المساواة في الإسلام أصل عظيم من أصول نظام المجتمع الإسلامي وهي مفروضة فرضا في الإسلام وللناس كافة.. وبهذا يقيم الإسلام الموازين القسط بين البشر جميعا، ومن هذا المبدأ الإيماني شدد د. علي عبد الواحد وافي عضو المجمع الدولي لعلم الاجتماع في كتابه «المساواة في الإسلام» على أهمية ترسيخ مبدأ المساواة بين الناس في أكمل صوره، وأمثل أوضاعه.
مشيرا إلى أن الإسلام اتخذه دعامة لجميع ما سنه من نظم العلاقات والأفراد بعضهم مع بعض، وطبقه في جميع النواحي التي تقتضي العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان أن يطبق في شؤونها. يقف المؤلف عند معنى المساواة في القيمة الإنسانية المشتركة فيقول: تتمثل هذه المساواة في الاعتقاد بأن الناس جميعا متساوون في طبيعتهم البشرية، وأن ليس هناك جماعة تفضل غيرها بحسب عنصرها الإنساني، وأن التفاضل بين الناس إنما يقوم على أمور خارجة عن طبيعتهم وعناصرهم وسلالاتهم وخلقتهم الأولى، ويقوم مثلا على أساس تفاوتهم في الكناية والعلم والأخلاق.
وفي هذا السياق حرص الإسلام على تقرير هذه المساواة في أكمل صورها، وجعلها من العقائد الأساسية التي يجب أن يدين بها كل مسلم مصداقا لقول الله تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير». يفسر عبد الواحد هذه الآية الكريمة قائلا: إذا كان الله تعالى قد جعل الناس شعوبا وقبائل فإنه لم يجعلهم كذلك لتفضيل شعب على شعب، وإنما قسمهم هذا التقسيم ليكون ذلك وسيلة للتعارف والتمييز والتسمية، والتفاضل بينهم في نظر الله إنما يجري على أساس أعمالهم ومبلغ محافظتهم على حدود دينهم، فأكرمهم عند الله أتقاكم.
أما عن مساواة الإسلام بين الناس في الحقوق المدنية، فيذكر الكاتب أن الإسلام قرر أن يعامل الناس جميعا على قدم المساواة في شؤون المسؤولية والجزاء وفي الحقوق المدنية كحق التعاقد والتملك بدون تفرقة، ولا يستثني الإسلام فيما يتعلق بممارسة هذه الحقوق وتطبيقها، وبخاصة الحقوق المدنية إلا ثلاث طوائف من الناس، وهم الأطفال والمجانين والسفهاء.
ويذكر المؤلف أن الإسلام سوى بين الرجل والمرأة أمام القانون وفي شؤون المسؤولية والجزاء في الدنيا والآخرة، كذلك في الحقوق المدنية بمختلف أنواعها، كما سوى بينهما في حق التعلم والثقافة فأعطى المرأة الحق نفسه الذي أعطاه الرجل في هذه الشؤون، وأباح لها أن تحصل على ما تشاء الحصول عليه من علم وأدب وثقافة وتهذيب.
وإذا كان هذا موقف الإسلام نجد في المقابل أكثر أمم الغرب ادعاء للديمقراطية في العصر الحاضر هي الولايات المتحدة، تفرق بين البيض والسود من أبناء شعبها، وتحرص على التفرقة في مختلف مظاهر الحياة وشتى أنواع المعاملات، حتى في الشؤون القضائية وفي تقدير العقوبات وطريقة تطبيقها، وبناء على ذلك يتساءل د. عبد الواحد: أين هذه الأمم من المبادئ الإسلامية السمحة التي سبق بيانها؟
وعن المساواة في شؤون الاقتصاد يرى المؤلف أنه لا يقصد بها أن يكون الناس سواسية كأسنان المشط فيما يملكون وفيما ينعمون به من متع الحياة المادية، لأن هذا المعنى لم يتحقق في أي عصر ولا في أي مجتمع، ولا يمكن أن يتحقق في مستقبل النوع الإنساني إنما يقصد بالمساواة في شؤون الاقتصاد أن يكون شكلا من النظم ما يحقق تكافؤ الفرص بين الناس من النواحي الاقتصادية، ويذلل لكل فرد سبل الحصول على المال.
ويقول: المساواة بهذا المعنى لا يمكن أن تتحقق في ظل النظام الشيوعي، ولا في ظل النظام الرأسمالي، أما عن عدم إمكان تحققها في ظل النظام الشيوعي فذلك لأن هذا النظام يحول بين الفرد وبين ملكية الأشياء، بينما النظام الرأسمالي يطلق العنان لرأس المال ليطغى على ما عداه ويسيطر على شؤون الاقتصاد، وتتضخم من جرائه الثروات في يد بعض الناس.
