كان (ر) من أنقى الأئمة الذين جاءوا إلى هذه المدينة فهو معروف بزهده وتقواه، حفظ من الأحاديث والآيات والأدعية عدداً لا بأس به لذا تجده يدعم كلامه بكل هذه المعاني الجميلة والسامية فتصبح مقتنعا بما يقوله لك، كيف لا وهو لا يتحدث إلا الصدق.
كان (ر) من الزهاد في الدنيا فقد كان يكفيه القليل من المال ليسد به بعض احتياجاته التي لا تتعدى إيجار المنزل وفاتورة الكهرباء أما الطعام فقد كان آخر ما يفكر فيه لأن كثرة الطعام سبب للخمول والبعد عن صلاة الجماعة، لذا كانت بضع لقيمات كفيلة بأن تقيم أوده.
ولقد بلغ به الزهد أن لا يتزوج وذلك حتى لا تلهيه الزوجة والولد عن طاعة الله، ولأنه لم يتزوج وزهد في الدنيا فقد عف نفسه فلم يقتن تلفازا أو جهاز كمبيوتر أو حتى راديو، وقليلا ما كان يتصفح الجريدة.
فالأخبار وأسعار البورصات والأسهم لا تعني أي شيء له، فالإنسان مهما بلغ من المال والثروة فلن يصل إلى ما بلغه قارون ومع ذلك فقد خسف الله به الأرض وذهب هو وما لديه إلى غير رجعة.
مرض الشيخ (ر)
أصيب الشيخ (ر) بالبرد فأحدث ذلك ضجة كبيرة في المنطقة، فالناس تعودوا على أن يروه في جميع الصلوات، لذا عندما لم يأت لصلاة الجماعة افتقده الجميع وذهبوا للسلام عليه وللاطمئنان على صحته، ولم يذهب إليه الرجال فقط بل وحتى النساء الصبايا والعجائز ذهبن إلى بيته يحملن له الطعام والشراب فهو وحيد في هذه الحياة وليس هناك أحد يعوده.
لأنه ليس له أقارب. خلال زيارة إحدى السيدات له كانت معها حفيدتها، كانت الحفيدة تفيق بالليل وهي تبكي وعندما يسألونها عن سبب بكائها كانت تصف لهم أشياء غريبة تراها في الحلم.
فاستغلت السيدة وجودها عند الشيخ (ر) وقصت عليه قصة حفيدتها فما كان من (ر) إلا أن قال لها بأن الأطفال في هذا العمر يرون أشياء كثيرة في منامهم وذلك بسبب نشاطهم وحركتهم الكثيرة في النهار فتخزن هذه الصور في عقولهم الباطنة وعندما ينامون يرونها.
ومع ذلك قال (ر) دعيني أقرأ عليها بعض الأدعية، جاء الرجل الطيب بكوب ماء وقرأ عليه ما شاء أن يقرأ ثم تمتم وقال للطفلة اشربي الماء وبعد أن شربت الماء أجلسها أمامه ووضع يده على شعرها وبدأ يقرأ عليها بعض الأدعية... استمر (ر) يقرأ.. ويقرأ وأصابع يده تعبث بشعرها حتى أحست الطفلة بالنعاس ونامت، أفرد الرجل للطفلة جانبا من فراشه.
حيث استسلمت لنوم عميق. بعد هذه الحادثة لم تعد الطفلة تحلم بأي حلم مزعج وأصبحت تنام طوال الليل في هدوء وسكينة ما أسعد جميع أفراد أسرتها، عندها أخذت جدة الطفلة كمية كبيرة من الحلويات والأطعمة والفاكهة إلى (ر) وأعطته إياها ولم تنس أن تضع له مبلغا من المال تحت وسادته.
إلا أن الرجل رفض أن يأخذ شيئا قائلا بأنه لم يعمل شيئا يستحق عليه كل هذا، وأنه لم يقل أكثر من بعض الأدعية فاستجاب الله له، لذا ليس من المعقول أن يأخذ أجراً على ذلك فالأجر كله عند الله سبحانه وتعالى.
لكن السيدة أصرت على موقفها، عندها اضطر لأن يأخذ الهدية لكنه خرج من البيت ونادى على بعض العمال الذين كانوا بالقرب من منزله فأعطاهم مما أعطاه الله عندها كبر هذا الرجل في عين المرأة وذلك لزهده وورعه وحبه للخير وعمله للمعروف دون أن ينتظر جزاء أو إحساناً.
