في ذات العمارة كانا يسكان وفي ذات المدرسة كانا يعملان، (س) تُدرس اللغة الانجليزية و(ص) يُدرس الرياضيات، وبحكم الجيرة والعمل معاً نشأت صداقة بين (س) و(ص) تحولت في نهاية المطاف إلى حب.
في نهاية العام الدراسي سافرت (س) وكذلك (ص) كل إلى بلاده وفي الإجازة التي امتدت لأكثر من شهرين أحس كل واحد منهما برغبة كبيرة تجاه الآخر ورغم المكالمات الهاتفية التي كانت بينهما إلا أن ذلك لم يُغن عن اللقاء.
ما كادت المدرسة تفتح أبوابها حتى تقدم (ص) طالباً يد (س) من والدتها لكن الأم رفضت ذلك فهي ليس لها في هذه الدنيا سوى ابنتها إذ لم تُنجب غيرها، حيث رفضت الزواج بعد وفاة زوجها وأفنت حياتها كلها من أجل ابنتها، لذا عندما تقدم (ص) لطلب يد الفتاة أحست الأم بأن أحداً ينتزع روحها من جسدها، خاصة وأن (ص) من دولة عربية إفريقية و (س) من دولة عربية آسيوية لذا أحست الأم بأنه في يوم من الأيام سيأخذ (ص) زوجته معه إلى بلاده، وهذا وضع طبيعي لذا كانت والدة (س) ترفض زواجها من (ص).
إلا أن رفض الأم لم يدم طويلاً فقد أقنعها (ص) بأنه سيأخذها معه في حالة عودته إلى بلاده، وأنها بذلك ستكون بالقرب من ابنتها في آخر العمر.
بسرعة كبيرة تمت الخطوبة وكذلك الزواج وانتقلت (س) إلى بيت زوجها، وشعرت الأم بسعادة كبيرة وهي ترى ابنتها سعيدة مع زوجها وما زاد من سعادتها أن (س) رزقت بعد عام بطفل وبعد الزواج بثلاثة أعوام رزقت بطفلها الثاني.
كانت حياة الزوجين سعيدة ولم يعكرها سوى مرض هذا الطفل أو ذاك، وفي كثير من الأحيان كانت الجدة تقوم بالاعتناء بالطفلين حتى لا تشعر (س) بكثير من العناء.
القهوة والشيشة
كانت حياة الزوجين هادئة إلا من بعض المشاكل الصغيرة وكان برنامجهما يبدأ من الصباح الباكر حيث يستعدان للذهاب إلى المدرسة ثم يعودان بعد انتهاء الدوام، ويتعاونان في تصحيح «كراريس» الطلاب، ثم يستعدان ليوم جديد، وهكذا..
في أحد الأيام دعا أحد الأصدقاء (ص) إلى أحد المقاهي لتدخين الشيشة، وعندما رفض (ص) ذلك قائلاً له بأنه لا يُدخن قال له الصديق بأن المقهى فيه من الحسان الكثير، وكلهن يأتين إلى هناك للمرح والتسلية والبحث عن أصدقاء.
بعد أخذ ورد وافق (ص) على الذهاب إلى المقهى وهناك بدأ يدخن الشيشة ورغم أنه غير متعود على ذلك إلا أنه اضطر لذلك مجاملة لإحدى الحسناوات التي اقتربت منه وطلبت منه أن يدخن بعمق حتى يشعر بالنشوة، بدأ (ص) يتردد على المقهى فقد استهواه (الجو) هناك وشيئا فشيئا بدأ يدخن الشيشة ثم بدأت يداه تمتدان إلى ما هو أبعد من ذلك فقد أصبح مدنا على الخمر حيث كان الجو العام في المقهى يتطلب من الرواد الذين يريدون (الفرفشة) أن يدخنوا ويشربوا فهؤلاء الأشخاص عادة ما تجالسهم فتيات حسان لا يرفضن لهن طلبا.
أصبح (ص) يسهر حتى ساعات متأخرة من الليل في المقهى وعندما كان يعود إلى بيته كانت رائحة الخمر تفوح من فمه.
بدأت زوجته تطلب منه أن يتوقف عن السهر والتدخين خاصة بعد أن عرفت بأنه أصبح على علاقة بإحدى النساء اللواتي يترددن على مقهى الشيشة.
لكن (ص) لم يكن يلتفت إلى كلام زوجته فقد ذهب به الأمر بعيداً وبات لا يستغني عن السهر في المقهى وعن الشيشة والخمر والنساء.
أدى السهر الكثير الذي كان (ص) يسهره إلى تأخره عن المدرسة ورغم أنه كان يتحجج دائما بأنه مريض إلا أن ذلك لم يدم طويلا فقد هدده مدير المدرسة بأنه سيضطر إلى فصله إذا استمر في تأخره عن الدوام المدرسي خاصة وأن أخبار مغامراته باتت معروفة بين زملائه المدرسين.
