لا يختلف اثنان على أهمية المؤتمرات الطبية في إكساب الأطباء المشاركين الخبرات العالمية التي ستنعكس بمردودات ايجابية على الأطباء أنفسهم من جهة، ومتلقي الخدمات العلاجية من الجهة الأخرى. المتتبع لأخبار هذا القطاع يكتشف أن معظم المؤتمرات التي ينظمها القطاع الخاص تحولت إلى تجارة «بزنس» تهدف لجني الأرباح وتحقيق الثراء السريع وتنظم حتى دون علم أو ترخيص من قبل الجهات الصحية التي يشارك بعض المسؤولين فيها بطريقة أو بأخرى بالترويج لها من خلال حضورهم أو افتتاحهم لفعاليات تلك المؤتمرات من باب المجاملة رغم عدم قناعتهم بها.
بعض الجهات المنظمة للمؤتمرات الطبية استغلت اشتراط الجهات الصحية حصول الأطباء على عدد من الساعات المعتمدة سنويا كشرط من شروط إعادة تجديد تراخيص أطباء القطاع الخاص وراحت تروج لمنح شهادات من قبل جهات دولية بعدد من الساعات المعتمدة لجذب اكبر عدد ممكن من الأطباء للتسجيل في المؤتمر مقابل دفع 500 دولار أميركي.
الأمر الذي حذر منه رئيس جمعية الإمارات الطبية قائلا «ان الشهادات المعتمدة هي تلك التي تصدر فقط عن كلية الطب في جامعة الإمارات وما تبقى مشكوك في مصداقيته وصحته حتى لو كان من جهات عالمية كما يدعي المنظمون».
«البيان» استطلعت آراء المسؤولين عن جدوى تنظيم مثل هذه المؤتمرات فماذا قالوا:
بحاجة إلى تنسيق
الدكتور علي بن شكر «وكيل وزارة الصحة» أكد أن تنظيم المؤتمرات الطبية بحاجة إلى إعادة نظر وتنسيق وتعاون بين مختلف الجهات الصحية لضمان مشاركة اكبر عدد ممكن من الأطباء وتحقيق الفائدة المرجوة ،أما أن يعقد مؤتمران في أسبوع واحد يدوران حول ذات الفكرة فهذا يدل عل عدم التنسيق والبرمجة المسبقة ، مشددا على ضرورة أن يتم تقييم الأوراق العلمية التي سيتم تناولها في المؤتمر.
وأشار إلى أن تكرار المؤتمر الواحد أكثر من مرة في السنة لا بل وعقد مؤتمرين طبيين حول ذات الموضوع في أسبوع واحد يفقد المؤتمر أهميته ويصبح عديم الجدوى لان المؤتمر يفترض أن يناقش آخر المستجدات العلمية على الساحة العالمية عندما يعقد أكثر من مرة في أسبوع أو في شهر ما هي المستجدات التي سيناقشها وأين الفائدة التي ستعود على المشاركين؟
ضوابط جديدة
وأشار الدكتور علي بن شكر إلى أن الوزارة وبالتعاون مع الجهات الصحية الأخرى في الدولة بما فيها جمعية الإمارات الطبية ستعمل في المرحلة المقبلة على وضع الضوابط والشروط الواجب مراعاتها في عقد المؤتمرات حتى لا يتحول الموضوع إلى «بزنس».
مشيرا إلى أن تنظيم المؤتمرات حاليا لا يخضع لأي رقابة أو تقييم ولا يتطلب تنظيمها ترخيصا الأمر الذي شجع الكثيرين ممن لا علاقة لهم بالطب بالدخول على هذا القطاع وبالتالي يفترض أن يكون هناك تنسيق بين مختلف الجهات الصحية والقطاع الخاص ومرجعية واحدة لتجنب عملية تكرار المؤتمرات وتشجيع المؤتمرات في الاختصاصات التي يحتاجها بالفعل القطاع الطبي.
العلاج والمؤتمرات «بزنس»
الدكتور عبد الرحيم مصطفوي «رئيس جمعية الإمارات الطبية» قال: إن المؤتمرات الطبية تحولت إلى «بزنس» في كل ما في الكلمة من معنى وهذا بدوره انعكس على عدد المشاركين في المؤتمرات الطبية لان الفائدة التي سيجنيها المشاركون تكون قليلة إن لم تكن معدومة خاصة في حال تكرار المؤتمر. وأضاف في الدول الأوروبية والولايات المتحدة يتم تنظيم المؤتمرات الطبية مرة كل سنة وبعضها كل سنتين ويحرص على حضورها أطباء من مختلف دول العالم لأنها ستناقش فعلا آخر المستجدات والتطورات التي حصلت خلال عام أو عامين.
عندنا للأسف المؤتمر الواحد يعقد مرتان خلال أسبوع فما جدوى ذلك وما مدى الفائدة التي ستعود على الأطباء المشاركين وما هي المستجدات العلمية والعالمية التي تستدعي عقد المؤتمر الواحد مرتين أو ثلاث مرات في اقل من عام إن لم يكن الهدف تجاريا بحت (pure business)، كما هو حال العلاج في القطاع الخاص.
لجنة التنسيق.. انفضت
وقال رئيس جمعية الإمارات الطبية إن جمعية الإمارات الطبية وقعت مذكرة تفاهم مع وزارة الصحة ومن ضمن البنود التي شملتها المذكرة التنسيق والتعاون لتنظيم المؤتمرات الطبية من خلال مظلة واحدة تضم ممثلين عن وزارة الصحة وجمعية الإمارات الطبية وهيئتي الصحة في أبوظبي ودبي وتم تشكيل لجنة لهذا الغرض اجتمعت مرة أو مرتين بعدها انفضت لعدم حضور الغالبية العظمى من أعضاء اللجنة.
وبالتالي لا بد من تفعيل اللجنة بحيث تكون هي الجهة المنسقة والمنظمة للمؤتمرات في جميع إمارات ومدن الدولة لتجنب تكرار المؤتمرات والحيلولة دون تحولها إلى «بزنس» لمن «هب ودب».
وقال الدكتور مصطفوي إن الشهادات العلمية بعدد الساعات المعتمدة المعترف بها هي تلك التي يتم منحها من قبل كلية الطب في جامعة الإمارات وما تبقى من شهادات تمنح بأسماء جهات عالمية مشكوك في مصداقيتها وأهليتها.
ندعم الجهات الرسمية فقط
وبدوره قال عبد الله بن سوقات «المدير التنفيذي لجائزة سمو الشيخ حمدان بن راشد للعلوم الطبية» إن الجائزة وبتوجيهات من سمو الشيخ حمدان مباشرة لديها ميزانية خاصة لدعم المؤتمرات الطبية التي تنظمها جمعية الإمارات الطبية والجهات الصحية الرسمية الأخرى تصل إلى مليون درهم في كل دورة من دورات الجائزة وفقا لنظام وأسس وضوابط يتم مراعاتها من أهمها أن يكون المؤتمر على مستوى جيد والأوراق العلمية تتضمن كل ما هو جديد بما ينعكس بشكل ايجابي على تطوير الخبرات والكفاءات العلمية والعملية للأطباء المشاركين.
وقال إن مشاركة الجائزة في المؤتمرات الرسمية يهدف إلى الترويج للجائزة واطلاع الأطباء المشاركين على مختلف الأنشطة التي تقوم بها الجائزة ومن ضمنها تشجيع الأبحاث العلمية. وأشار إلى انه لم يسبق للجائزة تنظيم مؤتمرات طبية مع القطاع الخاص ولكن إذا كان هناك مؤتمر يتماشى مع شروط وضوابط الجائزة ومن أهمها جدية البرنامج العلمي فليس لدى الجائزة ما يمنع من المشاركة وتقديم الدعم لذلك المؤتمر.
ضوابط جديدة
الدكتور عبد الكريم جلفار «مدير إدارة التعليم الطبي المستمر في دائرة الصحة والخدمات الطبية» له رأي مغاير ومخالف للآراء السابقة ويؤكد بأنه لا نية لدى الدائرة للتدخل في موضوع المؤتمرات لأن مجالها أصبح واسعا ومتشعبا ففي مجال القلب مثلا هناك أكثر من تخصص ومنها على سبيل المثال ما يتعلق بالأطفال والكبار والعمليات والقسطرة وغيرها ولا مانع من تنظيم أكثر من مؤتمر حول أمراض القلب طالما أنها تتناول مواضيع مختلفة وما ينطبق على أمراض القلب ينطبق على الأمراض الأخرى وبالتالي لا مانع من تنظيم أكثر من مؤتمر في ذات الوقت إذا كانت الموضوعات التي ستناقشها مختلفة.
وحول موضوع اعتراف الدائرة بالساعات المعتمدة التي تصدرها الجهات المنظمة أفاد بأن الدائرة لا تشترط لغاية الآن حصول الأطباء على عدد من الساعات المعتمدة كشرط من شروط إعادة الترخيص لأطباء القطاع الخاص مشيرا إلى أن هيئة الصحة في دبي بصدد وضع ضوابط جديدة بعدد الساعات التي ينبغي الحصول عليها متى توافرت الفرص التعليمية للأطباء.
مؤتمرات سنوية
عبد السلام المدني الرئيس التنفيذي ل«اندكس» الوطنية لتنظيم المؤتمرات والمعارض الطبية والتي دخلت في شراكة استراتيجية مع دائرة الصحة والخدمات الطبية منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي لتنظيم المؤتمرات والمعارض الطبية أفاد بان الشركة تعتبر من اكبر المتضررين من المؤتمرات العشوائية التي يتم تنظيمها من قبل بعض الجهات وتحديدا شركات الأدوية لأنها أولا تعطي انطباعا غير جيدا عن نوعية المؤتمرات التي تستضيفها الدولة لان الأوراق العلمية التي يتناولها المؤتمرون غالبا ما تتحدث عن محاسن أدوية الشركة المنظمة.
وقال: إن شركته تقوم بتنظيم 12 مؤتمرا طبيا سنويا وكلها أخذت صبغة العالمية ومعترف بها من قبل جهات عالمية وعلى رأسها الاتحاد الدولي للمستشفيات والاتحاد الدولي لطب الأسنان وهذه الاعترافات لم تأت من فراغ وإنما جاءت نتيجة تقييم تلك الجهات للأوراق العلمية التي تتناولها المؤتمرات، والمتحدثين العالميين الذين يتم اختيارهم من قبل لجان علمية متخصصة من دائرة الصحة والخدمات الطبية في مختلف التخصصات الطبية، وكل المؤتمرات التي تنظمها الشركة بالتعاون مع الدائرة يتم تنظيمها مرة كل سنة وبعضها كل سنتين لضمان تحقيق الفائدة المرجوة للأطباء والمشاركين.
الجانب العلمي والتجاري
وقال إن احد أسباب نجاح الشركة هو الفصل بين المؤتمرات العلمية والمعارض المصاحبة فالمعارض أخذت الصبغة التجارية لأنها تضم شركات تروج لمنتجاتها أما المعارض العلمية فأخذت الصبغة التعليمية والتدريبية مشيرا بهذا الصدد إلى أن المؤتمرات كافة يتم فيها تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية لعدد محدود من الأطباء الراغبين وبإشراف مباشر من قبل أطباء عالميين وجهات عالمية لإكسابهم الخبرات العالمية وغالبا ما تشهد الدورات التدريبية إقبالا كبيرا ويحضرها أطباء من مختلف دول العالم.
وأوضح أن الأوراق العلمية التي سيتم مناقشتها في المؤتمرات المقبلة تصل للجنة العلمية قبل فترة من انعقاد المؤتمر حيث تقوم اللجنة بدراسة جميع الأوراق العلمية المقدمة ونسبة كبيرة منها ترفض لعدم تضمنها أي إضافات جديدة للأطباء ويتم قبول الأوراق والمتحدثين الجيدين فقط.
المؤتمرات العشوائية
وطالب المدني الجهات الصحية بوضع حد للمؤتمرات العشوائية التي تنظمها شركات الأدوية وتجريدها من الأسماء العالمية الرنانة مثل الإمارات الدولي والعالمي لأنها ليست عالمية وغير معترف بها من قبل جهات دولية طالما أنها تتحدث عن أدوية الشركة والاكتفاء بالسماح لها بتنظيم الندوات والحلقات النقاشية تماما كما هو الحال في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
ميزانيات خاصة للتسويق
مدير إحدى شركات الأدوية طلب عدم نشر اسمه أفاد أن الشركة تقوم بتنظيم مؤتمر كلما تم تصنيع دواء جديد من قبل الشركة الأم ونقوم بدعوة ما بين 100 إلى 150 طبيبا من الأطباء المتخصصين في ذات المجال وتتحمل الشركة تذاكر سفرهم مع إقامتهم في فنادق من الدرجة الأولى مع تحمل كل النفقات الإضافية بما في ذلك رحلات السفاري بهدف الترويج للدواء الجديد.
وحث الأطباء على وصفة من خلال منحهم حوافز مالية مقابل ذلك أو منحهم رحلات سياحية مع عائلاتهم لبعض الدول الأوروبية مشيرا إلى النزعة العالمية حاليا تقوم على مقولة مفادها إذا «أردت النجاح والعمل بشكل جيد عليك أن تدفع»، بمعنى بدون أن تخسر وتدفع لا يمكن أن يتم تسويق المنتج بالشكل الصحيح والمطلوب.
تحقيق: عماد عبد الحميد
