على الرغم من مضي أكثر من 30 عاما على تأسيس أول جمعية ذات نفع عام في دولة الإمارات، وزيادة عددها إلى 120 جمعية تتشعب أهدافها وتتنوع خدماتها والفئات التي تتوجه لها، تشهد دولة الإمارات تراجعا ملحوظا في دور ونشاط هذه الجمعيات التي يعاني معظمها حاليا من جملة مشكلات أهمها قلة الإيرادات، ونقص المتطوعين، وانخفاض عدد المنتسبين، وعزوف عن المشاركة، وغيرها من السلبيات التي تحول دون تفعيل مشاركتها في تنمية المجتمع، مما أدى إلى تعطيل وتراجع في كثير من أنشطة الجمعيات.

وأكد خبراء ومراقبون أن الجمعيات النشطة لا يزيد عددها على 10 جمعيات في الدولة، مطالبين بمنح صلاحيات أوسع وإجراء تعديلات في قانون جمعيات النفع العام تماشيا مع توجهات الدولة في البناء الاقتصادي والاجتماعي وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في التنمية.

وقال عيسى معضد السري رئيس مجلس إدارة جمعية المعلمين إن الوقت قد حان الآن لإجراء تعديلات على قانون جمعيات النفع العام، لمنحها المزيد من الصلاحيات، والمزيد من المشاركة المجتمعية، من اجل توفير مساحة أفضل للعمل والإبداع، مشيرا إلى أن المجلس الوطني ناقش في إحدى جلساته الأخيرة تعديلات على قانون جمعيات النفع العام، لمواكبة التطور والنهضة التي تشهدها الدولة في المجالات كافة باستثناء جمعيات النفع العام، التي ما زالت على قوانين قديمة دون تعديلات منذ ما يقارب الثلاثين عاما.

وأضاف السري انه لا يمكن أن تشهد أي دولة تطورا في الحياة السياسية إذا لم تفعل مؤسسات المجتمع المحلي ولا سيما جمعيات النفع العام، لافتا إلى أن شرط موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية المسبق على كافة الأنشطة التي تزمع الجمعيات تنظيمها، يعرقل الكثير من الأنشطة والفعاليات، مشيرا إلى أن هناك تراجعا حقيقيا في جمعيات النفع العام، وهناك عزوف عن هذه الجمعيات، وهذا الوضع لن يتغير إلا عندما تعطيها الدعم كمشرع وكقانون ويكون لها وضع يمكنها أن تتكلم بموجبه.

وأوضح رئيس مجلس إدارة جمعية المعلمين أن جمعيات النفع العام تواجه تناقضا في الكفاءات فنحن كانت لدينا قيادات ممتازة في النفع العام وكانوا من أفضل ما يمكن من حيث القدرات والتفكير والتخطيط، لكنها تساقطت كلها، بسبب عدم دعمها ومساندتها وعدم السماح لها بالبقاء والنمو والتميز.

وأوضح رئيس جمعية المعلمين أن الميزانية لا تزال من القضايا الرئيسة التي تهدد عمل وأنشطة جمعيات النفع العام، فعلى سبيل المثال تتقاضى جمعية المعلمين مبلغا سنويا وقدره 140 ألف درهم، وهذا المبلغ لا يكاد يغطي نسبة بسيطة من مصاريف الجمعية التي تضم 5 فروع بالإضافة إلى المركز الرئيسي، مشيرا إلى انه إذا ما أريد للجمعيات أن تنهض بمستواها وترتقي بالخدمات التي تقدمها لأعضائها لا بد من إيجاد مصادر دخل ثابتة لها، لتمويل الأنشطة والمشاريع المختلفة.

وقال محمد المطوع رئيس مجلس إدارة جمعية الاجتماعيين: إن ضعف الميزانية ما زال من أهم المعوقات التي تواجه عمل جمعيات النفع العام، إذ أصبحت الميزانية التي تمنحها وزارة الشؤون الاجتماعية للجمعيات لا تغطي رواتب الموظفين، وتعرقل الكثير من أنشطة وبرامج الجمعيات بل إنها تهدد بإغلاق بعض الجمعيات مع استمرار التذبذب في الميزانية وعدم استقرارها، فعلى سبيل المثال تم تخفيض الميزانية الممنوحة لجمعية الاجتماعيين من 70 إلى 50 ألف درهم، وهذا المبلغ لا يكفي لسداد مستحقات موظفي الجمعية.

وأضاف إن ضعف الإقبال على العمل التطوعي يأتي بالدرجة الثانية حسب اعتقادي من ناحية المعوقات التي تواجه جمعيات النفع العام، فالمشاركة في أنشطة الجمعيات هي في تناقص مستمر، وذلك ناجم عن زيادة مشاكل الحياة.

وعدم وجود حوافز للأشخاص الذين يقضون أوقاتهم في هذا العمل التطوعي، الذي أصبح كثير من الناس يفضلون تمضيته في أعمال تدر عليهم مبالغ من المال يساعدهم على أعباء الحياة، مشيرا إلى أن هذا يتطلب إعادة نظر في دعم وتحفيز أعضاء مجالس الإدارة والقائمين على الأعمال التطوعية من خلال تفريغ الأعضاء لمدة عامين على الأقل مع بقاء رواتبهم سارية، للقيام بالواجبات والمهام الملقاة على عاتقهم، أو من خلال منحهم حوافز ومكافآت مشجعة.

