الحج أحد أعمدة الإسلام الرئيسية، وركن أصيل من أركانه، ومن رحمة الله بعباده أن قيده بشرط الاستطاعة، وجعله واجبا على من استطاع إليه سبيلا. ولأن «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا» تباينت آراء العلماء حول من يتحمل نفقات الحج والعمرة بالنسبة للمرأة.

ويشير الدكتور جمال قطب الرئيس السابق للجنة الفتوى بالأزهر الشريف إلى أن التكلفة سواء كانت للانتقالات والسفر والإقامة، أو للنفقة الذاتية أثناء أداء فريضة الحج، واجب شرعي على الزوج، وإلا فإن معنى عدم قيامه بذلك انتفاء عقد الزوجية، الذي تبوأ به كلا الطرفين، الذي يفرض قيام كل منهما بالآخر في جميع ما ينفعه، أو يحبه، أو يكون قربة إلى الله سبحانه وتعالى، فلا تقتصر نفقة الزوجة على المأكل والمشرب والملبس والمسكن.

كما لا تقف خدمة الزوجة لزوجها في تسيير برنامجه المعيشي المعتاد، إنما الزوجية القائمة على المودة والرحمة تفرض أن يقوم الزوج إن كان قادرا بكل ما يعين زوجته على أداء فريضتي الحج والعمرة، متكفلا في ذلك بكل ما تحتاجه من نفقات للسفر والإقامة والمعيشة بل والهدايا أيضا، وإلا فما معنى المودة التي وضعها الله بين المرء وزوجه؟!

وحول الفتاوى العديدة التي تقول بعدم مسؤولية الزوج عن تحمل نفقات حج زوجته يشير الرئيس السابق للجنة الفتوى إلى أن الزوجة إن كانت مقتدرة ماديا فلها أن تشارك في تحمل تكاليف حجها، أو أن تحج من مالها الخاص إن أرادت، ولها أيضا أن تساعد زوجها بالمال ليؤدي هو فريضة الحج تفضلا منها، وليس فريضة عليها. أما ما يطرح في كتب التعليم والفتاوى فإنها حلول ومخارج للخروج من بخل الزوج أو شح الزوجة، فترى السائل يسأل والمفتي يجيب، لكن الأصل هو ما أشرت إليه.

وينفى الدكتور قطب تحمل الزوجة نفقات حج زوجها إن كانت عقدة النكاح بيدها، موضحا أن مسألة العصمة لا علاقة لها بالإنفاق، بل القادر ماديا هو الذي ينفق، وكريم النفس هو من يتحمل مسؤولياته.

فضل ومروءة

تتفق الدكتورة آمنة نصير أستاذة العقيدة والفلسفة الإسلامية، مع رأي د. قطب، وتصفه بالرأي المستنير، مشيرة إلى أن الحياة الزوجية بما تحمله من حياة ثرية وكفاح متواصل، وصيانة الزوجة لمال زوجها، وتربية أولاده، إلى آخر ما تحمله الحياة الزوجية من معان سامية، وهناء، ومشقة، وكفاح، حياة متنوعة تتحمل فيها المرأة الكثير والكثير، فإذا كانت هذه الزوجة لم تستبق مالا لنفسها، أو لم تختزن ثروة من وراء زوجها، بل أعطته كفاح عمرها.

فمن باب الفضل والمروءة ورد الجميل إذا كان الزوج قادرا أن يتكفل بنفقات حج زوجته، وهذا الأمر أعتبره واجبا شرعيا على الزوج، ورد لجميل شريكة الحياة في حلوها ومرها. أما وأن يذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجب على الزوج نفقة حج زوجته فأعتبره رأيا يتضاد مع المروءة والعطاء لهذه الزوجة، ويتصادم مع المعاني الراقية لبناء الأسرة من سكن ومودة ورحمة.

وتذهب د. آمنة إلى القول بوجوب نفقة حج الزوجة واعتمارها على زوجها، مادام مستطيعا على ذلك، وذلك من باب عونها على استكمال أركان الإسلام، أما وأن يطلق الحكم بلا تفصيل ـ والكلام للدكتورة آمنة ـ فإنني أعتبره رأيا مجافيا لمفهوم الإسلام للحياة الزوجية القائمة على السكن والمودة والرحمة والتعاون على البر والتقوى، ولهذه الزوجة التي أعطت لزوجها كل حياتها وكفاحها، وخرجت خاوية الوفاض من المال، وهي من عاونته في بناء هذا المال.

