أرجع الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الحملة التي يقودها الإعلام الغربي ضد الإسلام إلى الجهل بالإسلام، والدعاية الصهيونية، وكتابات المستشرقين غير المنصفين، ورجالات الكنيسة الذين يقدمون معلومات مغلوطة عن الإسلام، وتضمينها للمناهج الدراسية في المدارس والجامعات بهدف بناء سد منيع بين الإسلام وغير المسلمين، نظرًا لما يميز الدين الإسلامي من بساطة ووضوح، وملاءمة للفطرة البشرية.
وشدد على ضرورة تكثيف الحوار بين العالم الإسلامي والغرب لمد جسور الثقة والتعاون، وتصحيح الصورة الخاطئة التي ترسخت في وجدان الغربيين عن الإسلام والمسلمين، مع التأكيد على أن المسلمين ليسوا أعداء للحضارة بل هم جزء من الحركة الإنسانية، واعتبر التركي الذي التقته «البيان» من خلال زيارته الأخيرة للقاهرة أن نجاح الخطاب الإسلامي عامل أساسي في القضاء على التطرف والتشدد. وإلى نص الحوار.
ـ هناك دعوات ملحة تطالب المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي بتطوير خطابها لمواجهة ما يثار ضد الإسلام.. فما تعليقكم؟
- أوافق على هذه الدعوة بشرط أن يكون التطوير مستندًا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالإسلام جاء بشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وبهذا فإن التطوير يتطلب وجود دعاة مؤهلين، بجانب تطوير خطط وبرامج الدعوة، وفق ما يقتضيه عصر العولمة والسماوات المفتوحة، لتوصيل كلمة الحق إلى الناس، وتصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة عن الإسلام ليس لدى غير المسلمين فقط بل ولدى كثير من المسلمين فتطوير الخطاب الديني يسهم إسهاماً كبيراً في القضاء على التطرف والغلو والتشدد لدى المسلمين، ومخاطبة العالم الآخر بلغة يفهمها عن الإسلام، وبالتالي لابد أن تحتل قضية تطوير الخطاب الديني أولوية لدى المؤسسات الدينية في عالمنا الإسلامي.
ـ تعتمد القوى المعادية للإسلام في أجندتها تشويه صورة الإسلام من خلال الربط بينه وبين الإرهاب.. كيف يمكن تصحيح هذه المغالطات؟
- طبعًا هناك قوى كبيرة معادية للإسلام في الغرب ولديها وسائلها من منابر إعلامية تحرض من خلالها ضد الإسلام وتتحدث عنه بصورة مقززة بهدف إنجاح حملاتها ضد الإسلام الذي بدأ ينتشر بصورة كبيرة في مجتمعات أوروبا وبدون حرب أو ممارسة وإنما كان انتشار الإسلام في هذه المجتمعات يرجع إلى ما جاء به الإسلام من تعاليم تدعو الإنسانية على الخير والسلام والتعايش ونبذ العنف والإرهاب فالإسلام حرم الإرهاب وترويع الآمنين، ومجتمعاتنا الإسلامية لم تعرف الإرهاب إلا من خلال الغرب.
وما حدث خلال الحربين العالمية الأولى والثانية خير دليل على ذلك فالعالم الإسلامي لم يكن له يد في إشعال هذه الحروب، وللأسف نجد أن الإعلام الغربي يركز على أحداث بعينها، خاصة التي يرتكب فيها بعض المسلمين أعمال عنف أحمق ليصوروا للعالم أن هذا هو الإسلام، وأن أبناءه إرهابيون، وأن دينهم يدعو لمثل هذه الأعمال، ويشجع عليها.