حاولت (س) أن تتفاهم مع زوجها خاصة وأن مصاريف البيت زادت بعد أن دخل الابن الأول إلى المدرسة والثاني الحضانة وطلبت من زوجها ألا يذهب إلى المقهى وأن يوفر الفلوس التي ينفقها في المقهى على الخمر والشيشة والنساء، من أجل دفع مصاريف المدرسة والحضانة خاصة وأن مرتبها لم يعد يكفي لكل هذه النفقات، لكن كل المحاولات باءت بالفشل.
التحقيق مع الزوج
في أحد الأيام جاء (ص) إلى المدرسة وكان متعباً جداً ومرهقاً من السهر وكان تأثير الخمر لا يزال بادياً عليه، هنا اضطر مدير المدرسة لأن يشكل لجنة للتحقيق معه وخلال التحقيق اعترف (ص) بأنه يسهر كل ليلة في المقهى التابع لفندق (....) وأنه يتناول الخمر وعلى علاقة ببعض الفتيات اللواتي يعملن في المقهى.
وقال (ص) بأن كل ما يقوم به هو خارج الدوام ولا يؤثر على الطلاب، وإن هذه حرية شخصية، في نهاية التحقيق رفعت اللجنة تقريرها الذي أدى إلى إنهاء خدمات (ص) من المدرسة.
لكونه لم يعد يعمل فقد بدأ (ص) يطالب زوجته بأن تعطيه جزءاً من مرتبها قائلاً لها بأنه لا يملك أي شيء وأن المبلغ الذي كان قد ادخره لشراء شقة في بلاده أنفقه.
رفضت (س) أن تعطيه فلوساً فهي ترى أن مرتبها لن يغطي مصاريف الوالدين وإيجار البيت وفواتير الكهرباء والماء والهاتف والمصاريف الأخرى لذا طلبت من زوجها بدلا من أن يمد يده ليأخذ من مرتبها أن يقلع عن الشرب والتدخين وأن يبحث عن مدرسة جديدة في مدينة أخرى، خاصة وأنه يدرس مادة الرياضيات وهي مادة مطلوبة في جميع المدارس وفي جميع المراحل الدراسية، لكن (ص) رفض ذلك وأصر على أخذ جزءا من مرتب زوجته لينفقه على ملذاته.
تحت إلحاحه المتواصل اضطرت (س) لأن تعطي زوجها بعض المال حيث أنفقه في ليلة واحدة وعاد في الليلة الثانية يطلب منها من جديد.
قررت (س) عدم إعطائه المال لذا كان (ص) يضربها ويطردها من البيت، ازدادت الخلافات العائلية وبات الشجار بين الزوجين هو البرنامج اليومي لهما وكان الشجار يتم دائماً في وجود الطفلين.
كان الطفلان يشاهدان والدهما وهو يضرب والدتهما لكن لم يكن لديهما الحيلة أو القوة لمساعدتها فيلجآن إلى الصراخ والبكاء لذا كان والدهما يسكتهما بصفعات على وجهيهما فيهربان إلى المطبخ يختبئان فيه في حين تستمر (س) في تلقي ضربات زوجها حتى يحصل على الفلوس التي يريدها.
وجدت (س) حلاً لخلافها مع زوجها حيث استأجرت شقة صغيرة لها ولولديها بعد أن أخذت قرضاً من البنك إلا أن (ص) انضم إلى زوجته بعد أن طرده صاحب الشقة لأنه لم يعد قادراً على دفع الإيجار.
بدأت (س) تعاني من تصرفات زوجها وعصبيته وضربه لها، ففي إحدى الليالي عاد إلى البيت وهو في حالة سكر شديد، وعندما قالت له زوجته بأن تصرفاته هذه تؤثر سلباً على الولدين ثار في وجهها وألقى عليها كأساً من الشاي الساخن أحدث حروقاً في وجهها، فما كان منها إلا أن ذهبت إلى الشرطة وقدمت بلاغاً ضده.
استدعت الشرطة الزوج وطلبت منه عدم التعرض لزوجته وجعلته يوقع إقراراً بذلك إلا أن هذا التصرف من زوجته، جعله يحقد عليها ويزيد في مضايقته لها، عندها اضطرت المرأة لأن تأخذ ابنيها وأن تذهب إلى شقة والدتها، شعرت (س) ببعض الهدوء في شقة والدتها، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً فقد أخذ (ص) يتردد على شقة حماته طالباً منها أن تقنع ابنتها بالعودة معه إلى شقتهما واعداً إياها بأنه لن يؤذيها وأنه سيتغير وسيبدأ في البحث عن عمل.
عادت (ص) مع زوجها وأحست بأنه لم يطلب منها فلوساً بل على العكس من ذلك فقد كان يذهب صباحاً ويعود ظهراً ومعه بعض الحلويات والفاكهة. شعرت (س) بسعادة كبيرة لعودة زوجها إلى رشده خاصة عندما أخبرها بأنه يذهب في الصباح ليعطي دروساً خصوصية في بعض البيوت للطلبة الذين يدرسون في الفترة المسائية.
ومما زاد من سعادتها أن زوجها أعطاها مبلغاً من المال قائلاً لها أن تدفع الأقساط المتأخرة على الحضانة التي يدرس فيها ابنه الصغير.
ليلة الزفاف
في أحد الأيام تلقت «س» دعوة لحضور زفاف صديقة لها وليلة الزفاف بدأت تستعد للذهاب إلى الحفلة، لكنها فجأة بدأت تصرخ عندما وجدت بأن جميع جواهرها وذهبها وساعة ثمينة غير موجودة وطلبت من زوجها الاتصال بالشرطة والإبلاغ عن السرقة لكن الزوج رفض ذلك معللاً بأنه لا داعي «للشوشرة» لكن «س» أمسكت بالهاتف محاولة الاتصال لإبلاغ الشرطة.
وهنا طلب منها زوجها أن تكف عن هذه «السخافة»، عندها قالت له «إذاً أنت الذي سرقت ذهبي وجواهري، فقال لها نعم أنا أخذتها والفلوس التي أنفقها كل يوم هي ثمن ذهبك وجواهرك وليست من الدروس الخصوصية لأنني لا أعطي دروساً خصوصية أصلاً».
هنا قالت له سوف اتصل بالشرطة وأبلغهم عنك، فما كان منه إلاّ أن أمسك بسلك الهاتف ولفه حول عنقها.
بدأت «س» تصرخ وكادت أن تموت لولا أن ابنها الكبير كان قد ذهب إلى الشقة المجاورة وطلب تدخل الجار الذي حضر وأنقذ حياة «س».
بعد هذه العاصفة خرج «ص» من الشقة ولم يعد إلاّ في الليلة الثانية حيث عاد سكراناً وكله غضب، هنا طلبت «س» منه أن يطلقها وأن يتركها تربي ولديها بعيداً عن المشاكل والعنف والضرب.
كررت «س» طلبها لـ «ص» لأن يطلقها فما كان منه إلاّ أن قام وصفعها على وجهها كرر «ص» ضربه لزوجته وعندما حاول الابن الأكبر الخروج ليطلب مساعدة الجيران كان نصيبه من الضرب كثيراً، حاولت «س» أن تدفع زوجها عن ابنها الذي بدأ يتلوى من الألم، عندها أمسك برأسها وضربه في الحائط.
سقطت «س» على الأرض بدون حراك وبدأ الدم يخرج من فمها وبدلاً من أن يطلب لها زوجها سيارة الإسعاف لإنقاذ حياتها وضع تحت جسدها بعض أوراق الصحف وبعض الملابس وأشعل فيها النيران.
بدأت النيران تلتهم كل ما حولها بما فيها جسد (س) التي لم تبد أي حراك أو قدرة على المقاومة في حين كان ابناها ينظران إليها من باب المطبخ.
كان (ص) ينظر إلى النار وهي تأكل جسد زوجته وعندما شعر بأنه غير قادر على تحمل اللهب والدخان المنبعث من الحريق خرج من الشقة تاركاً زوجته وابنيه عندما شعر الابن الكبير الذي كان عمره لا يزيد على (9) سنوات بأن والده ترك المكان، خرج وطلب من الجيران أن يأتوا ليساعدوا والدته وينقذوها من الموت.
اندفع الجيران إلى الشقة وعندما حاولوا الدخول لم يتمكنوا من ذلك، فقد كانت النيران أتت على معظم أثاث الشقة، وكان الدخان المنبعث منها شديداً جداً.
تم الاتصال برجال الشرطة الذين حضروا على الفور حيث وجدوا النيران قد أتت على كل شيء بما فيه الجزء الأكبر من جسد (س).
بدأت الشرطة تبحث عن الجاني واستطاعوا خلال فترة وجيزة الوصول إليه فقد وجدوه في ذات الوكر (المقهى) يعاقر الخمر والنساء.
ثم اقتياد (ص) إلى التحقيق حيث اعترف بأنه هو الذي أحرق زوجته لأنها لم تكن متعاونة معه وكانت ترفض أن تعطيه فلوساً.
لم يسدل الستار بعد
رغم أن مأساة هذه الأسرة انتهت بالزوجة إلى القبر وبالزوج إلى السجن بتهمة القتل المتعمد إلا أن المأساة لا تزال مستمرة فقد أصيب الطفلان (الكبير 9 سنوات والصغير 6 سنوات) بصدمة نفسية وبدآ يعانيان من رهاب النار فما يكادا يشاهدان لهب الغاز أو أحداً يشعل سيجارة حتى يبدآن بالصراخ.
بدأت جدتهما تعاني الكثير فهي لم تعد قادرة على الاعتناء بهما بعد أن تحطمت نفسياً بسبب موت ابنتها وهنا تقدمت إحدى الجمعيات الخيرية وأخذت الطفلين وحولتهما إلى أحد المستشفيات الخاصة (بالرهاب).
إعداد أحمد سلطان