دعائم النظام الاقتصادي
وبعد ما سبق ذكره يتطرق المؤلف إلى دعائم النظام الاقتصادي في الإسلام قائلا: أقام الإسلام بنيانا نظامه الاقتصادي على خمس دعائم يكمل بعضها بعضا الأولى تتمثل في إقراره للملكية الفردية، وحمايته لها، بينما تمثلت الثانية فيما يدخله الإسلام على تصرف المالك من قيود، وما يضعه على كاهله من أعباء وواجبات لتحقيق الصالح العام وصالح الورثة واتقاء الضرر والضرار.
ويواصل المؤلف حديثه عن دعائم النظام الاقتصادي في الإسلام فيذكر: الدعامة الثالثة تتمثل في أن الإسلام لا يقيم العلاقات الاقتصادية بين الناس على أسس نفعية مادية كما تفعل النظم الأخرى بل يقيمها على أسس إنسانية خلقية، يتحقق بفضلها التكافل والتعاون والتحاب والتواد والتراحم، والتواصي بالبر والعدل والإحسان، واحترام الشخصية الإنسانية التي كرمها الله عز وجل.
أما الدعامة الرابعة، تتمثل في أن الإسلام لا ينظر إلى المعاملات الاقتصادية على أنها مجرد معاملات بين الناس بعضهم مع بعض فحسب بل ينظر إليها كذلك على أنها معاملات بين العبد وربه، ولا يجعل ثواب من يسير على تعاليمه في شؤون الاقتصاد مقصورا على ما عسى أن يناله من خير في الدنيا بل يعده كذلك بأجره في الآخرة.
أخيرا، تأتي الدعامة الخامسة، التي تتمثل في أن الإسلام ينظر إلى التملك على أنه وظيفة اجتماعية يقوم صاحبها بإنفاق المال على مستحقيه، وينظر إلى المال على أنه مال الله، وإلى المالك على أنه مستخلف في ثروته من قبل الله، لإنفاقها في سبيله.
وفي ضوء ذلك يذكر المؤلف أن النظام الاقتصادي في الإسلام نظام نسج وحده، منقطع النظير بين النظم الاقتصادية المطبقة في الوقت الحاضر، لا يدانيه نظام في دقته وسموه، ومبلغ تحقيقه لخير الأفراد والجماعات ومبدأ المساواة في شؤون الاقتصاد له مقوماته ومثاليته الخاصة به.
ويذكر المؤلف أن الإسلام حرم تحريما قاطعا جميع طرق الكسب غير السليم، وهي الطرائق التي تقوم على الربا أو الرشوة أو استغلال النفوذ والسلطان أو على غش الناس أو ابتزاز أموالهم بالباطل أو انتهاز حالات عوزهم وحاجاتهم، وقد حقق الإسلام بذلك عدة أهداف سامية، فأوصد أهم الأبواب التي تؤدي عادة إلى تضخم الثروات في يد بعض الأفراد.
وحقق الإسلام كذلك بموقفه هذا غرضا إنسانيا مهما وهو أن تقوم العلاقات الاقتصادية بين الناس على دعائم من التكافل والتراحم والتعاطف والتواصي بالصدق والعدل بالإضافة إلى دفع الناس إلى العمل والكد لكسب المال وتنميته، وصرفهم عن الكسل والبطالة والطرق الوضعية التي تأتي بالكسب والتنمية بدون جهد ولا عناء.
ويواصل المؤلف حديثه عن تحريم الإسلام لطرائق الكسب غير السليم، فيذكر: ان الإسلام حرم كذلك استغلال النفوذ والسلطان للحصول على المال، وحرم امتلاك ما يأتي عن هذا الطريق، وأجاز لولي الأمر مصادرته واستيلاء بيت المال عليه لانفاقه في المصالح العامة للمسلمين وعلى ذوي الحاجات منهم، أي تقل ملكيته من الملكية الفردية إلى الملكية الجماعية.
ويؤكد المؤلف أن الإسلام هو أول من سن قانون «الكسب غير المشروع أو قانون «من أين لك هذا؟» كما يسمى في الوقت الحاضر، وأول من طبق هذا المبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه، وطبق هذا المبدأ في نطاق واسع من بعد الرسول عليه الصلاة والسلام عمر بن الخطاب في أيام خلافته، فكان يصادر ما كان يكسبه الولاة من أعمال لا يجوز لهم الاشتغال بها للتجارة وما إليها وكان يأتيهم من هدايا وأموال نتيجة لاستغلال نفوذهم وجاههم.
ويخلص المؤلف أن شريعة الإسلام قد وصلت في مبلغ حرصها على تقرير المساواة بين الناس في شؤون الاقتصاد إلى شأن رفيع لم تصل إلى مثله ولا إلى ما يقرب منه أية شريعة أخرى من شرائع العالم قديمة وحديثة.
القاهرة ـ أيمن عثمان: