أكد العلماء أنه في الوقت، الذي تتداعي فيه الأمم على الإسلام، فلابد من السعي قدما لامتلاك كل ما من شأنه الانطلاق بشأن الدعوة الإسلامية لنشر كل ما هو صحيح وقويم عن الدين الإسلامي وقواعده وقيمه العالمية، التي يقوم عليها مؤكدين أن هذه مسألة في غاية الصعوبة يكتنفها العديد من المصاعب والمتاعب، التي تحتاج من الدعاة أن يؤهلوا أنفسهم.

وأشاروا إلى أنه في ظل سيادة الصورة الخاطئة التي يروجها أعداء الإسلام في الغرب يجب أن يتحرك المسلمون لكي يردوا على هذه الشبهات والاتهامات، التي تثار ضد الإسلام، وليكونوا حريصين في تحركاتهم على امتلاك آليات العصر من إعلام متقدم وانترنت وغير ذلك.

وشددوا على أن إعداد الدعاة وتأهيلهم بشكل مهني متميز أكثر التحديات، التي تواجه الدعوة الإسلامية في هذه الآونة نظراً لأن العنصر البشري لا يزال صاحب الريادة علي صعيد الارتباط بين الغرب والشرق، ذلك الارتباط الذي يبدو في حالات كثيرة أنه صدامي. د.محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر يحدد هذه المعوقات.

فيقول: بعض هذه المعوقات يتعلق بالدعوة نفسها والبعض الآخر يتعلق بعمل الدعاة، لكن تبقى أهم المعوقات وأخطرها تفرق الشعوب الإسلامية، فلا سبيل لإنقاذ الدعوة والتعريف بقيم الإسلام، إلا بتوحيد الفكر الإسلامي والتنسيق والتعاون بين المسلمين في كل دول العالم، وذلك لمواجهة الدعاوى الكاذبة وحملات الهجوم، التي يشنها أعداء الإسلام عليه لتشويه صورة الدين الحنيف في المجتمعات الغربية.

واتهامه بما ليس فيه وعلينا أن ننأى بأنفسنا عن تقاليد الغرب وعاداته، والفترة القادمة تتطلب من الداعية أن يحذو حذو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، وفق المنهج الصحيح للدعوة والذي يعمق الإيمان بعقيدة الإسلام ويدحض مزاعم أعدائه، كما تتطلب وجود المسجد الجامع، الذي يجمع ولا يفرق ويقوي ولا يضعف.

تطوير الوسائل

ويلفت فضيلة شيخ الأزهر الاهتمام إلى ضرورة تطوير وسائل الدعوة الإسلامية بما يتفق مع تطورات العصر في القرن القادم وتقنياته وأساليبه، ويطالب الجهات القائمة على الدعوة في العالم الإسلامي، بضرورة التكاتف والأخذ بالأساليب الحديثة في إيصال الدعوة لمواجهة البدع والأمراض الأخلاقية المنتشرة في المجتمع الإسلامي، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام في كل مجالات الحياة، وتكثيف جهود الدعاة من خلال الجولات الميدانية إلي الدول الإسلامية.

خاصة الدول الفقيرة والجمهوريات الإسلامية الحديثة لشرح القرآن ومعانيه للمسلمين، وإبراز السمات الأساسية للقرآن على المسلمين حكومات وشعوباً العمل على تهيئة الظروف الملائمة للدعاة ورعاية الأقليات المسلمة، وتقديم مختلف أشكال الدعم لها، حتى لا تشعر هذه الأقليات أنها بمعزل عن العالم الإسلامي.

ويرى د. محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري أن الدعوة رسالة وليست كما هي عليه اليوم وظيفة أو مهنة، فهي رسالة سامية هدفها خدمة الإسلام والعمل علي انتشاره في كل مكان، وفي نفس الوقت الرد على الاتهامات الباطلة، التي يروجها أعداء الإسلام ضده، لذا فأعباء الدعوة ليست سهلة، وتتطلب في المستقبل المزيد من الجهد والكفاح و الطموح.

وهنا تبرز أهمية إعداد الدعاة الذين يقومون بهذه المهمة، إعدادا جيدا يتفق مع المتغيرات الجديدة ومتطلبات العصر، والتركيز على القضايا التي تشغل المسلمين في جميع أنحاء العالم، والقدرة على توصيل المعلومة بأسهل الطرق حتى لا ينفر الناس من الدعاة.

