شاركت وزارة البيئة والمياه في المؤتمر العربي البيئي الأول، الذي بدأت فعالياته الأسبوع الماضي واختتم يوم أمس، وذلك في مدينة العقبة جنوب المملكة الأردنية الهاشمية ومثلت الوزارة وجمعية أصدقاء البيئة الدكتورة طرفة شيبه الشرياني أمينة سر الجمعية، وقدمت خلال المؤتمر ورقة عمل بعنوان (التغيرات المناخية وتأثيرها على البيئة البحرية).
وأوضحت الشرياني في ورقتها : (أن التاريخ الجيولوجي سجل على امتداده العديد من حالات التغير المناخي الحاد، فعندما كانت ترتفع درجات الحرارة، ينصهر الجليد عند أقطاب الأرض، ثم يرتفع منسوب المياه في البحار.
وحدث العكس على فترات متباينة من عمر الأرض البالغ 6 ,4 آلاف مليون سنة، فعندما برد المناخ، امتد الجليد ليغطي مساحات كبيرة من سطح الأرض وانخفض منسوب الماء في البحار، وفي تلك الفترات الجليدية كانت الصحراء العربية جنة الأرض.
وغطت البحيرات العذبة أغلب أركانها، وتنوعت الأحياء بها، لأنها كانت ملاذ الأحياء من صقيع الشمال والجنوب، وحدث هذا كثيراً عبر العصور الجيولوجية، وبالطبع دون تدخل من الإنسان، لأنه لم يكن قد خلق بعد.
وبينت الشرياني أنه مما سبق يتضح أن التغير المناخي وتذبذب منسوب المياه ارتفاعاً وانخفاضاً في البحار كانت أحداثا دائمة ومألوفة في تاريخ الأرض، وكان ذلك يحدث بفعل عوامل طبيعية بحتة، مثلاً نتيجةً لحجب أشعة الشمس بدخان نشاط بركاني كثيف ومتزامن، أو صدمة نيزكية أو تحرك القارات، وغيرها.
ولكن تشهد الأرض في الثلاثة قرون الأخيرة مؤثرات على المناخ ليس للطبيعة دور فيها، ولكن جميعها بفعل النشاط الإنساني، وذلك عندما دخل الإنسان عصر البحار، واعتاد أن يستهلك مصادر الطاقة الأحفورية مبتدئا بالفحم ثم بالنفط، حتى ان مقياس تقدم الأمم أصبح هو مقدار ما تستهلك من طاقة.
كما أن التضخم السكاني والتقدم التقني معاً أضافا ثقلاً كبيراً على مناخ الأرض، ويمكن إيجاز بعض مسببات التغير المناخي بفعل النشاط الإنساني بما يلي:
حرق الوقود في وسائل النقل والمصانع وإنتاج غازات أكاسيد الكربون والكبريت والنيتروجين، وصناعة الأسمنت المنتجة لكم ضخم من أكاسيد الكربون، حيث ينطلق للهواء 800 جرام من غاز ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوجرام من الأسمنت المنتج.
والجدير بالذكر أغلب ثاني أكسيد الكربون الناتج من صناعة الأسمنت ليس من الوقود المحترق فقط، وإنما من تكسير الجير والذي هو المادة الخام الرئيسية في هذه الصناعة، كما أن التوسع الإسكاني وأساليب التخلص من النفايات، وغيرها من الأسباب.
وأضافت أن كل هذه الأسباب مجتمعة تشير إلى أن التغير المناخي كان معروفاً منذ أن خلق الله الأرض، بل ان بعض هذه التغيرات المناخية، مثل ما حدث منذ 65 مليون سنة عند نهاية العصر الطباشيري، كانت من القوة والشمول، بحيث قضت على كثير من الأجناس ومنها الديناصورات.
كما أدى إلى إيجاد تغير جوهري للتنوع البيولوجي على الأرض، ولكن ما تساهم به يد الإنسان من ملوثات، يتسبب في حدوث تغير بطيء في المناخ، وتفيد الأبحاث أنه من المتوقع أن ترتفع درجة الحرارة من درجتين إلى ثلاث درجات مع حلول عام 2050.
وعندها سيرتفع منسوب ماء البحر 30 سنتيمتراً، وإذا استمر إفساد المناخ بالمعدلات الحالية، سترتفع درجة الحرارة خمس درجات مئوية ويرتفع معها منسوب ماء البحر حوالي 70 سنتيمتراً عند نهاية القرن الحالي، عندها يمكن أن تغمر المياه مناطق كبيرة من سطح اليابسة مثل أرض البنجلاديش وهولندا وفلوريدا وغيرها الكثير، والمسبب الرئيسي لهذه الكارثة البيئية، هو النشاط الإنساني.