يؤثم إذا تقاعس

أما د. عبد المعطي بيومي وكيل لجنة الشؤون الدينية السابق بالبرلمان المصري، فيذهب إلى أكثر من القول بوجوب التزام الزوج بنفقات حج زوجته، بل يقول بتأثيمه إن تقاعس عن ذلك، موضحا أن الزوج إن كان مستطيعا فلا بد أن يدفع لزوجته ما يعينها على أداء ما افترضه الله عليها، لأنه من فساد الذوق أن يفكر الزوج في مسألة من يدفع نفقات الحج، هو أم زوجته.

ويشير بيومي إلى أن الزوجة هي من نفس الزوج، والله سبحانه وتعالى يقول: «خلق لكم من أنفسكم أزواجا»، فالزوجة تعتبر جزءا من زوجها وهو كذلك، والإسلام دين المروءة والواجب، لا دين التملص من أداء الواجبات، تحت دعوى أن الحج مسؤولية ذاتية على الشخص نفسه، فالزوج يكون آثما إن استطاع الوفاء بنفقات حج أو عمرة زوجته ثم تقاعس عن ذلك، فمن يقوم بذلك إن لم يكن هو؟

وبحسب بيومي، يشدد الدين الإسلامي على قيام كل مسلم بمسؤولياته تجاه من يرعاهم أو يعولهم، فالزوج راع لأهله وعليه أن يقوم بقضاء حاجاتهم، وقد عرف عن الرسول صلى الله عليه وسلم المروءة والتزامه بالخلق الحسن وكمال الطبع، وقد ورد عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأهلي».

ويؤكد الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق أن الشريعة الإسلامية رتبت لكل من الزوجين حقوقًا على الآخر، فجعلت للزوج على زوجته من الحقوق أن تقيم معه في منزل الزوجية، حتى يتحقق الغرض من الزواج من سكن ومودة وإنجاب للأولاد والعناية بهم، وتوفير وسائل الراحة في البيت لينعم أفراد الأسرة جميعًا.

ومن حقه عليها ألا تخرج بغير إذنه، كما أوجب الشرع على الزوج أن ينفق على زوجته بالمعروف، ولم يوجب عليه قضاء ديْنها، ولا دفع الزكاة عنها، ولا دفع ما تتكلفه في الحج وغيره، فلا يجب عليه أن يتحمل عن زوجته نفقة الحج ولو كان غنياً، إنما ذلك مستحب يؤجر عليه ولا يأثم بتركه.

حسن المعاشرة

أما د. عبد الصبور شاهين الأستاذ المتفرغ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، فأوضح أن الزوج مطالب على المستوى الإنساني من باب حسن المعاشرة، أن يقوم بنفقات زوجته التي تعينها على أداء فريضتي الحج والعمرة، لكن من الناحية الشرعية ليس ملزما بذلك، بمعنى أنه لا يأثم إن لم يعط زوجته ما تحتاجه من المال لأداء هذه الفريضة، لكنه يثاب إن فعل.

ويذهب شاهين إلى أحقية الزوج في منع زوجته من السفر وحدها، أو مع غير محرم لها، حرصاً عليها، ولو كان هذا السفر لغرض ديني كأداء فريضة الحج، ودليله في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أنْ تُسافرَ مَسيرةَ يوم وليلة إلا مع ذِي رَحِمٍ مَحرم لهَا». فإذا توافر المحرم فليس من حق الزوج أن يمنع زوجته من أداء الفريضة؛ لأنها تقوم بأداء ركن من أركان الإسلام؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

إعانة على البر

يتفق د. صبري عبد الرؤوف أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف مع الرأين السابقين، موضحا أنه لا يجب على الزوج دفع تكاليف حج زوجته، إنما نفقة ذلك عليها إذا استطاعت؛ لقول الله عز وجل: «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله سيدنا جبريل عليه السلام عن الإسلام.

فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». وهذه الآية الكريمة والحديث الشريف يعمان الرجال والنساء، ويعمان الزوجات وغير الزوجات.

غير أن د. عبد الرؤوف يشير إلى أن ذلك الأمر من ناحية الإلزام الشرعي، لكن إذا تكفل الزوج بنفقات حج وعمرة زوجته فذلك من حسن المروءة والمعاشرة بالمعروف، ومن قبيل الإعانة على البر والتقوى. موضحا أنه ليس هناك أحد ملزم شرعاً بأن يبذل لغيره نفقة الحج، سواء كان زوجاً أو زوجة أو غيرهما، لكن يجوز ـ على الراجح من أقوال أهل العلم ـ للمرء أن يحج على نفقة غيره، سواء كان ذلك الغير أحد الزوجين أو غيرهما من الأقارب والأصدقاء.