أمل طفلة رضيعة لم تكمل عامها الأول، لا تنام على سرير أطفال ولا على أنغام ألحان طفولية ولا في حضن أمها الحنون، وإنما تنام على سرير المرض والمعاناة في مستشفى دبي، تتنفس على أجهزة صناعية وتتغذى على حقن الجلوكوز بعد توقف رئتها عن العمل بشكل طبيعي. والدتها التي يعتصرها الألم جفت مآقيها لشدة ما ذرفت من دموع، وطلب والدها إرشاده إلى مركز متخصص خارج الدولة يمكن أن يزرع فيه رئة لـ «أمل» يعيد لها «أمل» الحياة الطبيعية بين إخوتها الثلاثة وأقرانها من الأطفال.

أما مسعد رمضان عبدالله سعده، فهو شاب يعيل أسرة تتكون من خمسة أفراد براتب بالكاد يسد رمقه، يعاني من التهاب الكبد الوبائي «فيروس سي»، انفق كل ما ادخره أيام الرخاء على العلاج، وبعد فترة من العلاج أخبره طبيبه المعالج بأنه بحاجة إلى زراعة كبد على وجه السرعة في مركز متخصص في الصين ويحتاج إلى 80 ألف دولار أميركي. مسعد بدأ يطرق أبواب الجمعيات الخيرية وأهل الخير في الإمارات حتى تمكن من جمع المبلغ، فاستقل أول طائرة إلى بكين، وهناك بدأت المفاجآت تنهال عليه الواحدة تلو الأخرى كالصاعقة، فقد فوجئ أولا بان عليه الانتظار فترة تتراوح بين شهرين وثلاثة شهور لإيجاد الكبد. والمفاجأة الكبرى هي أن تكاليف العملية ارتفعت إلى 150 ألف دولار.

حمل مسعد أمتعته وعاد يحمل جرحا جديدا في القلب لحال الرعاية الصحية في دولنا العربية من جهة، وحالته المادية من الجهة الأخرى، ينتظر عسى أن يجد من يساعده على استكمال المبلغ المطلوب للعلاج. حالتا أمل ومسعد ليستا الوحيدتين في الوطن العربي اللتين تحتاجان لزراعة الأعضاء، وإنما هناك الآلاف من المرضى ممن يصارعون الألم بصمت ويتهددهم الموت في كل حين ما لم يتم الاستعاضة عن أعضائهم التالفة بأعضاء أخرى جديدة من إنسان آخر.

هؤلاء المرضى لم يقنطوا من رحمة الله ولم يفقدوا الأمل بل ما زالوا يعيشون على حلم أن يصحوا يوما على قرار يجتمع فيه علماء الدين على رأي يمهد الطريق أمام الجامعة العربية إصدار قانون زراعة الأعضاء المعطل منذ سنوات يتيح المجال لوزراء الصحة العرب إنشاء «مركز عربي لزراعة الأعضاء» تحت مظلة الجامعة العربية، أسوة بالاتحاد الأوروبي.

علماء الدين والطب المسلمين وعلى رأسهم هيئة علماء المسلمين أصدروا في بداية الثمانينات من القرن الماضي الأحكام والفتاوى المؤيدة لنقل الأعضاء من المتبرعين الأقارب وغير الأقارب، لا بل وحتى من الأموات إلى الأحياء وفق ضوابط أخلاقية تمنع المتاجرة بالأعضاء، واشتراطات طبية صارمة للتأكد من الوفاة وموت الدماغ قبل الإقدام على نقل الأعضاء من المتوفى والحصول على موافقة ذويه.

لكن بعض الدول لم تأخذ بهذه الفتاوى بسبب موقف علماء الدين لديها، الذين ما زالوا يصرون على أن أخذ الأعضاء من المتوفين دماغيا لا يجوز لان الجسد ملك لله وليس من حق أحد أن يتصرف به حتى لو كان ضمن وصية المتوفى.

