شهدت الأرض خلال القرن الماضي متغيرات متلاحقة وسريعة، أدت إلى تغير شكل سطح الأرض وما عليه من ماء وما فوقه من هواء. ومجمل التغيرات التي حدثت في المئة سنة الأخيرة، أكبر وأخطر مما حدث للأرض منذ أن مهدها الله ليسكنها آدم وذريته. لقد قارب عدد سكان الأرض حوالي سبعة مليارات نسمه، أغلبهم يتركز في دول العالم الثالث الذي يعاني الفقر والجوع والتخلف.

ولعل المرض الحقيقي لهذه الدول هو التخلف الإداري، والذي يسمح لزيادة تعداد السكان أن تأكل الأرض الزراعية بالبناء عليها أو هجرها لتبور. ومن العجب أن يسعى نفس هذا النظام الإداري بكل ما لديه من طاقة أن يستصلح أي أرض صحراوية تفتقر للمقومات الأساسية ليعوض بعض ما دمره سابقا.

واستنادا على بيانات المركز العربي للإعلام التابع لبرنامج الأمم المتحدة، فإن العالم الثالث يحتاج لدعم مالي يصل إلى حوالي خمسة مليارات دولار للسيطرة على التصحر، الذي يتوسع عاماً بعد عام في الأرض، وخاصة الأرض العربية والتي تشهد معدلات عالية للتصحر في السودان ومصر والعراق والأرض المحتلة وحتى لبنان.

ذلك على الرغم من وجود أنهار كبيرة في الأرض العربية مثل النيل والفرات ودجلة وعدد كبير من الأنهار الصغيرة. ولكن الواقع يشير أيضاً إلى أن جميع هذه الأنهار تنبع من خارج الأرض العربية.

النيل مثلاً ينبع أساساً من مرتفعات الحبشة، وبناء الحبشة لسدود عملاقة عند المنبع، يحرم حتما سكان السودان ومصر من جزء من إيرادها السنوي من المياه. وضع مماثل قد نجده عند دجلة والفرات، وما حدث من تغير مسار الأنهار في الأرض المحتلة غير بعيد.

ويعرف التصحر بأنه تدهور أنظمة البيئة الجافة والشبه جافة مما يؤدي إلى نقص الطاقة الإنتاجية والحيوية، الأمر الذي يستتبعه تدهور اقتصادي للمنطقة المتصحرة وخلل للنظام البيئي بها. مثلاً تهاجر بعض الأحياء، ومنها الإنسان وهلاك البعض الآخر.

وأغلب الظن أن الإنسان هو المسبب الأول للتصحر، وذلك بالسلوك المعادي للبيئة الخضراء، مثل قطع الأشجار الجائر في الغابات، كما حدث في البرازيل، حرائق الغابات، البناء على الأرض الزراعية، تغيير مسارات الأنهار، التغير المناخي، الحروب وخاصة الحروب الأهلية كما في افريقيا حيث يهجر الجميع الموطن خوفاً من الإبادة.

ولكن توجد مسببات طبيعية قد تساهم هي الأخرى في التصحر مثل الجفاف والانحراف الهوائي والمائي وتملح الأرض (وإن كان يحدث أيضا بفعل الإنسان عند عدم توفر أساليب مناسبة للصرف الزراعي).

وكما نعلم، فإن الدواء من جنس الداء، ومسببات التصحر هي حتما منهج الإصلاح لو تم تجنبها. ومن الأساليب الرشيدة التي تخدم الحد من التصحر، التوسع في زراعة الأشجار الغير مثمرة باستخدام مياه الصرف بعد المعالجة البسيطة. ذلك أن هذه الأشجار تسهم في تحسين المناخ والحد من امتداد التصحر.

ويفضل أن يقام هذا النوع من الغابات غير المثمرة حول المدن الكبيرة والتي تعاني من زيادة تلوث الهواء. ولعل من نافلة القول ان منع البناء على الأرض الراعية وسن قوانين تنظم قطع الأشجار واتباع إدارة رشيدة في التعامل مع المصادر المائية، وغير ذلك، هي ثوابت يقينية للحد من التصحر.

دكتوراه في علوم البيئة

Tarta@efab.com