وأشارت الشرياني أن الخليج العربي يعُد نموذجاً مثالياً للتأثر بالتلوث البيئي عموماً والتغير المناخي خصوصاً، وحتى ندرك أسباب حساسية الخليج العربي المفرطة للتلوث، يجب أن نعلم خصائصه، فالخليج يمتد بطول 985 كيلومتراً وأقصى عرض 210 كيلومترات.
ويغطي مساحة أجمالية حوالي 240 ألف كيلومتر مربع. وتطل الإمارات على جزء كبير من الخليج يمتد من شط العرب عند خط عرض 30 شمالاً إلى خط عرض 24 شمالاً عند مضيق هرمز الذي يعُد الرئة التي يتنفس منها الخليج.
وشرحت أنه طبقاً لضحالة مياه الخليج والتي تتراوح بين 28 و 1400 متر، فإن حجم المياه بالخليج يقدر بحوالي 8500 كيلومتر مكعب فقط، والمعروف أن ملوحة المحيطات تقدر بحوالي 35 جزءاً في الألف.
ولكن في البحار الشبه مغلقة ترتفع الملوحة إلى حوالي 40 جزءاً في الألف، وفي الخليج العربي الشبه مغلق والموجود في منطقة ذات مناخ حار، فإن الملوحة تصل الى 45 جزءاً في الألف وتتجدد مياهه مرة كل قرن ونصف من الزمان، ونظراً للملوحة الزائدة للمياه وزيادة كثافته.
فإنها تهبط لأسفل وتتحرك كتلة المياه الدافئة لتخرج إلى المحيط الهندي لتستبدل بالماء الأكثر نقاء والأقل حرارة والأعلى في الأوكسجين المذاب، ولكن ببطء شديد وبالقدر الذي يسمح به مضيق هرمز وضعف التيارات البحرية، وينتج عن هذا أن الخليج العربي لن يستطيع بسهولة التخلص من الملوثات، وأنه سيكون شديد الحساسية للتغير المناخي، حتى أن درجة تلوثه تبلغ خمسين ضعف المناطق المماثلة.
ومع عدم قدرة مياه الخليج على التجديد السريع، فإنه ومحيطه الجغرافي يضم حوالي 60% من احتياطيات النفط العالمية، وعنده كذلك أكبر حقول النفط في العالم، وبالطبع فإن عمليات الاستكشاف، والإنتاج، والتصدير، والتخزين، والتكرير، وتنسب جميعاً في إحداث تلوث كبير وغير مسبوق للخليج، كما أن زيادة حركة النقل والغازات المحترقة، تؤدي إلى زيادة مسببات الاحتباس الحراري، ومن ثم المساهمة في التغير المناخي.
وأشارت الشرياني إنه مع كل أهميته هذه التغيرات تبقى أمرا هينا، إذا ما قورن بتأثير الحروب المتتابعة خلال العقود الثالثة الأخيرة في منطقة الخليج، فلقد تتابعت حروب العراق وإيران ثم غزو الكويت وتحريرها، ثم حرب العراق واحتلاله الذي مازالت تأثيراته موجودة.
هذه الحروب أدت بالقطع إلى تلوث المناخ وزيادة غير مسبوقة لمسببات التغير المناخي بالمنطقة، ولكن يبقى حرق حقول النفط والمصافي والخزانات في الكويت والعراق الأخطر على الإطلاق، والأكثر مساهمة في الاحتباس الحراري.
حيث حرق حوالي 6 ملايين برميل من النفط أنتجت عند الحرق أكثر من 100 مليون طن من الدخان ليمتد ويغطي مناطق شرق أوروبا.
وهذا القدر من الدخان يسهم في حجب الشمس وتغير مناخي مؤقت، ولكن التأثير السلبي يظهر على المدى البعيد، وتجدر الإشارة إلى أن المواد الكيميائية التي استخدمت في الإطفاء، وتساهم بدورها بإضافة مسببات جديدة للتغير المناخي، وإذا أدخلنا في الحساب مقدار الغازات التي أقحمت نفسها علي المناخ بفعل القنابل والمتفجرات العربية، أو الفارسية، أو متعددة الجنسيات.
يصبح الأمر شديد القسوة على الخليج، وقد كان هذا الواقع القريب كارثة بيئية على كافة المستويات، حيث لم يكن التخريب البيئي قصراً على المناخ، ولكن حدث تلوث أكثر ضراوة للمياه.