(ز) تعرف أخباره
في أحد الأيام كانت السيدة (ز) في إحدى العيادات وكان أن جلست بجانبها إحدى السيدات، وتمضية للوقت حتى يأتي دورهما للدخول عند الطبيب، بدأت (ز) والسيدة تتحدثان، فعرفت السيدة بأن محدثتها تتردد على العيادات الطبية منذ سنين لأنها لم تُنجب أطفالاً وأنها تبحث عن أي أمل لإنجاب طفل.
هنا قالت لها السيدة لماذا لا تجربي الطب الشعبي، فقالت (ز) لقد جربته كما أن الفحوصات الطبية أثبتت أنني سليمة ويمكن أن أُنجب، فليس لدي أي عيب خلقي أو هرموني يمنعني من ذلك. وأضافت أن أكثر ما يعذبني أن زوجي ذهب إلى الطبيب فأخبره بأنه سليم من الناحية الصحية ويمكنه أن ينجب هو الآخر، ومع أننا نحن الاثنين قادران على الإنجاب إلاّ أنه ليس لدينا أطفال.
هنا قالت لها السيدة إنني أعرف رجلاً متديناً قد يساعدك، فهو رجل صالح وله بركات نراها في وجوه كل من يذهبون إليه للرقية أو العلاج، كما انه لا يتقاضى أجراً عن ذلك، فكل أعماله وأفعاله لوجه الله.
قالت (ز) اعطني عنوانه ودعيني أجرب، رغم أنني غير مقتنعة بمثل هؤلاء الناس. بعد نحو أسبوع كانت (ز) تجلس أمام الرجل تحكي له قصتها مع الأدوية والأطباء والأعشاب.
هنا قال لها الرجل بأن الشفاء والإنجاب أو عدم الإنجاب كلها بيد الله، وأضاف إياك أن تصدقي أن طبيباً أو عالماً أو عرافاً مثلي يستطيع أن يجعلك تنجبين، إذا لم يكن هناك مشيئة من الله، لذا عليك ألا تصدقي كل من يقول لك بأنه يستطيع أن يعالجك، ولكن عليك السعي وعلى الله النتائج.
هذه الكلمات جعلت (ز) تشعر بالراحة والطمأنينة، فهذا الرجل ليس كبقية الرجال الذين يدعون القدرة على تسخير الجن وهم يحرقون البخور، بل على العكس من ذلك فهو يبدو إنساناً مثقفاً ومتحضراً والأهم من ذلك أنه يفهم حدود نفسه، ولا يبالغ في قدرته، فكل شيء يعيده إلى الله وليس للبخور والأحجبة والسحر الأسود.
بدأ الرجل رحلة العلاج مع (ز) حيث قدم لها أدوية مصنعة من الأعشاب وطلب منها أن تأخذها ثلاث مرات يومياً وأوصاها ألا تنسى الدعاء قبل وبعد أخذ الدواء.
أخذت (ز) تتردد على بيت الرجل، حيث كان ودوداً معها وكان يطلب منها ألا تأتي إلى بيته وحدها بل تصطحب أي شخص معها، منعاً للحرام والخلوة غير الشرعية، كانت المرأة تفعل ذلك، إلا أنه في بعض الأحيان كانت تذهب عنده وحدها، ومما زاد اطمئنانها أنها كانت في معظم الأحيان تجد عنده نساء من مختلف الأعمار منهن من جاءت طلباً للعلاج ومنهن من جاءت تطلب رقية لابنها... وهكذا.
بوادر الحمل
استمرت (ز) تأتي إلى بيت الرجل لأكثر من ستة أشهر، لم يأخذ منها خلال فترة العلاج هذه أية هدايا أو مبالغ مالية، حتى الهدايا البسيطة التي كانت تحضرها له من قبيل المجاملة كان يرفضها ويقول لها عندما ترزقين بالولد سأطلب منك هدية كبيرة.
بدأت السيدة تشعر ببوادر الحمل لكنها فضلت عدم إخبار زوجها، وذلك كي لا يكون الحمل كاذباً فيصاب زوجها بصدمة، لذا ذهبت إلى أكثر من طبيب، حيث أكدوا لها بأنها حامل وأن الجنين في صحة جيدة، لكن (ز) بقيت رافضة إخبار زوجها حتى ترى الجنين بنفسها.
في أحد الأيام ذهبت إلى عيادة خاصة وطلبت من الطبيبة أن تريها الجنين عن طريق جهاز (السونار) حيث شهادته فعلاً لدرجة أنها لم تتمالك نفسها من البكاء من شدة الفرح وطلبت من الطبيبة أن تطبع لها صورة للجنين، وهكذا عادت (ز) إلى بيتها وهي تحمل في يدها أغلى صورة رأتها في حياتها، إنها صورة جنينها، ورغم أن الصورة لم تكن سوى خطوط سوداء وأخرى بيضاء متقاطعة إلاّ أن الشكل العام يُظهر صورة الجنين.
