثل هذا الشخص لابد وأن يرتد سلاحه إلى صدره إن عاجلاً، وإن آجلاً، وصدق من قال: «من حفر حفرة لأخيه وقع فيها».
فالغيبة هي أن تذكر معايب شخص غائب عن المجلس قد فعلها إساءة السمعة أو بقصد التسلية في مجالس السمر كما هو حال الناس في كل زمان ومكان. والأخطر من ذلك: أن هناك من سماه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذي الوجهين وهو الذي يتظاهر أمام الشخص بأنه صديق حميم وإذا كان في غيبته بدأ يذكر معايبه ويتفكه مع من يتفكهون في المجالس بأكل لحوم البشر فيتجاوب معهم بل قد يزيد فيأتي بعيوب لم يعرفها عنه أحد سواه ليرضي شياطينه من الإنس والجن.
رجاء علي