ـعلى النقيض من ذلك نجد الإعلام الغربي لا يسلط الضوء على ما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي من أعمال إجرامية في حق المواطنين الفلسطينيين، وما يفعله بالأطفال والنساء والعجزة، أيضاً انتهاك حرمات دور العبادة والمقدسات الدينية، أين الإعلام الغربي مما يحدث في فلسطين وغيرها من ديار الإسلام؟
- لا تزال القدس مشكلة قائمة في الصراع العربي الإسرائيلي.. فما الدور الذي يجب على الأمة الإسلامية والعربية القيام به للدفاع عن حرمة المقدسات الإسلامية في هذه المدينة؟
ـ إنني باسم رابطة العالم الإسلامي أدعو الأمتين العربية والإسلامية إلى المسارعة لإنقاذ هذه المقدسات، وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين، والتصدي لكل مخططات التهويد المستمرة في مدينة القدس العربية الإسلامية، كما يجب توعية الأجيال المسلمة بأن القدس مدينة عربية إسلامية.
وأن المسجد الأقصى المبارك قبلة المسلمين الأولى، وجزء أساسي من عقيدتهم الدينية، حتى تظل قضية القدس حية في قلوب وعقول الأجيال المسلمة، ولابد من اتخاذ مواقف عملية بعيدًا عن الشعارات لإنقاذ مدينة القدس من التهويد، أيضاً لابد من إطلاق حملات دولية لاستنهاض الرأي العام العالمي، خاصة في أميركا والغرب، ومنظمات حقوق الإنسان.
لتبصير المجتمع الدولي بما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي من أعمال عدوانية ضد الشعب الفلسطيني، وما يقع من اعتداءات ضد المقدسات تستفز مشاعر المسلمين في كل أنحاء العالم، كذلك علينا أن نثبت للعالم كذب الاحتلال الإسرائيلي، وفضح مخططاته العدوانية حتى يعرف العالم حقيقة الكيان العنصري الذي تم زرعه في قلب العالم الإسلامي والعربي.
ـ لعلكم تتابعون ما تحدثه الفضائيات من بلبلة نتيجة للفتاوى المتضاربة.. برأيكم كيف يمكن مواجهة هذه البلبلة؟
ـ كما ذكرت سابقًا، نحن في حاجة إلى خطاب ديني ملتزم بالثوابت الدينية، يعمل على توحيد المسلمين وليس على تفريقهم، وما يحدث من بلبلة في المجتمع الإسلامي نتيجة للفتاوى المتضاربة أمر خطير، يجب على المؤسسات الدينية التفكير في آليات لحسم هذه القضية، ونحن من جانبنا في رابطة العالم الإسلامي نعد لمشروع يهدف للقضاء على الفوضى والبلبلة التي تثيرها فتاوى الفضائيات.
حيث دعونا إلى عقد مؤتمر موسع برئاسة المفتي العام للمملكة العربية السعودية، في شهر صفر المقبل وبحضور قادة الفتوى من كل دول العالم الإسلامي، هذا المؤتمر يهدف إلى استخدام آلية للقضاء على البلبلة والفوضى التي تثيرها الفتاوى، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الحساسة التي تهم العالم الإسلامي ووحدته، وستطرح الرابطة على المشاركين في المؤتمر برنامجًا يلتزم به جميع المفتين في العالم الإسلامي، يتضمن الأسس الخاصة بالإفتاء واحترام المرجعيات، ويركز أيضاً على السبل التي ينبغي أن يسلكها المفتي فيما يتعلق بالقضايا الحساسة.
ـ الفضائيات أصبحت واقعا لا مفر منه.. كيف يمكن الاستفادة من إيجابياتها وتجنب سلبياتها؟
ـ نحن في الرابطة نسعى لإنشاء قناة فضائية إسلامية تبث برامجها باللغات الأجنبية، ونعول كثيرًا على دور الإعلام الإسلامي في خدمة قضايا الدعوة، والرد على الشبهات التي تثيرها الفضائيات، أو التي يثيرها الإعلام الغربي ضد الإسلام.
فالإعلام الإسلامي عليه دور كبير في خدمة الدعوى وتبصير الناس بقضايا الأمة الحقيقية، وفقه أوليات العمل التي تنهض بها المجتمعات، لأن التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية كبيرة وخطيرة، وتحتاج لمنهج خاص في التعامل معها، يقوم على التعاون والتضامن بين جميع العاملين في مجال الدعوة الإسلامية والإعلام.