هذه المواقف وغيرها ما زالت تقف عقبة أمام تبني الجامعة لقانون زراعة الأعضاء، وما زال مشروع المركز العربي لزراعة الأعضاء لعشرات الآلاف من المرضى من مختلف الأعمار ممن هم بحاجة إلى زراعة الأعضاء، حلما يراودهم بانتظار حل الخلافات القائمة بين علماء الدين.

وأمام هذا التعثر وتدني مستوى خدمات الرعاية الصحية في معظم بلداننا العربية اضطر مئات المرضى العرب ممن تسمح إمكانياتهم المادية أو ممن باعوا ممتلكاتهم للسفر إلى الخارج لزراعة الأعضاء وقعوا فريسة سهلة لسماسرة تجارة الأعضاء في بعض دول شرق آسيا ودفعوا مبالغ خيالية، ولكنهم للأسف عادوا بأمراض خطيرة نقلوها لعائلاتهم وأقاربهم ومجتمعاتهم ومنها على سبيل المثال لا الحصر نقص المناعة المكتسبة «الايدز»، والتهاب الكبد الوبائي، ورحلوا عن الدنيا بتركة ثقيلة لأسرهم وعائلاتهم.

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هنا، لماذا لا يتحرك مجلس وزراء الصحة العرب في الجامعة العربية لحل الجدل الدائر منذ عشرات السنين وإنشاء مركز متخصص لزراعة الأعضاء تحت مظلة الجامعة حتى ولو كان من المتبرعين الأحياء، خاصة وان العديد من الدول العربية لا تملك الإمكانيات المادية والتقنية ولا حتى الكوادر الطبية التي تمكنها من افتتاح مثل هذه المراكز؟.

ولماذا لا يتم دعوة رجال الدين تحت مظلة الجامعة لمؤتمر يحل الإشكاليات القائمة؟. أم أن المواطن العربي المحتاج للزراعة ويئن من المرض والألم ليل نهار لم يصل صوته بعد لأصحاب الشأن وصناع القرار؟

ولماذا أيضا لم يتحرك مجلس وزراء الصحة العرب لإنشاء موقع الكتروني على شبكة المعلومات العالمية لتسجيل البيانات المتعلقة بالمرضى والمتبرعين ومن ثم توجيه المرضى للمراكز المبعثرة هنا وهناك، بدلا من الاكتفاء بإصدار البيانات والقرارات التي لا تساوي الحبر الذي تكتب به؟. وما سبب غياب حملات التوعية لتثقيف الناس بأهمية التبرع بالأعضاء طالما أنها تعتبر في نظر الشرع صدقة جارية؟. التحقيق التالي يسلط الضوء على هذه المشكلة التي نأمل أن تجد يوما ما آذانا صاغية لدى المسؤولين وأصحاب القرار.

استطلاع

في استطلاع أجرته «البيان» عبر الهاتف شمل 230 مواطنا ومقيما في الدولة حول ما إذا كان هناك حاجة لإنشاء مركز عربي لنقل وزراعة الأعضاء أجاب 63% (145شخصاً) بنعم هناك حاجة ملحة، فيما رأى 19% (44 شخصاً) ممن شملهم الاستطلاع صعوبة تحقيق ذلك بسبب تباين المواقف بين الدول العربية وصعوبة توفير الدعم المالي واللوجستي، في حين أجاب 18% (41 شخصاً) منهم بلا ندري.

في المقابل أجمع مسؤولون من مختلف الجهات الصحية في الدولة وخارجها على ضرورة العمل على إصدار قانون موحد لزراعة الأعضاء على مستوى الدول العربية ونبذ الخلافات المتعلقة بالجوانب الإنسانية جانبا أو على الأقل إيجاد آلية للتنسيق بين الدول العربية تحت مظلة الجامعة خاصة وان الاتحاد الأوروبي سبقنا بسنوات طويلة في هذا المجال وقوانين وتشريعات الدول المتقدمة تحظر زراعة الأعضاء لغير مواطنيها، ولدينا تجارب ناجحة ومتقدمة في مجال نقل وزراعة الأعضاء في بعض الدول العربية.