ويضيف د. زقزوق: إن الإسلام حدد أسس الدعوة الإسلامية، والتي تمثلت في قول الحق سبحانه وتعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، فهذه الآية وضعت ثلاثة أسس للدعوة الصحيحة، التي يجب على الدعاة الالتزام بها: أولها الحكمة فلابد أن يكون الداعية مدركاً لقواعد الدعوة الصحيحة، وعالماً بأسهل الطرق المؤدية إلى هذا الهدف.

خاصة وأن أعباء الدعاة تتزايد يوما بعد يوم في ظل الحرب الشرسة ضد الإسلام وتعاليمه بالخارج، أما الأساس الثاني للدعوة الصحيحة فيتمثل في الموعظة، التي يتطلب تحقيقها توافر عدة أمور: منها ما يتصل بالدعوة نفسها ومنها ما يتصل بالداعية وآخر لمن توجه إليهم الدعوة، فإذا اكتملت هذه الأمور حققت الموعظة عملها بين المسلمين في كل مكان، وتأتي المجادلة بالتي هي أحسن كأهم أسس للدعوة الإسلامية، لأنها تتطلب شروطاً خاصة في الداعية ولاشك أننا في حاجة إلى داعية بهذه المواصفات لديه القدرة على استيعاب روح العصر.

ويقول د. عبد الفتاح الشيخ رئيس جامعة الأزهر الأسبق: الحاجة أصبحت ملحة لتأخذ الدعوة الإسلامية مكانها الصحيح في العالم، خاصة وأننا مقبلون على قرن جديد تزداد فيه التحديات ضد الإسلام، فالعالم الإسلامي يتكون من أكثر من ألف مليون مسلم يعيشون في رقعة شاسعة من الأرض، ورغم ذلك فالغرب يصفهم بالتخلف، وهناك محاولات مشبوهة للترويج بأن الإسلام هو السبب في عدم تقدم الشعوب الإسلامية ومسايرتها للمدنية الحديثة.

ويضيف د. الشيخ ومن نتائج ذلك أن انغمس الكثير من المسلمين في تقليد الغرب بحثاً عن أسباب التقدم، لذا فعلى الدعاة مسؤولية جسيمة هي تفنيد كل هذه المزاعم والرد عليها بما جاء في الكتاب والسنة، ومراعاة التركيز على الأحداث المعاصرة بما يحقق التفاعل بين الدين وأحداث الحياة، بحيث يتطرق الحديث عن القضايا، التي تشغل العالم اليوم وعرض حلول لها من منظور إسلامي، وهذا لن يتم إلا بتكاتف المؤسسات والهيئات الإسلامية نحو توحيد الجهود لتجديد وسائل الدعوة وتنشيط دور الداعية.

ويطالب د.الشيخ الحكومات والشعوب والمؤسسات بتقديم كافة الدعم للمسلمين في أوروبا وأفريقيا وتوحيد الجهات العاملة في مجال الدعوة الإسلامية، خاصة وأننا نسمع كل يوم آهات العالم الإسلامي في كل أنحاء العالم. ويقسم د. طه أبوكريشة نائب رئيس جامعة الأزهر السابق الدعوة إلى قسمين دعوة على سبيل التفقه في الدين وهذه واجبة على فئات معينة،.

تشير إليها الآية الكريمة (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) هذا النوع من الدعاة هم الذين يرجع إليهم في المسائل الدقيقة، لأنهم يمتلكون الخبرة المطلوبة من خلال دراستهم بالمعاهد المتخصصة، أما الفئة الثانية فهي التي أشار إليها الله في قوله تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين).

ويشير د. أبوكريشة إلى أن الدعوة ساهمت في الحفاظ على الصف الإسلامي في كثير من المجتمعات الإسلامية ضد محاولات التمزق والفرقة، ولابد أن يستمر دورها من خلال نطاق أوسع، فالقرآن الكريم قد حذر من التقصير في الدعوة إلى الله في العديد من المواضع، منها قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة).

لذا فلابد من وضوح الرؤية لدى الدعاة والأمة في هذه القضية وأن يعرف الدعاة بأن ما يصلح لموقف لا يصلح لموقف مغاير، وما يصلح لشخص لا يصلح لشخص يختلف عنه، وما يصلح لأمة ذات شخصية وعقيدة وقيم ومبادئ وتاريخ ومصالح لا يصلح لأمم أخرى.

الداعية القدوة

أما المفكر الإسلامي د.عبد الصبور شاهين فيرى أن التحديات التي تواجه الإسلام والمسلمين عديدة ومتنوعة، لذا فالدور المنوط بالدعوة الإسلامية القيام به كبير، والمسلمون ليسوا بحاجة لمساجد بقدر ما يحتاجون لدعاة أكفاء متفتحين يربطون الماضي بالحاضر، يعون أمور دينهم والحرب الشرسة، التي يشنها اليهود ضد الإسلام، وللأسف الشديد الدعاة اليوم إما أنهم عاجزون عن تطوير أنفسهم وتحصيل المعارف، وإما شغلتهم أمور الدنيا عن الاستزادة من العلم والتفقه في الدين وهذا النوع من الدعاة أصبحوا أشبه بالموظفين ضيقي الأفق، وهذا ليس في صالح الدعوة الإسلامية على الإطلاق.

ويشير د. شاهين إلى نوع آخر من الدعاة يسيئون إلى الدعوة أكثر مما يفيدونها، وهم الذين يقولون ما لا يفعلون بل تتنافى أقوالهم مع سلوكياتهم الحياتية، ونجاح الدعوة الإسلامية في المستقبل يتطلب أن يكون الداعية على وعي تام بثقافة مجتمعه وفلسفته وأفكاره وقيمه وعاداته، بالإضافة إلى امتلاك القدرة على صياغة الحقائق الدينية والمفاهيم الإسلامية بما يحول دون تحريفها العمل على إعادة المثقفين المسلمين إلى حظيرة الثقة في صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، وقدرته على إنقاذ المجتمع البشري من الانهيار والانتحار.

ويحدد د.عبد المقصود باشا أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر الصفات الواجب توافرها في الداعية المتخصص إذ لابد أن تتوافر فيه أمور أهمها أن يكون مسلماً صحيح الإيمان قويا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولابد أن يكون عالما بأمور القرآن والسنة النبوية وشروحهما وتفسيرهما حتى يكون داعية إلى الله على بصيرة وليس على جهل.

بالإضافة إلى ضرورة توافر الخلق السليم والسلوك القويم، وأن يكون صدره واسعا وقلبه كبيراً وواعياً لطبائع الناس المختلفة، وعارفاً بوسائل الدعوة والقدوة والمثل الأعلى في ذلك الداعية الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويضيف إن هذا هو الداعية، الذي نحتاجه ونحن على مشارف القرن القادم، حتى ينتشر الإسلام في كل بقاع الأرض، بالحكمة والمجادلة والموعظة بالتي هي أحسن، لتصحيح المفاهيم ومواجهة الاتهامات الخاطئة التي يحاول البعض إلصاقها بالإسلام وهو منها بريء.

ويقول د.منيع عبد الحليم محمود عميد كلية أصول الدين السابق: تواجه الدعوة الإسلامية في الآونة الأخيرة تحديات كثيرة تحول في مجملها دون الوصول بها إلى المسلمين في شتى بقاع الأرض، وذلك في ظل الصورة الخاطئة التي يروجها أعداء الإسلام في وسائل الإعلام الغربية، والتي تتنافى مع ما حث عليه الإسلام بقرآنه وسنة نبيه وسيرة الصالحين من الرجال والنساء، وهذا في مجمله يضع أسساً وقيماً صالحة لكل زمان ومكان.

ويشدد د.منيع علي أنه في هذه الظروف التي يتكالب فيها الكارهون والحاقدون على الإسلام للنيل من عظمته وقدرته على حل شتى مشكلات الإنسان المعاصر، وذلك بكيل الاتهامات له ولقيمه وللقواعد التي يقوم عليها، يتعاظم دور الدعوة وتتضاعف المسئولية على كل من يشارك في إرساء قواعدها، ولكن الضروري في هذا السياق تأهيل الدعاة بما يتفق ومتغيرات العصر وما نجم عنها من تعاظم قدر التحديات.

وينصح د.منيع الدعاة بضرورة التفاني والإخلاص في دعوتهم، لأنها مقدسة يثاب عليها خير الثواب من رب العالمين، وليكون التفاني بحسن امتلاك الأدوات، التي تمكن صاحبها من الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة مستغلاً في ذلك كل أدوات العصر المتاحة.

القاهرة- وكالة الصحافة العربية