أعدت (ز) لهذه المناسبة حفلة كبيرة، فقد أحضرت قالباً من الحلوى وطعاماً كثيراً وشمعة واحدة تمثل ابنها المنتظر، وعندما جاء زوجها تفاجأ بما يرى، وعندما سألها عن سبب هذه الحفلة لم تجيبه بلسانها بل قدمت له الصورة، نظر الرجل إلى الورقة التي في يده، فلم يعرف شيئاً وهنا قالت له زوجته، إنها صورة ابنك، فأنا حامل، وهذه صورة الجنين أخذتها لها الطبيبة عن طريق جهاز (السونار).
وقع الخبر على رأس الرجل كالصاعقة، وسأل زوجته هل أنت جادة في ما تقولين، فقالت له بالطبع جادة، جلس الرجل على الكرسي مذهولاً لا يكاد يصدق ما يسمع، فقالت له زوجته لا عليك فالمفاجأة كبيرة، لكن أخيراً أصبح لدينا طفل يملأ علينا حياتنا، لم يقل الرجل لزوجته كلمة حتى أنه لم يبارك لها حملها، ما أغضبها وقتل الفرحة في صدرها.
أخذت (ز) تعاتب زوجها على تجاهله لمشاعرها وفرحتها في حين بدأ زوجها يوجه لها أسئلة كثيرة عن كيفية الحمل ومتى.. الخ. لكنها لم تجبه وخرجت من عنده وهي غاضبة قائلة له، يبدو أنك لم ترغب في الإنجاب مني، لأنه على ما يبدو هناك زوجة أخرى في حياتك وأنا متأكدة بأن لك أولاداً منها ولهذا لم تشعر بالسعادة عندما أخبرتك عن حملي.
حاول الرجل أن يقنع زوجته بأن ما يدور في خيالها غير صحيح لكن الفرحة بالمفاجأة كانت أكبر من أن يتحملها.
لم ينم الرجل في تلك الليلة بل بقي يُفكر كيف حملت زوجته، فهو يعرف جيداً بأنه غير قادر على الإنجاب كما أكد له الأطباء أكثر من مرة، لكنه عاد وقال إن الله قادر على كل شيء.
في الصباح الباكر ذهب إلى الطبيب الذي كان يعالجه وبعد إجراء تحاليل للحيوانات المنوية أكد له الطبيب بأنه من المستحيل أن يُنجب، لكن الرجل ذهب إلى طبيب ثانٍ وثالث ورابع فكانت النتيجة هي ذاتها وهي أنه غير قادر على الإنجاب.
بدا الرجل مشدوهاً فماذا يقول لزوجته التي خدعها طوال سنوات زواجها فقد أقنعها بأنه قادر على الإنجاب مع أن الحقيقة هي غير ذلك فقد اضطر لأن يخفي عنها هذه الحقيقة حتى لا يجرح كرامته ورجولته.
كشف الحقيقة
بدا الرجل غير مسيطر على تصرفاته فهو لا يريد أن يكاشف زوجته بحقيقة عجزه عن الإنجاب وفي الوقت ذاته لا يريد أن يعترف بالجنين لأنه ليس ابنه.
بعد تفكير طويل اضطر لأن يُخبر زوجته بالحقيقة طالباً منها تفسيراً لهذا الحمل ومعرفة والد الجنين، عندما سمعت (ز) ما قاله زوجها لم تصدق أذنيها فكيف يكذب عليها زوجها طوال هذه السنين ويجعلها تخضع لعمليات جراحية، وكيف كان يطلب منها أن تأخذ أدوية وأعشاباً أضرت بصحتها كثيراً بحجة أنه يريد طفلاً منها، وهو يعرف أنه عاجز عن الإنجاب.
بدأت الأمور تتأزم بين الزوجين خاصة بعد أن اتهم الرجل زوجته بالخيانة فما كان منها إلاّ أن ذهبت إلى بيت صديقة لها، فكر الرجل كثيراً لإيجاد حل لهذه المصيبة التي حلت على رأسه وأخيراً توجه إلى ضابط صديق له وقصت عليه الحكاية.