ـ يطالب البعض بالتقريب بين المذاهب الإسلامية خاصة السنة والشيعة.. فما تعليقكم؟
ـ التقريب بين المذاهب الإسلامية يفهم على غير حقيقته، لأن الإسلام دين واحد، ومرجعه الأساسي القرآن والسنة، لكن هناك اختلافات في فهم النص، وبالتالي فإن الاجتهاد في فهم النص أمر مباح في الإسلام، وهذا الأمر واسع، والخطأ أن تكون النظرة خاطئة لتفسير القرآن والسنة، أو بمعنى آخر أن يكون هناك خطأ في الفهم أو الاجتهاد، وبالتالي يجب تصحيح هذا الخطأ فوراً، وبالتالي فإن كان التقريب بهذا المعنى فهنا يكون التقريب مثمرا ومفيدا ونحن نشجعه.
ولا شك أن من أكبر التحديات التي تواجه المسلمين هو تفرقهم وتشرذمهم إلى جماعات مختلفة، وعندما يرى أعداء الأمة ذلك، فإنهم يجدون ضالتهم المنشودة، ويسعون إلى العمل على توسيع هوة الشقاق والفرقة بين المسلمين، لتمزيق وحدتهم وإضعافهم، والعالم الإسلامي أحوج ما يكون الآن إلى الوحدة ورأب الصدع، لتحقيق الأمن والاستقراء لشعوبها.
ـ على ذكر الفرقة وإثارة النزاعات بين البلدان الإسلامية.. ما موقفكم من المشروع الذي اقترحه الكونجرس الأميركي لتقسيم العراق إلى دويلات سنية وشيعية وكردية.. الخ؟
ـ هذه حلقة من حلقات التآمر على أمتنا الإسلامية، والسعي بقوة لتفتيت وحدة المسلمين، فماذا ننتظر بعد ذلك؟ ونحن في رابطة العالم الإسلامي نرفض مثل هذه المشاريع، وندعو المسلمين في كل أنحاء العالم للوقوف متحدين في وجه هذه المخططات، التي تسعى لتقسيم العراق أو غيره من البلدان الإسلامية، التي تعاني من مثل هذه المخططات.
ـ هناك رؤيتان مختلفتان عن الحوار مع الغرب.. الأولى تشاؤمية ترى أنه لا جدوى منه، والثانية تشجع على الحوار باعتباره السبيل لحل كثير من المشكلات وبناء جسور من الثقة والتعاون فإلى أي الرؤيتين تميل؟
ـ الحوار أمر مطلوب وضروري، ولابد منه لتحقيق عدة أمور منها: تقريب وجهات النظر، وإزالة اللبس، وسوء الفهم الذي ينشأ لدى كل طرف عن الآخر، أيضاً من ثمرات الحوار التقريب بين المتخاصمين، وعمومًا فإن الحوار مع الغرب مطلوب على مختلف الأصعدة، الثقافية والاقتصادية والسياسية.
لكن الحوار حتى الآن لم يسلك المسار القوي الواضح والصحيح، فقد كانت بدايته بين الإسلام وأوروبا قديمًا، وكان أفضل مما عليه الآن، لأنه بدأ بشخصيات متميزة من العالم الإسلامي التقت بشخصيات أوروبية، أما الحوار الآن فهو ضعيف، ودون المستوى، فليس لدينا مراكز أو مؤسسات قوية تعتني بالحوار بين الإسلام والغرب.
وليس لدينا برامج مدروسة في هذه المسألة، فضلاً عن غياب الكوادر التي تستطيع أن تتولى الحوار ويكون لديها إلمام بثقافة الآخر. وهناك جهود لرابطة العالم الإسلامي والأزهر في هذا المجال، لكن الأمر يتطلب أن يكون هناك تنسيق قوي بين هذه المؤسسات، وأن يكون الحوار على أسس واضحة حتى يؤثر ثماره.
القاهرة ـ دار الإعلام