أصدر المشاركون في قمة قادة رجال الأعمال العرب والمسؤولية البيئية التي عقدت في أبوظبي أمس «إعلان أبوظبي» الذي يؤكد التزام رجال الأعمال بعدد من المسؤوليات التي تهدف إلى المساهمة في المحافظة على البيئة، وأكد الإعلان أن خيارات رجال الأعمال المفضلة ستكون الكفاءة البيئية وأساليب الإنتاج الأنظف وتقنيات العمل الأخضر وتجنب التلويث لأنها الضمانة الوحيدة لهم للمنافسة محلياً وإقليمياً وعالمياً.

ووفقاً للإعلان فإن رجال الأعمال ملتزمون بإدماج الاعتبارات البيئية في عملياتهم داخل الشركات وخارجها واعتماد استراتيجيات بيئية وقائية في أعمالهم على جميع المستويات إضافة إلى العمل على تطوير حلول خلاّقة تبدّل الأولوية من «المعالجة عند نهاية الأنبوب» إلى استراتيجيات وقائية، ودعم توفير منتجات وخدمات مطابقة للمعايير البيئية والصحية. كما يلتزم رجال الأعمال بتخفيف استهلاك الطاقة والمياه في أعمالهم بنسبة 20 في المئة مع حلول سنة 2012 واعتماد القوانين البيئية الوطنية والدولية التي تنطبق على عملياتهم ومجالات عملهم والعمل على تطوير واعتماد أهداف أخرى طوعية وتشجيع عملائهم وشركائهم ومورديهم على القيام بالمثل. ويتضمن إعلان أبوظبي قيام رجال الأعمال بمراجعة دورية بيئية داخلية لعملائهم وإعلان النتائج وإعداد ونشر تقارير عن سياساتهم البيئية والتدابير التي تم اتخاذها لتشجيع إدخال الاعتبارات البيئية في عملياتهم.

وطالب رجال الأعمال برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة والمنتدى العربي للبيئة والتنمية مساعدة الشركات العاملة في المنطقة العربية على تطوير مبادئ وأهداف هذا الإعلان والالتزام بها، عن طريق توفير الدعم التقني والتدريب والمعلومات المتعلقة بالممارسات الأفضل، التي تساعد في تحقيق المسؤولية البيئية لقطاع الأعمال.

وكان معالي محمد سعيد الكندي وزير البيئة والمياه قد افتتح القمة التي نظمتها هيئة البيئة بأبوظبي بالتعاون مع المنتدى العربي للبيئة والتنمية أمس في قصر الإمارات بأبوظبي حيث أكد على اهتمام دولة الإمارات في ظل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ،حفظه الله، تولي اهتماماً خاصاً لقضية المسؤولية البيئية.

وقال إن الرعاية الكريمة لهذه القمة من قبل الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، توضح بشكل جلي الأهمية التي توليها الدولة لقضية المسؤولية البيئية في قطاع الأعمال، خاصة في ظل الطفرة التنموية التي تشهدها في الوقت الحاضر.

وأشار إلى أن النمو الاقتصادي المطرد الذي شهده العالم خلال الفترة الماضية قد أفرز العديد من المشكلات البيئية التي نجمت أساساً عن الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، وعن توليد كميات كبيرة من الانبعاثات والنفايات وأثارت الضغوط والتحديات التي أفرزها النمو الاقتصادي ردود فعل من قبل الحكومات والمجتمع المدني على حدٍ سواء، تركزت على المطالبة بضبط هذا النمو على نحوٍ يأخذ في اعتباره البعد البيئي على محمل الجد.

وقال معالي الوزير إن هذا الاهتمام الواسع بقضية المسؤولية البيئية ساهم في ظهور المزيد من المبادرات وانضمام عدد متزايد من المؤسسات الاقتصادية في القطاع الخاص لها، بيد أن غالبية هذه المبادرات تتركز في الدول الغربية، وظل القطاع الخاص في معظم البلدان النامية، بما في ذلك بلدان العالم العربي، ينظر إلى الاعتبارات البيئية على أنها تشكل قيداً على النمو الاقتصادي وتكلفة لا مبرر لها.

وبالرغم من ظهور بوادر مهمة على تغير تلك النظرة في السنوات الأخيرة، إلاّ أنها، للأسف، تكاد تكون مقتصرة على المؤسسات الاقتصادية الكبرى، في حين أن الآلاف من المشاريع الاقتصادية المتوسطة والصغيرة في العالم العربي لا تزال عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من الاشتراطات البيئية الأساسية التي تضعها الحكومات، ناهيك عن الالتزام بمبدأ المسؤولية البيئية أو الاجتماعية.

