نحن هنا أمام معية عظيمة شرف بها الصديق وحده رضي الله عنه عبر التاريخ، شرف معية وانتماء إلى ثلاثة: الحق سبحانه وتعالى، ورسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر رضي الله عنه «إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا». إن الله عز وجل ـ بحبه وتقديره وتشريفه لسيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام ـ هو معنا.. أي أنا محمد بن عبد الله وأنت يا أبا بكر، والمعية هذه ليست خاصة بساعة غار ثور، وفي سيرة الصديق الكثير من ظلال المعية وهذه مشاهد منها.

جلس أبو بكر الصديق رضي الله عنه في عباءة بالية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل وقال: يا محمد ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها ـ وصلها ـ في صدره بخلال، قال عليه الصلاة والسلام: يا جبريل.. أنفق ماله علي قبل الفتح، فقال جبريل: فإن الله يقرأ عليك السلام ويقول لك: قل له ـ أي للصديق ـ أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فلما سمع أبو بكر ما قاله الرسول الأعظم عن ربه: قال وقد هام صبابة حتى كاد يخرج عن عقله: أنا عن ربي راض.. أنا عن ربي راض (صفة الصفوة (1/249 ـ250).

مَن مِن الخلق حاز على هذا الشرف الرفيع وهذا الود والحب من رب العزة، وما الذي يسعى إليه إنسان بعد بشرى كهذه.. «لا تحزن إن الله معنا» دواء لكل داء وألم، لم يقدم إلا للصديق وحده.

في ثلاثة واحدة غير مكررة تشمل الحق سبحانه وتعالى وسيد الخلق محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام لا ثالث إلا أبو بكر، ولهذا قلنا الثالث من الثلاثة. قال بعضهم: «إن الله معنا» هذه المعية المستفادة من قوله تعالى هذا أعلى من معيته للمتقين والمحسنين في قوله «إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون» لأن المعية هنا لذات الرسول وذات صاحبه، غير مقيدة بوصف هو عمل لهما كوصف التقوى والإحسان، بل هي خاصة برسوله وصاحبه، مكفولة هذه المعية بالتأييد بالآيات وخوارق العادات «المستفاد من قصص القرآن، عبد الكريم زيدان (2/100».

الآن قل لي برأيك ما الذي يسعى إليه رجل بعد أن دخل في معية الله ورسوله بذاته قبل أعماله العظيمة ومعها، وبعد أن جاءته البشرى برضى الحق مرفقة بلطف من ألطاف الله عبر عنه سؤاله عز وجل على لسان جبريل: فهل هو ـ أي الصديق ـ راض عن ربه.

إننا هنا لسنا أمام عبقرية بشرية اختص بها الصديق، وإنما نحن أمام رحيق مختوم برأه الله بعلمه ولطفه ومحبته للنبي الأعظم ليكون صاحبه في رحلة الدعوة إلى الله، ونحن هنا لا ننفي عن الصديق بشريته ولكننا لا نستطيع إلا أن نلمس آثار قدرة الله في خلق الكمال والجمال في الرجال.

لقد رافق الحق سبحانه وتعالى رسوله الأعظم في سنوات تبليغ الدعوة ثم تأسيس الدولة بكل ما فيها من شدائد ومصاعب، وكانت (والله يعصمك من الناس) تكفيه يقيناً لا ظناً، وفي الوقت نفسه قدّر له أن يرافقه صاحب هو رجل بكل معاني الرجولة، وقد باع نفسه وماله وأهله لله ورسوله ليأنس به ويأخذ برأيه.

فها هو الصديق رفيق شبابه قبل الإسلام ورفيق سنوات الدعوة الأولى المكية يحمل عن صاحبه ما يستطيع، ثم رفيق الهجرة ورفيق العريش في غزوة بدر يحرس الرسول عليه الصلاة والسلام ورفيق غزواته ولقاءاته مع الوفود وغيرهم، وبهذا كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو من هو إيماناً ويقيناً بالله ورسوله يتحرك في حصن الله الحصين وفي أنس الصاحب المحب الذي بذل كل شيء للصادق الأمين.

وأختم بما قاله عمر بن الخطاب يوم السقيفة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام وهو يرشح الصديق للخلافة: من له هذه الثلاث؟ إذ يقول لصاحبه من صاحبه قالوا: أبو بكر، إذ هما في الغار من هما؟ قالوا: أبو بكر، فقال عمر: إن الله معنا.. مع من؟ قالوا: مع النبي وأبي بكر فقال لهم: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر، فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر.

ماهر سقا أميني