تباين المواقف

الدكتور فيصل الشاهين مدير عام المركز السعودي لزراعة الأعضاء ورئيس جمعية الشرق الأوسط لزراعة الأعضاء أكد أن تبني الجامعة العربية لموضوع إنشاء مركز عربي لزراعة الأعضاء كان يفترض أن يتم منذ سنوات طويلة، ولكن للأسف، الفجوة والتباين القائم ـ لغاية الآن ـ بين بعض الدول نتيجة تباين موقف رجال الدين حول ما يتعلق بموضوع نقل وزراعة الأعضاء من المتوفين دماغيا ما زال قائما، وما زال يقف حجر عثرة حتى أمام إصدار قانون عربي موحد لزراعة الأعضاء.

وأشار إلى أن جمهورية مصر العربية مثلا لديها مراكز جيدة لزراعة الأعضاء ولكن تمنع نقل وزراعة الأعضاء من المتوفين دماغيا، والحال كذلك مع بعض الدول الأخرى فكيف يمكن للجامعة تبني فكرة إنشاء المركز ما لم يكن هناك إجماع من قبل جميع الدول.

ويرى رئيس جمعية الشرق الأوسط لزراعة الأعضاء أن الجامعة بإمكانها مبدئيا إنشاء موقع الكتروني يتم فيه جمع البيانات والمعلومات المتكاملة عمن هم بحاجة لزراعة الأعضاء والمتبرعين ومن ثم التنسيق بين الدول كخطوة أولى لحين تخطي الخلافات القائمة حاليا.

وأوضح أن كل عمل جماعي لا بد وأن تعتريه بعض العراقيل والعقبات، لافتا إلى أن اللجنة الخليجية لزراعة الأعضاء التي رأت النور عام 1992، واجهت العديد من العوائق خلال مسيرتها، ولكنها استطاعت التغلب عليها من خلال الجهود الموحدة والمبذولة من دول الخليج كافة، وأصبح لدينا الآن دليل موحد لزراعة الأعضاء وشبكة لتسجيل الحالات التي تعاني من الفشل العضوي وهناك تعاون وثيق بين مراكز زراعة الأعضاء في دول الخليج ولاسيما الكويت والسعودية وقطر والبحرين.

قوائم انتظار

وقال إن هناك حاجة ماسة لتحرك عربي جماعي لإنشاء مركز متخصص لزراعة الأعضاء خاصة وان أعداد المرضى ممن هم بحاجة لزراعة الأعضاء في الدول العربية في ازدياد مطرد نتيجة انتشار بعض الأمراض، كاشفا عن انتظار أكثر من 2550 مريض كلى لمتبرعين لهم في الزراعة، ونحو 8500 مريض يعانون الفشل الكلي للكلى ويعيشون على أجهزة الترشيح الدموي والبروتوني في السعودية.

وحول توقعاته لعدد المرضى العرب ممن هم بحاجة إلى زراعة الأعضاء في الوطن العربي قال الدكتور فيصل الشاهين: من الصعب إعطاء أرقام دقيقة ومحددة ولكن النسب العالمية هي 120 شخصا لكل مليون شخص يصابون بفشل عضوي، ولو افترضنا أن العالم العربي تعداده 250 مليون نسمة فسيكون لدينا 30 ألف شخص بحاجة لزراعة أعضاء.

وأوضح الدكتور الشاهين أن مجلس الوزراء في المملكة وتشجيعا لعملية التبرع بالأعضاء قام مؤخرا بوضع عدد من الضوابط المنظمة لقبول التبرع بالأعضاء من الأحياء غير الأقارب يشمل المواطن والمقيم بشرط تطابق الجنسية وموافقة سفارة بلاده في المملكة، مقابل صرف مكافأة عينية للمتبرعين بعضو من أعضائهم أو جزء منها وذلك في خطوة تهدف للحد من المتاجرة بالأعضاء وإنهاء معاناة مرضى الفشل الكلوي والكبد، متوقعاً إجراء 300 إلى 400 عملية زراعة من المتبرعين في البرنامج الجديد خلال السنة الأولى من البدء فيه.

الأرقام تؤكد النجاح

وأوضح أن الإنجازات التي حققها البرنامج السعودي لزراعة الأعضاء يمكن اعتبارها مؤشرا مهما لما قد تسفر عنه فكرة إنشاء مركز عربي لزراعة الأعضاء، لافتا إلى أن عدد حالات زراعة الكلى داخل المملكة منذ بداية البرنامج وحتى نهاية العام الماضي بلغت 3312 حالة من متبرعين أحياء و1672 حالة من متوفين دماغياً، في حين وصل عدد عمليات زراعة الكبد منذ بدء البرنامج عام 1990 وحتى نهاية العام الماضي 529 كبداً، منها 37 كبدا من أحياء أقارب و 49 من متوفين دماغياً مشيرا إلى أن 168 كبداً من المجموع الكلي زرعت لأطفال من متبرعين أحياء.

وفيما يتعلق بزراعة القلب أشار الدكتور فيصل الشاهين إلى انه تم خلال الفترة 1986 - 6002 زراعة 122 قلبا كاملا منها 13 زرعت كاملة العام الماضي، بالإضافة إلى 408 قلوب تم استخدامها كمصدر للصمامات منها 52 قلباً العام 2006.

وقال بأن عدد القرنيات المزروعة داخل المملكة منذ بداية البرنامج عام 1983م تجاوز 15 ألفا، منها 536 تم استئصالها محلياً، في حين بلغ عدد عمليات زراعة البنكرياس منذ بداية البرنامج في العام 1990م وحتى الآن 10 عمليات، بالإضافة إلى 27 رئة تمت زراعتها منذ العام 1991.

وفي إطار برنامج تبادل الأعضاء بين المملكة العربية السعودية وكل من اسبانيا والكويت وقطر فقد تمت الاستفادة من 36 كلية، 42 كبدا، 6 قلوب كاملة، 37 قلبا للصمامات البشرية و 4 رئات.

بحاجة إلى قوانين

الدكتور علي بن شكر وكيل وزارة الصحة في دولة الإمارات قال بان فكرة إنشاء مركز عربي لزراعة الأعضاء فكرة جيدة، ولكن كون هذه الفكرة ما زالت حلما، يمكن للجامعة العربية ومن خلال مجلس وزراء الصحة العرب أن تتحرك الآن لتبني دراسة توثيقية بين كافة الدول العربية وإنشاء مركز لتبادل المعلومات.

والتنسيق مع وزارات الصحة في كل دولة من الدول الأعضاء في الجامعة للوقوف على أعداد المرضى ممن هم بحاجة إلى زراعة الأعضاء والتنسيق مع المراكز المتخصصة القائمة في بعض الدول ولدينا مراكز جيدة في بعض الدول العربية حققت نتائج ممتازة في زراعة الكلى وغيرها وتوجيه المرضى إليها.

وقال إن الدول العربية ورغم مرور أكثر من ستة عقود على إنشاء الجامعة ما زالت بحاجة إلى بعض القوانين الموحدة ومنها قانون لنقل وزراعة الأعضاء وقانون لبنك الأعضاء وتشريعات واليات تنظم العمل في هذين القطاعين.

في طور التفعيل

وأشار وكيل وزارة الصحة إلى أن هناك قانونا لزراعة الأعضاء في الدولة صدر من بداية التسعينات من القرن الماضي ولكن للأسف هذا القانون لم يفعل لان زراعة الأعضاء حينها لم تكن مدرجة ضمن أولويات وزارة الصحة، ولكننا في طور إعادة النظر في كافة الجوانب القانونية والتشريعية التي تنظم العمل في زراعة الأعضاء في الدولة، تمهيدا للدخول في هذا القطاع، خاصة وان الإستراتيجية العامة للدولة تؤكد على ضرورة تطوير الخدمات الصحية والعلاجية وتحويل الإمارات إلى وجهة للسياحة العلاجية.