هنا طلب منه الضابط أن يسمع القصة من زوجته، التقى الضابط بالزوجة التي أكدت له بأنها لم تخن زوجها وبأنه لا يوجد رجل في حياتها سوى زوجها، إلاّ أن الضابط استوقفها عند (ر) الذي كانت تتعالج عنده كما قالت، وهنا قرر الضابط أن يزور (ر) في بيته، حيث ذهب إليه بصفته مريضاً.
عندما دخل الضابط بيت الرجل وجده يعيش في غرفة خافتة الضوء يكاد الإنسان لا يرى قدمه، وعندما سأله الضابط عن سبب ذلك قال له الرجل بأنه لا يريد زيادة في الضوء لأن ذلك مبالغة لا ضرورة لها كما لاحظ الضابط بأنه لا يوجد في البيت أثاث سوى فراش على الأرض وثلاجة صغيرة وخزانة ملابس مخلوعة الباب وخالية تقريباً من أي شيء.
إلاّ أن الضابط لم يقتنع بهذا الزهد وبدأ يتفحص كل شيء حوله لعله بحسه الشرطي يستطيع أن يستنتج شيئاً، بعد أن قرأ الرجل على رأس الضابط بعض الأدعية عاد الضابط إلى مكتبه وبدأ في اتخاذ الإجراءات القانونية لتفتيش بيت (ر)، حصل الضابط على إذن التفتيش.
حيث أخذ بعض رجال الشرطة لاقتحام البيت، عندما وصل الضابط مع رجاله كان (ر) يجلس يعالج إحدى المريضات نظر الضابط حوله فلم يجد أمامه سوى خزانة الملابس.
حيث قام بتحريكها ووجد باباً خلفها، دفع الضابط الباب فكانت المفاجأة حيث وجد سيدة نائمة على سرير في غرفة مملوءة بأحدث الأثاث إضافة إلى عدد كبير من أشرطة الفيديو والـ (CD) وكاميرات فيديو وثلاثة تلفزيونات وجهازي كمبيوتر تم التحفظ على الأجهزة كلها كما تم استدعاء سيارة اسعاف لنقل السيدة النائمة على السرير إلى المستشفى.
حيث تبين من تحليل دمها بأن الدم يحتوي على نسبة عالية من دواء (.............) وأنها فاقدة لوعيها، كما بينت الفحوصات بأن الـ (CD) تحتوي على مشاهد فاضحة لبعض النساء من بينهن (ز). بدأ التحقيق مع (ر) الذي اعترف بأنه كان يخدر ضحاياه، ثم يقوم بالاعتداء عليهن جنسياً كما كان يصورهن حتى لا يهددنه أو يبلغن عنه الشرطة إذا اكتشفن بأنه كان يعتدي عليهن، وأن (ز) واحدة من هؤلاء الضحايا.
تم استدعاء (ز) إلى الشرطة حيث قالت إنها كانت تذهب في بعض الأحيان إلى بيت (ر) وحدها وعندما كانت تأخذ الدواء كانت تشعر بأنها مخدرة وعندما تسأل الرجل عن ذلك كان يقول لها بأن هذا شيء طبيعي بسبب الجهد الذي يقوم به جسمها وهي في حالة اللاوعي حيث إن الدواء يتغلغل في جسدها ويؤثر على جهازها العصبي.
أمام هذه الوقائع والأدلة، تمت إحالة الرجل إلى النيابة العامة، في الوقت الذي طلب فيه زوج (ز) إجراء فحص الـ (Dna) للجنين لمعرفة والده الحقيقي، حيث تبين بعد أخذ دم من الجنين وإجراء الفحص عليه بأنه مشابه تماماً للـ (Dna) العائد لـ (ر).
هنا طلب الزوج من زوجته أن تجري عملية إجهاض للجنين إلاّ أنها رفضت ذلك قائلة له إذا كنت قد أخطأت في حقك من غير قصد فأنت أخطأت في حقي سنين عدة بقصد.
بدأت (ز) استعداداتها للسفر والعودة إلى بيت والدها وبعد أقل من (24) ساعة كانت الطائرة تحلق بها فوق السحاب وبين الغيوم في طريقها إلى بلادها.
سبحت (ز) في السماء الفسيح وأخذت تفكر كيف ستستقبل هذا الطفل عندما يأتي إلى الدنيا، وكيف ستتعامل معه وكيف سيتعامل معه الآخرون، وهل سيتقبله المجتمع أم لا؟
وهل هي ستحبه أم ستكرهه لأنه سيذكرها بخطيئتها التي لم تقصدها.. أسئلة كثيرة كانت تجول في نفسها دون أن تجد لها إجابة.
أحمد سلطان
