عندما أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، عن مبادرة (دبي العطاء) بتاريخ 19- 9 - 2007 كانت بلا أدنى شك مفاجأة كبرى وسارة، بكل المقاييس، نظراً لكونها فريدة من نوعها في عالمنا الإسلامي، ولضخامة حجمها، باستهدافها توفير التعليم (لمليون طفل) من أبناء فقراء العالم كمرحلة أولى، ولأهمية موضوعها وتميز توقيتها.
ولكن لا أظن أن هناك أحداً، يعيش فوق أديم الأرض وتحت قبة السماء، قد بلغ به السرور عندما سمع إعلان هذه المبادرة كما بلغ بالإنسان الإفريقي. وهذا أمر لا يدرك سببه إدراكاً تاماً، إلا من يعرف تلك المنطقة، معرفة حقيقية، بناء على حياة مباشرة مع سكانها، وليس خبراً منقولاً عن وسائل الإعلام، التي قد تعرف عنها شيئاً وتغيب عنها أشياء.
أقول فمن يحالفه الحظ، في الوصول إلى أعماق تلك البلاد المنكوبة على الدوام، سيعلم يقيناً أن سكانها، يعانون ألواناً من البؤس والشقاء، لو وزعت على أهل الأرض جميعاً، لما سعد على ظهرها أحد ساعة من نهار.
فسيفاجأ بملايين البشر، يسكنون آلاف المدن والقرى، التي لم تعرف يوماً، ماء صالحاً للشرب، ولا كهرباء، ولا مدرسة ولا استشفاء، ولم يأكل جل هؤلاء طيلة حياتهم طعاماً له صفة الغذاء، فكأن الشاعر العربي كان يتكلم بلسان حالهم، حين قال:
نأكل مما تأكل الخيل تارة
وتارة تعاف الخيل ما نحن منه نأكل
ونشرب مما تشرب الخيل تارة
وتارة تعاف الخيل ما نحن منه نشرب
وعلينا أن نتصور المصير الذي ينتظر أطفالاً ولدوا وتربوا، في ظروف بهذه القسوة، إذ لا أمل لهم في نيل حظ من التعليم ولو قليلاً، ولا يحلم هؤلاء مجرد الحلم، أن تصبح ظروف حياتهم، أفضل حالاً مما هي عليه.
فقد ألفوا الحرمان، واستبد بهم اليأس والإحباط، بحيث لا يجد الأمل منفذاً، يتسلل من خلاله إلى نفوسهم المحطمة. إذ لا يوجد في الأفق إلا ما يوحي لهم بالترحم، على كل يوم يمضي من حياتهم، لشدة سوء الذي يأتي بعده.
فتصبح أجسادهم الطرية مرتعاً، لكل أنواع الأمراض الفتاكة، وعقولهم نهباً لكل دعوة هدامة، فتوأد طفولتهم في مهدها، يحترفون التسول والإجرام قبل أن يشتد عودهم، فكأنهم يولدون كباراَ. هذه صورة حقيقية يعيشها هؤلاء البؤساء واقعاً ملموساً، أنقلها للقارئ كما هي، ليس فيها تهويل ولا مبالغة.
بل أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، لأقول، من استطاع من هؤلاء البؤساء، أن يترك موطنه، بحثاً عن وضع أقل سوءاً، في المدن التي بها بعض المرافق الأساسية، وفي مقدمتها مدارس التعليم الأساسي، فإنه لا يجد سبيلاً ليلحق أبناءه بها، إما لعدم قدرته على توفير الحد الأدنى من مستلزمات الدراسة، أو لأن العدد المسجل في المدارس، يفوق قدرتها الاستيعابية. مع أنها عبارة عن ساحات مفتوحة، بها بعض الفصول الخشبية، التي لا تستوعب عادة نصف العدد المقيد بها.
ولذا يصبح مصير أبناء الفقير المهاجر، الذي جاء إلى المدن بحثاً عن الأقل سوءاً، إلى التشرد في الشوارع، وأماكن تجميع النفايات، واستغلالهم في تنفيذ المعمليات الإجرامية.
فيكون حاله (كالمستجير من الرمضاء بالنار). بل قد يحدث لأبناء الفقراء ما هو أسوأ من ذلك، كأن يؤخذوا من قبل جهات مشبوهة الهدف، إلى مصير مجهول، كما حدث في الفترة القليلة الماضية، مع أطفال على أرض تشاد.
