واكبت شرطة أبوظبي مسيرة التطور التي شهدتها دولة الإمارات وإمارة أبوظبي، فتحولت منذ إنشائها سنة 1957 كقوة حراسة صغيرة مكلفة بمهمات بسيطة، إلى جهاز أمني يعمل وفق أحدث الأساليب والإمكانات العالمية، ويحقق الأمن الاجتماعي في الإمارة، ويسهم في انتشار الاستقرار والطمأنينة في أرجاء الدولة.
إن هذا الإنجاز الذي زرع شجيرته المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أصبح شجرة وارفة الظلال، يستظل بفيئها الجميع، ويرعاها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.
ويسهر على ازدهار ونمو هذه الشجرة رجال أوفياء يعملون بتوجيهات القائد وإلى جانب سموه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبالمتابعة المباشرة من الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية.
لقد وضعت شرطة أبوظبي شعار الشراكة والتميز نبراساً لها، وعملت على أن يكون المجتمع طرفاً مشاركاً في الحفاظ على الأمن ونجحت في ذلك ومازالت تسعى بخطى حثيثة لتبقى دوماً في خدمة الوطن إن شاء الله نصادف في حياتنا اليومية مشاهد وأحداثاً كبيرة.
قد تثير فينا الدهشة لبعض الوقت. غير أن ما شهدته إمارة أبوظبي والإمارات عموماً، يتجاوز الدهشة اللحظية، ويجعل المرء يستغرق في تفكير عميق وإعجاب له بداية ويصعب أن يجد له نهاية.
فقبل عقود قليلة من الزمن، كانت مدينة أبوظبي، كما تظهر في الصور والأفلام التي سجلتها عدسات الرحالة والزائرين الأجانب، تبدو صحراء معزولة وقاحلة تقريباً، وشبه خالية من السكان إلا من تجمعات قليلة العدد، يعاني أغلبها شظف العيش..
ولم تكن المناطق الأخرى من الإمارة أفضل حالاً، ويكفي أن ننظر إلى حالنا اليوم ونتذكر أن عدد سكان أبوظبي قبل أربعة عقود لم يكن يتجاوز بضعة آلاف نسمة، يعيش أغلبهم من الرعي أو الصيد أو الغوص.
فما الذي حدث خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة؟! أليس أمراً يدعو إلى الدهشة والإعجاب، والتقدير لقادة هذه البلاد الأوفياء الذين نهض الشعب بجهودهم، وتقدم برعايتهم وتشجيعهم، فبلغ في زمن قياسي مكان الصدارة بين الكثير من الأمم المتقدمة!
إن نعم الله سبحانه وتعالى علينا كثيرة، وفي مقدمتها أن قيَّض لهذه البلاد قائداً مؤسساً مثل الشيخ زايد، رحمه الله، وقائداً يواصل المسيرة هو صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، والقيادة الوفية لهذا الوطن.
مرحلة التأسيس
كانت الحياة بسيطة وخالية من التعقيدات، وكان مفهوم الأمن ينسجم مع واقع ذلك الزمان الذي مضى. ولم يكن في أبوظبي عموماً سوى القليل من الأفراد المكلفين بأعمال متفرقة من بينها الحراسة.
وعرفت أبوظبي مثل غيرها من مناطق الخليج نظاماً أولياً للشرطة، عرف أفراده باسم «المطارزية» أو «الخوي»، وهم أفراد يرافقون الشيوخ ويقومون بمهمات مختلفة تشمل الحراسة وإبلاغ الرعية بأوامر وتعليمات الحاكم، دون أن يشكلوا حاجزاً بينه وبين الناس، وأن أبوابه لم تكن تغلق أمام من يزورونه أو يأتون لسؤال بعض حاجاتهم.
إلا أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كان يدرك ببصيرته الثاقبة، أن البلاد بحاجة إلى أجهزة إدارية وتنفيذية تشارك في البناء والتقدم، التي كان يحلم بها.
وكان إنشاء قوة للشرطة أحد المتطلبات التي سارع الشيخ زايد، رحمه الله، إلى تطبيقها منذ العام 1957 حين كان يتولى أمور المنطقة الشرقية من الإمارة، ووجد هذا التوجه التشجيع من جانب المغفور له الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، حاكم أبوظبي آنذاك.
وكانت البداية بتأسيس دائرة الشرطة والأمن العام التي ضمت ثمانين شرطياً على قدر ضئيل من التدريب وأخذت هذه الوحدات الصغيرة من الشرطة تقوم بأعمال الحراسة والدوريات وتنظم حركة المرور وضبط المطلوبين في قضايا الجنح والجنايات، على قلة تلك القضايا.
وكان الشرطي من أولئك يلتزم بعقد للعمل مدة سنتين ويتقاضى راتباً مغرياً بمقاييس زمنه إذ يبلغ 100 روبية مقابل 60 روبية يتقاضاها العاملون في الحراسة لدى الحاكم.
وتم في العام التالي التعاقد مع ضابط بريطاني للعمل مع شرطة أبوظبي، التي أخذت في التوسع وتجاوز عدد أفرادها المائة سنة 1959. وقام المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بزيارة إلى الكويت تلك السنة، تم على إثرها إرسال أربعة ضباط من مواطني أبوظبي للتدريب في الكويت، وهم حمودة بن علي بن غانم الظاهري، وسهيل بن محمد المهيري، وجمعة بن علي الدرمكي وخلفان بن علي بن حافش.
وكان الشيخ سلطان بن شخبوط آل نهيان أول قائد لشرطة أبوظبي، وأسندت إليه سنة 1961 مسؤوليات مدنية، وعُهد إلى سمو الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان بمسؤولية دائرة الشرطة والأمن العام. وكانت تتبع إدارة الشرطة والأمن العام مراكز فرعية في طريف وداس والمقطع، ومخافر صغيرة ضئيلة الأعداد والإمكانات. وكان مركز المقطع يقوم بوظيفة إضافية هي مراقبة جوازات السفر والتأكد من الأوراق الشخصية للقادمين والمغادرين.
مرحلة البناء
انتقلت الشرطة في أبوظبي من مرحلة التأسيس إلى مرحلة البناء مع تسلم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أمانة الحكم في إمارة أبوظبي فقد وضعت الإمارة أقدامها عند نقطة الانطلاق نحو الحضارة والازدهار، وكان انطلاقها حثيثاً.
فقد ازداد عدد أفراد الشرطة لتلبية احتياجات التطورات الاقتصادية التي بدأت تباشيرها بالظهور، وأمر، رحمه الله، بالاستعانة بخبرات شرطية من بعض الدول العربية الشقيقة، كانت من بينها المملكة الأردنية الهاشمية، التي أرسلت سنة 1968 إلى أبوظبي بعثة من 41 ضابطاً وضابط صف، للمشاركة في الأعمال الشرطية والأمنية والمساعدة في تدريب أفراد شرطة أبوظبي، وتم في الوقت ذاته إيفاد بعثات شرطية للدراسة والتدريب في الأردن ومصر.
وتوسعت مهام الشرطة مع تنوع جوانب الأنظمة اليومية في الإمارة، فأنشئت مدرسة اللاسلكي سنة 1969، وأقيم فرع خاص بالتحقيقات الجنائية، وقسم للمرور، حيث سجلت في أبوظبي حوالي عشرة آلاف مركبة بين العامين 1968 و1991، وهو مؤشر واضح جداً على نهضة واعدة.
وأخذت شرطة أبوظبي تضطلع بمهام وطنية بالإضافة إلى مهامها داخل الإمارة، حيث قامت بأدوار أساسية في إنشاء وتطوير أجهزة الشرطة في إمارتي أم القيوين، والفجيرة، بالإضافة إلى توفير الدعم والإسناد والخدمات اللوجستية، حيثما كان ذلك ضرورياً. كما صدرت في تلك الفترة قوانين ومراسيم كان للشرطة دور في تطبيقها، مثل قوانين العقوبات والجنسية والأسلحة والسجون والعقاقير وإنشاء وزارة الداخلية.
وفي العام 1971 أمر المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بإعادة تنظيم الجهاز الحكومي في أبوظبي، وإنشاء مجلس للوزراء ضم وزارة للداخلية. وعيّن سمو الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان وزيراً للداخلية في مجلس وزراء أبوظبي واتبعت لها شرطة أبوظبي.
وعند قيام الدولة الاتحادية في الثاني من ديسمبر عام 1971 عيّن سمو الشيخ مبارك وزيراً للداخلية، ومعالي حمودة بن علي وزيراً للدولة للشؤون الداخلية، وعهد إليهما بتولي مسؤولية الشرطة في إمارة أبوظبي.
وشهدت تلك المرحلة قيام صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان بصفته ولي عهد أبوظبي ونائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة آنذاك بالمتابعة المباشرة لأعمال تطوير شرطة أبوظبي، بتوجيهات من والده المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
كما شهدت تلك المرحلة خطوة مهمة أخرى تمثلت في قرار المجلس الأعلى للاتحاد سنة 1975 بأن تكون لوزارة الداخلية الاتحادية سلطة الإشراف الكامل على شؤون الأمن والهجرة والإقامة، وعرّف القانون الاتحادي رقم 12 لسنة 1976 قوة الشرطة والأمن بأنها «هيئة مدنية نظامية تتبع لوزارة الداخلية».
وتبع ذلك تغيير اسم شرطة أبوظبي سنة 1977 إلى «المديرية العامة للشرطة» ثم «الإدارة العامة لشرطة أبوظبي سنة 1981» وكانت تلك التطورات بمثابة إرهاصات تؤسس لمرحلة جديدة مقبلة.
مرحلة التقدم
تعتبر هذه المرحلة ثمرة لمراحل التطور التي سبقتها، وكانت بدايتها سنة 1979 مع صدور قرار معالي وزير الداخلية بشأن إجراءات دمج المديرية العامة للشرطة في أبوظبي في وزارة الداخلية. وألحقت بها إدارات ووحدات الشؤون القانونية والخدمات الطبية والعلاقات العامة والتخطيط والتدريب.
وازداد عدد أفراد قوة شرطة أبوظبي ستة أضعاف بين العامين 1974 و1996، كما ازدادت ميزانيتها بواقع 45 ضعفاً خلال ربع قرن من الزمن بين العامين 1971 و1996 وذلك لتجسيد توجيهات المغفور له الشيخ زايد من أجل توفير سبل الأمن والأمان كافة لرفاهية وطمأنينينة المواطنين والمقيمين، وتعزيزاً للبيئة المسالمة التي عرفت بها المنطقة.
واستجابت شرطة أبوظبي باستمرار للتطورات التي شهدتها الإمارة والدولة عموماً، فتوسعت مهامها حسب المستجدات، وأضيفت إليها إدارات وأقسام وفروع في مختلف المجالات، لكي تقوم بواجباتها بالصورة الأكمل.
فقد أنشئت فيها إدارات للشؤون المالية والإدارية، ولشؤون الأمن، ولشرطة العاصمة والاتصالات ونظم المعلومات، والحاسب الآلي والمرور والترخيص وشرطة الحراسات وإدارة حماية منشآت النفط، وشرطة العين وشرطة طريف، وقسم التخطيط والتدريب.
ويضاف إلى ذلك شرطة النجدة والشرطة البحرية وعيادة الشرطة والمختبر الجنائي ومعهد العلوم الجنائية ومركز البحوث والدراسات الأمنية، والشرطة النسائية التي افتتحت أول مدرسة لها سنة 1978.
وتعتبر الأقدم والأكثر تخصصاً وأهمية بين المدارس المماثلة في المنطقة. وضمت شرطة أبوظبي أيضاً، أقساماً لصيانة المباني واللوازم وتطوير المرافق والمنشآت الأمنية والمشاغل والنقليات والتسلح الشرطي.
وأصدر الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان حين كان وكيلاً لوزارة الداخلية، قراراً في شهر مارس سنة 1998، باستحداث أحد عشر فرعاً تابعة لإدارة شؤون الأمن في الإدارة العامة لشرطة أبوظبي، بحيث يتولى مهام إدارة شؤون الأمن في القضايا المختلفة، وهي خطوة بعيدة النظر، وضعت الأسس لمتطلبات أي مرحلة مستقبلية.
مرحلة التميز التطور النوعي والاستراتيجي
دخلت شرطة أبوظبي عصراً جديداً من الفكر الشاب والمقبل على الابتكار والعمل بتسلم الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان منصب القائد العام لشرطة أبوظبي في شهر أكتوبر من العام 1995، فقد باشر سموه البناء على ما تحقق من إنجازات خلال العقود التي مضت، ليبدأ أضخم مهمة تطوير نوعي لمفهوم وأداء العمل الشرطي، وفق توجهات تستوعب الواقع الاجتماعي والمحلي، وتستلهم الطموحات المستقبلية، وتستخدم في ذلك أفضل الإمكانات التقنية المتاحة، وتعمل على تكوين الكفاءات البشرية المواطنة.
وازداد هذا النهج رسوخاً وإقداماً مع تسلم سموه مهام وزارة الداخلية في الأول من شهر نوفمبر سنة 2004، حيث حرص على المضي في ترسيخ مبدأ «القانون فوق الجميع»، الذي أرساه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويؤكد عليه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ويتابع هذا النهج الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حيث يشدد سموه دائماً على مبدأ سيادة القانون، الذي يعتبر الركيزة الأساسية لقيام مجتمع آمن ومهيأ للتقدم الحقيقي.
وقد تمثل اهتمام سموه بتعزيز كفاءة الجهاز الأمني عبر دعم فاعلية وجودة في مختلف الميادين، بهدف جعل احترام وإتباع الأنظمة والقوانين جزءاً من ثقافة الجميع من مواطنين ومقيمين في دولة تضم حوالي مائتي جنسية متعددة الثقافات والسلوكيات وكانت شرطة أبوظبي حريصة على أن يكون وجودها فاعلاً دون أن يكون كثيفاً.
وذلك حتى يعم الجميع الشعور بالأمان ويلمسوا ثمار جهود الشرطة في سبيل مصلحتهم، دون أن تثقل عليهم الأعمال التنفيذية. وقد حققت شرطة أبوظبي نجاحات متميزة في إنجاز المهام التي أوكلت إليها، فحققت الأمن للجميع.
أبوظبي ـ ماجدة ملاوي