وقال: قد يعزى ذلك لمجموعة من المعوقات منها على سبيل المثال: التكلفة المالية، ومستوى الوعي وعدم إدراك الفرص المستقبلية الواسعة للالتزام البيئي.

بالإضافة إلى قصور آليات الرقابة والدعم الفني والتقني وغياب الحوافز والدور غير الفاعل للمجتمع المدني، والتي ندعو المشاركين في هذه القمة إلى مناقشتها باستفاضة واقتراح الحلول المناسبة للتغلب عليها، إذ ان هذه المعوقات وغيرها تجعل، من المتعذر دفع عدد أكبر من المؤسسات الاقتصادية في القطاع الخاص إلى الانخراط في مبادرات المسؤولية البيئية في الوطن العربي.

والتغلب على هذه المعوقات لن يتأتى إلاّ بتعاون وثيق بين الحكومات وقطاع الأعمال ومنظمات المجتمع المدني. ولهذا فإن هذه القمة مدعوة إلى النظر في بناء إطار عمل يضع أسس وقواعد هذا التعاون.

وأكد ان دولة الإمارات التي تشهد طفرة تنموية هائلة، أولت القطاع الاقتصادي أهمية بالغة، وقدمت له الكثير من التسهيلات التي جعلت منه أحد أعمدة الاقتصاد الوطني المهمة. وقد أكدت استراتيجية الحكومة الاتحادية التي أعلنتها الدولة في شهر إبريل الماضي على أهمية الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، ودعت إلى إقامة مبادرات مشتركة بين القطاعين في كل المجالات.

وأشار معالي الوزير في كلمته إلى أجندة السياسة العامة 2007- 2008 التي أعلنتها حكومة أبوظبي والتي أكدت على تطوير سياسات وطنية تدعم الالتزام البيئي. ولم تحصر الأجندة الاعتبار البيئي في عنوان واحد، بل أدخلته في جميع فصولها من الطاقة إلى النقل والسياحة والتخطيط العمراني والتربية، وهي خطوة كبيرة على الطريق الصحيح.

وذكر الكندي أنه وانطلاقاً من إدراكها لأهمية هذا القطاع، ولأهمية المسؤولية البيئية وتحقيق التكامل بين التنمية والبيئة، عملت دولة الإمارات العربية المتحدة جاهدة، ولا تزال، من أجل جذب أكبر عدد ممكن من المؤسسات الاقتصادية لتبني هذا المفهوم من خلال العديد من الطرق والوسائل، وأسفرت الجهود التي بُذلت في هذا السياق عن تطبيق عدد متزايد من شركات القطاع الخاص، ليس لمبدأ المسؤولية البيئية فحسب، بل ومبدأ المسؤولية الاجتماعية.

وقال انه وبالرغم من أهمية التزام قطاع الأعمال بالمعايير والمقاييس البيئية، إلاّ أننا في دولة الإمارات العربية المتحدة نتطلع إلى أبعد من ذلك... نتطلع إلى قيام مبادرات طوعية تضع حماية الإنسان والنظم البيئية في مقدمة اهتماماتها.

ونحن ندرك أن طريق المسؤولية البيئية ليس أمراً يسيراً وأن تكلفته المالية مهما كانت عالية، إلا أنها بالتأكيد أقل تكلفة بكثير من الثمن الذي يتوجب علينا دفعه لإصلاح الأضرار المستقبلية، في غياب الاعتبارات البيئية.

وأشار شفقت كاكاكهيل، الأمين العام المساعد للأمم المتحدة، ونائب المدير التنفيذي ببرنامج الأمم المتحدة للبيئة في كلمته إلى المبادئ التي يعتمدها برنامج الأمم المتحدة للبيئة لإظهار المسؤولية البيئية والتي تتضمن إعادة تحديد رؤية وسياسات واستراتيجيات الشركات لإدراج (خط الأساس الثلاثي) للتنمية المستدامة والذي يشمل الازدهار الاقتصادي، ونوعية البيئة والعدالة الاجتماعية.

بالإضافة إلى وضع أهداف ومؤشرات الاستدامة (الاقتصادية والبيئية والاجتماعية)، وتأسيس برنامج الإنتاج والاستهلاك المستدام بوجود أهداف محددة للأداء، كذلك العمل مع الموردين لتحسين الأداء البيئي، وتوسيع نطاق المسؤولية لتشمل سلسلة الإنتاج والإمداد، واعتماد مواثيق التطوعية، وأدلة الممارسة في المبادرات العالمية والقطاعية، وضمان الشفافية وعدم الانحياز مع الجهات المعنية.

وقال الدكتور مصطفى كمال طلبة، رئيس المنتدى العربي للبيئة والتنمية ان هذا المؤتمر هو أول نشاط كبير يقوم به المنتدى العربي للبيئة والتنمية بعد إنشائه رسمياً هذا العام واستضافه لبنان لمقر أمانته العامة.

وأضاف أنه تم اختيار هذا الموضوع بالذات كباكورة للمؤتمرات التي يسعى إلى عقدها لسببين: الأول ان دولة الإمارات العربية المتحدة قد استضافت في دبي منذ خمسة أشهر الجزء الآخر من مسؤولية مؤسسات الأعمال العرب، وهو المسؤولية الاجتماعية التي ضمت رجال أعمال من ثماني عشرة دولة.

والسبب الثاني هو إيماننا الراسخ في المنتدى العربي للبيئة والتنمية ان اقتصاد السوق ـ الذي يلعب فيه القطاع الخاص ورجال الأعمال المسؤولون عنه دوراً أساسياً ـ قد أصبح هو القاطرة الرئيسية التي تسحب قطار التنمية في المنطقة العربية.

وأشار إلى أن هذا حدث تماشياً مع التطور الاقتصادي والسياسي على مستوى العالم ـ وقد أصبحت المسؤولية البيئية للشركات ومؤسسات الأعمال الكبرى في العالم في العقود الثلاثة الأخيرة ركناً هاماً من أركان وضع السياسات والخطط لعمل تلك المؤسسات.

وأضاف أن هذا الاقتناع لم ينشأ من قبل رجال الأعمال من فراغ بل نشأ عن وعي كامل ـ تدعمه النتائج والأرقام ـ بأن إدخال الاعتبارات البيئية في تخطيط برامج التنمية، وخاصة التنمية الصناعية، لا يشكل عبئاً على اقتصاديات المؤسسة، وإنما ثبت أنه استثمار له عائد، وعائد مجزٍ.

وأشار إلى أن كل ذلك انتهى بنا إلى مفهوم الإنتاج الأنظف الذي يستند إلى إدارة كل عمليات الإنتاج من التنقيب عن المواد الأولية ونقلها إلى تصنيعها واستخدام المنتج والتخلص منه بعد انتهاء عمره الافتراضي بطرق آمنة وسليمة بيئياً.

بل تعدى هذا إلى مراجعة العوامل الاجتماعية التي تؤدي إلى الحاجة إلى المنتج للعمل على تغيير سلوك المجتمع بما يضمن الإقلال من استخدام أي منتج له آثار ضارة على الصحة والبيئة ومصادر الثروة الطبيعية.

ثم استعرض نجيب صعب أمين عام المنتدى العربي للبيئة والتنمية استجابة قطاع الأعمال للتحديات البيئية، مشيراً إلى أنه قبل 100 عام كان عدد سكان العالم العربي بالكاد يتجاوز 50 مليوناً، واليوم يصل هذا العدد إلى 350 مليون نسمة.

حيث يعيش 100 مليون منهم تحت خط الفقر ويفتقدون الخدمات الأساسية، 65 مليوناً من بينهم أميون، و15 دولة من أصل 22 دولة عربية تقع تحت خط الفقر المائي. وأضاف أن ملايين من العرب استطاعوا خلال العقود الماضية أن يحققوا تطوراً اقتصادياً واجتماعياً خاصة بسبب الثروة النفطية، ولكن ماذا كان الثمن، وهل التنمية التي نشهدها يمكن أن تستمر؟

واستعرض صعب أبرز التحديات البيئية في المنطقة العربية، حيث أشار إلى أنه خلال سنوات قليلة ستصل حصة الفرد العربي من المياه إلى أقل من نصف المستوى العالمي لفقر المياه، و 80 في المئة من مياه المنطقة يستخدم في الزراعة وغالباً بأساليب تؤدي إلى الهدر.

وفي مجال النفايات، ذكر أن العرب ينتجوا نحو 300 ألف طن من النفايات المنزلية الصلبة يومياً، معظمها ينتهي إلى مكبات عشوائية ويتجاوز إنتاج الفرد من النفايات في بعض المدن العربية جميع المعدلات العالمية.

أبوظبي ـ ماجدة ملاوي