ولم تكن تلك المرة الأولى التي يؤخذ فيها أطفال أفارقة في ظروف غامضة، إلى مصير مجهول، ولا أظن أنها ستكون الأخيرة أيضاً. بل إن ذلك المشهد الأليم سيتكرر، طالما بقي الفقر والتشرد والحرمان، وبصورة لا تقبل جمعيات الرفق بالحيوان، أن تحدث لأي حيوان في محمياتها، ولو كان كلباً عقوراً.
ولمواجهة ذلك كله أنشئت (دبي العطاء)، فعندما بلغ دويها آذان الفقراء، صعقوا من شدة المفاجأة، ثم اهتزوا فرحاً وطرباً، فكأنهم ولدوا من جديد.
وحق لهم أن يفعلوا ذلك، أو أكثر، فلأول مرة يقف رجل دولة على هذا المستوى، ليعلن مبادرة بهذا الحجم، لانتشال أبناء المحرومين، خارج حدود دولته، من عالم الردم والنسيان، إلى عالم الحضور والمشاهدة، ولإنقاذ حياتهم من مخالب الجهل، الذي خيّم في ساحتهم قروناً طويلة، واليأس الذي حول حياتهم إلى جحيم، فيزرع بدلاً منهما العلم والأمل والثقة بالنفس، زراعة ستثمر ثمرة طيبة، ولو بعد حين.
متمثلاً قول الله تعالى: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) وقول الشاعر العربي:
ازرع جميلاً ولو في غير موضعه
فلن يضيع جميل أينما زرعا
إن الجميل ولو طال الزمان به
فليس يحصده إلا الذي زرعا
وقد ازداد الفقراء وأبناؤهم ثقة وطمأنينة، عندما رأوا بأم أعينهم، أبناء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يتفقدون أحوال التعليم في بعض الدول الإفريقية، ويدخلون مدارسها، ليقفوا بأنفسهم على حجم النقص الشديد، الذي يعاني منه هذا المرفق الحيوي، كمبعوثين من سموه شخصياً، للقيام بهذه المهمة النبيلة.
وقد شاهدت ذلك بنفسي، عندما ذهبت إلى جمهورية النيجر، برفقة وفد من إمارة دبي، تمهيداً للزيارة التي كان من المقرر أن يقوم بها، سمو الشيخ راشد بن محمد بن راشد، إلى تلك الدولة، في شهر أكتوبر الماضي، في إطار دعم مبادرة (دبي العطاء).
فقد كان الحديث عن هذه المبادرة، هو الشغل الشاغل لكل فئات المجتمع، من أعلى السلطة إلى أدنى طفل في الشارع. عن كيف ستتبدل حياة آلاف الأطفال، من اليأس إلى الأمل، ومن التشرد والضياع، إلى الانتظام في صفوف الدراسة، والعيش في أحضان العائلة.
وهذا يدل بكل وضوح على أن إعلان الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لتلك المبادرة العظيمة، كان إحياء لأطفال الفقراء، الذين يشعرون اليوم، بأن هناك دوراً ينتظرهم القيام به. بعدما فتحت لهم (دبي العطاء) باب الأمل، الذي كان موصداً أمام ابائهم.
والمطلوب اليوم من هؤلاء جميعاً، آباء وأبناء، أن يبذلوا جهداً مضاعفاً، للاستفادة من هذه الفرصة النادرة، التي أتيحت لهم، حتى يعوضوا ما فاتهم من قبل، ليصبحوا بناة لبلادهم، حماة لها، لتسعد بعلمهم، بعد شقائها بجهلهم وتخلفهم. ولتأخذ حظها من الحياة الكريمة، بعدما ظنت أنها قد ودعتها إلى الأبد، حينما فتك الجهل بأبنائها أو كاد أن يفعل.
وعلى هؤلاء الفقراء أيضاً، وعلينا جميعاً، أن نناشد قادة العالم العربي والإسلامي، بل قادة العالم بأجمعه، أن يحذوا حذو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حتى يجد أبناء الفقراء المعدمين، في العالم كله أملاً في بناء مستقبل أفض.
مما يحقق لهم حياة كريمة، تليق بكرامة الإنسان من حيث هو إنسان. وندعو الله الذي رفع السماء بلا عمد، أن يجزي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خير الجزاء، وأن يسدد خطاه، وأن يجعله دائماً سنداً وذخراً، للأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء، حيث كان سبّاقاً لكل مكرمة وفضل....
القنصل العام لجمهورية النيجر ــ في دبي