وأوضح رئيس مجلس إدارة جمعية الاجتماعيين أن كثيرا من الجمعيات كامنة ولا تقدم أي خدمات لأعضائها، وانه من أصل 120 جمعية مشهرة حول الدولة فان الجمعيات النشطة لا يتعدى عددها 10 جمعيات على أحسن تقدير، مما يتطلب إعادة نظر في القوانين والنظم التي تحكم عمل الجمعيات، ومنحها المزيد من الصلاحيات، والحوافز المادية والمكفآت لأعضائها لتحفيزهم على المشاركة في العمل التطوعي.

وقالت سحر احمد العوبد من جمعية متطوعي الإمارات إن الميزانية تعتبر من القضايا الشائكة التي تعترض عمل جمعيات النفع العام، فالمخصصات المالية التي تمنحها وزارة الشؤون الاجتماعية، لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تحقق طموحات الجمعيات للقيام بالأنشطة والفعاليات التي تزمع تنظيمها، كذلك فان تناول الإعلام لأنشطة الجمعيات لا يرقى للمأمول، ولا يضاهي الاهتمام الذي تعطيه الصحافة الخليجية لمثل هذه الجمعيات، مشيرة إلى أن بعض الصحف الخليجية تخصص صفحة لأنشطة الجمعيات ذات النفع العام لتعريف المجتمع بها وتحفيزه للمشاركة بها.

وأضافت إن هرولة بعض أعضاء مجالس إدارة الجمعيات ذات النفع العام وراء المناصب، كان سببا في تراجع عمل بعض الجمعيات، وعدم تحقيقها للأهداف التي أنشئت من اجلها، مشيرة إلى أن إعطاء صلاحيات أوسع لرؤساء مجالس إدارة الجمعيات في محاسبة المقصرين من أعضاء مجالس الإدارة، يمكن أن يعمل على تفعيل الجمعيات، وتقديم الأعضاء المزيد من العمل والجهد للارتقاء بدور الجمعيات، كذلك بمتابعة أعمال وأنشطة الجمعية وتقديم حوافز مادية ومعنوية للجمعيات النشطة يمكن أن يرتقي بعمل الجمعيات ويزيد من أنشطتها لما فيه مصلحة العمل المجتمعي في الدولة.

وبين علي الكندي أمين سر جمعية الحقوقيين أن القانون الذي ينظم عمل جمعيات النفع العام أصبح قديما ولا يواكب التطور الذي تشهده الدولة في كافة المجالات، مشيرا إلى أن جمعيات النفع العام اقترحت على المجلس الوطني إجراء تعديلات على بعض المواد في قانون النفع العام إلا انه وللأسف لم يأخذ حقه من النقاش، ولم يجر عليه أي تعديلات.

مشيرا إلى أن أهم هذه التعديلات هي التي تخص الصلاحيات الممنوحة للجمعيات والتي تعطي الجمعيات ثقة اكبر، تمكنها من الخروج من وصايا وزارة الشؤون الاجتماعية، لافتا إلى أن التطور الاقتصادي والعمراني والاجتماعي والسياسي الذي تشهده الدولة لا يواكبه تطور صلاحيات جمعيات النفع العام، وعلى صعيد الحرية المسؤولة الممنوحة لها.

وأضاف إن كافة أعضاء الجمعيات هم أبناء الوطن ومن أصحاب الشهادات العلمية العليا، القادرين على السير قدما وفق حرية مسؤولة للنهوض بالمستوى المهني والاجتماعي والاقتصادي لأعضاء الجمعية والعاملين في المهن المختلفة، وهم بحاجة إلى فرصة ومنحهم ثقة اكبر من قبل الأجهزة المختصة لتقديم خبراتهم وجهودهم لصالح العمل التطوعي في الدولة، مشيرا إلى أن الوقت قد حان لذلك وخاصة مع توسيع القاعدة والمشاركة السياسية وآفاق العمل الديمقراطي الذي تنتهجه الدولة.

غياب الحوافز أدى لانسحاب الكفاءات

أوضح صالح المرزوقي رئيس مجلس إدارة جمعية المعلمين سابقا أن عدم وجود حوافز معنوية ومغريات للعاملين في جمعيات النفع العام والعمل التطوعي، ومقابلة كثير من أنشطتهم وبرامجهم بالرفض من وزارة الشؤون الاجتماعية التي ما زالت تمنع الكثير من الأنشطة والمشاركات الخارجية والداخلية دون إعطاء مبرر واضح، جعلت الكثير من الأعضاء يحجمون عن الاستمرار في مجالس إدارة جمعيات النفع العام، مشيرا إلى أن العزوف عن المشاركة بأنشطة الجمعيات، كان عاملا مساعدا في إحباط كثير من مجالس الإدارة واستمرارها في العمل رغم ما تحمله من خبرات، وأفكار ممكن أن تساهم في دعم العمل العام.

وبين المرزوقي أن فكرة تشكيل اتحادات مكونة من عدد من جمعيات النفع العام، ممكن أن تكون إحدى الحلول المطروحة لتفعيل عمل مثل هذه الجمعيات، وتطوير أدائها بما ينعكس على العمل التطوعي العام والمشاركة المجتمعية بأنشطة الجمعية لتحقيق الأهداف التي وجدت من اجلها.

استطلاع ـ فراس العويسي