شاءت إرادة الله تعالى أن يتفاوت الناس في الحظوظ وأن تكون بينهم فروق فردية في قدراتهم وفي بسط العيش وضيقه وفي القوة والضعف والانسان العاقل هو الذي يعمل ويجد في عمله ويرضى بما قسمه الله له قال تعالى: «أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون» (الزمر 52)
المسلم الحكيم تجده هادئ النفس راضياً بما فيه، فلا يسخط ولا يتبرم إذا لم يمتلك كل شيء من متع الحياة بل يقنع بما حققه وبما أعانه الله على تحقيقه وهو الذي يطلب من ربه أن يمنحه الصحة ويعينه في هذه الحياة على تحقيق أمانيه. يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: من أصبح آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها.
وليعلم المسلم، أن من عدم المال لم يزده المال غنى، فتمكن المرء بالمال القليل مع قلة الهم أهنأ من الكثير ذي التبعة، والقناعة تكون بالقلب، فمن غني قلبه غنيت يداه، ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه، ومن قنع لم يطمع بما في أيدي الناس، إذ الطمع فيما لا يشك في وجوده فقر حاضر فكيف بما أنت شاك في وجوده أو عدمه؟ روي عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس. (رواه ابن ماجه).
حديث جمع التربية الدينية والدنيوية، فيغرس في قلب المؤمن القناعة والرضا والصبر والحلم والكرم، وكلما زاد إيمان العبد أقبل على الطاعات وقلل من الدنيا وجعلها سوقا رابحة نافعة لإيجاد صالح الأعمال فيها، روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قل ماله وكثرت عياله وحسنت صلاته ولم يغتب المسلمين جاء يوم القيامة وهو معي كهاتين (رواه أبو يعلى والاصبهاني).
فالذي اتصف بالصفات الأربع يجاور رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة ويكون مكانه قريبا منه. ومن أحب أن يكون حرا، فلا يهوى ما ليس له لأن الطمع فقر حاضر ومن طمع ذل وخضع ومن قنع عف واستغنى. قال أبوحاتم رضي الله عنه: أشرف المنى ترك الطمع إلى الناس إذ لا غنى لذي طمع، وترك الطمع يجمع به غاية الشرف، فطوبى لمن كان شعار قلبه الورع، ولم يعم بصره الطمع.
ولله در القائل:
إذا المرء لم يقنع بعيش فإنه
وإن كان ذا مال من الفقر موقر
إذا كان فضل الناس يغنيك بينهم
فأنت بفضل الله أغنى وأيسر
وليس في هذا دعوة إلى الكسل والدعة، بل على المسلم ان يعمل ويجد في عمله ويرضى بما قسمه الله ولا يطمع بما في أيدي الناس كي يعيش حرا بينهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. (رواه مسلم).
ولا يليق بالمسلم الحكيم التقصير في العمل بل عليه أن ينهض من غفلته ويؤوب إلى حمى ربه الآمن، فالغفلة لا ترين على قلب خفق بحب الله وتقواه ولكنها ترين على القلوب التي أعرضت عن أمره وهداه. ومن نازعته نفسه إلى القنوع ثم حسد الناس على ما في أيديهم فليس ذلك لقناعة ولا لسخاوة بل لعجز وفشل. فالقانع الكريم أراح قلبه وبدنه، والشره اللئيم أتعب قلبه وجسمه، والكرام أصبر نفوسا واللئام أصبر أجساداً.
ولله در القائل:
تجمل إذا ما الدهر أولاك غلظة
فإن الغنى في النفس لا في التمول
يزين لئيم القوم كثرة ما له
وما زين الأقوام مثل التجمل
والإنسان جبل على الحرص والطمع وقلة القناعة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب. (متفق عليه)
وروي عن أبي واقد الليثي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أوحي إليه أتيناه يعلمنا مما أوحي إليه، فجئته ذات يوم فقال: إن الله عز وجل يقول إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم واد من ذهب لأحب أن يكون له ثان ولو كان له الثاني لأحب أن يكون له ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. (رواه أحمد والبيهقي في الشعب بسند صحيح).
ولما كانت هذه جبلة للآدمي مضلة وغريزة مهلكة أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على القناعة فقال: طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به. وقال صلى الله عليه وسلم! ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس.
حامد واكد