وأوضح الدكتور علي بن شكر أن دولة الإمارات لديها تعاون وثيق مع جمهورية مصر العربية فيما يتعلق بزراعة الأعضاء وتقوم بإرسال مرضى الكلى والمتبرعين لإجراء عمليات زراعة الكلى وقريبا سيتم توقيع اتفاقية بهذا الشأن بين البلدين، تشتمل أيضا على تدريب الأطباء المواطنين في المراكز المتخصصة بزراعة الأعضاء لإكسابهم الخبرات العملية المطلوبة في هذا المجال.

موقع الكتروني

الدكتور محمود فكري وكيل وزارة الصحة المساعد لشئون الطب الوقائي «الإمارات» أيد بدوره فكرة تبني مجلس وزراء الصحة العرب في الجامعة إنشاء مركز عربي متخصص لنقل وزراعة الأعضاء تحت مظلة الجامعة أسوة بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية.

ويرى أن تبني الجامعة العربية للمشروع قد يواجه بعض العقبات خاصة وان مثل هذا المشروع يحتاج إلى ميزانيات وإمكانيات ضخمة ودعم لوجستي، ولكن بإمكان المجلس تفعيل القانون الاسترشادي وإنشاء موقع الكتروني على شبكة الانترنت باسم الجامعة يتم فيه إدخال البيانات المتعلقة بالمرضى والمتبرعين ومن ثم التنسيق مع المراكز القائمة في بعض الدول كخطوة أولى وبعدها ربما تتطور الفكرة لإنشاء مركز عربي لنقل وزراعة الأعضاء، ولكن علينا التحرك وعدم الاكتفاء بدور المتفرج حيال ما يجري من تطورات عالمية سريعة ومتلاحقة.

وأشار الدكتور فكري إلى أن بعض الدول الأوروبية والدول الغربية لديها قوانين صارمة تحظر عملية نقل وزراعة الأعضاء للأجانب وبالتالي نجد أعدادا كبيرة من المرضى العرب يتوجهون إلى بعض دول شرق آسيا التي تنتشر فيها تجارة الأعضاء ولكنهم للأسف يعودون بأمراض ومضاعفات خطيرة تشكل خطورة على أسرهم ومجتمعاتهم.

وحول التنسيق بين الدول الخليجية يقول الدكتور محمود فكري: التنسيق موجود وقائم وهناك لجنة خليجية لزراعة الأعضاء تضم هيئة تنفيذية يقوم كل عضو في الهيئة بالتنسيق مع المكتب التنفيذي في الرياض، وهناك عدد من مواطني الدولة استفادوا من البرنامج الخليجي لزراعة الأعضاء، ولكن نتمنى توسيع هذا النطاق ليشمل جميع الدول العربية خاصة وان هناك بعض الدول لا تملك الإمكانيات ولا الكوادر الطبية والفنية المتخصصة.

وحول غياب حملات التوعية لحث الناس على التبرع بالأعضاء طالما أن الفتاوى الشرعية اعتبرتها صدقة جارية قال الدكتور فكري: تنظيم حملات توعية يحتاج إلى برنامج متكامل لنقل وزراعة الأعضاء وفي حال عدم وجود البرنامج تصبح حملات التوعية عديمة الجدوى.

الجوانب الفنية

وحول المعوقات التي قد تعيق تحقيق مثل هذا الحلم من النواحي الفنية قال الدكتور فكري، بالنسبة لزراعة الكلية لا يوجد هناك معوقات طالما وجد المتبرع، فالمريض والمتبرع بإمكانهما الذهاب لأي مركز متخصص واخذ موعد ومن ثم إجراء العملية، ولكن بالنسبة لأخذ الأعضاء من المتوفين دماغيا فهي عملية معقدة تحتاج إلى إمكانيات كبيرة منها التنسيق بين المستشفيات وأسماء المرضى المحتاجين لزراعة الأعضاء حسب الأولوية «عمر المريض ومدى حاجته، والأمراض الأخرى التي يعاني منها».

وتحتاج أيضا في هذه الحالة إلى فريق طبي متخصص وطائرات تكون دائما على أهبة الاستعداد على مدار الساعة للانتقال إلى مكان حدوث الوفاة الدماغية لإحضار الأعضاء بعد الحصول على تقرير لجنة طبية وشرعية تؤكد وفاة المريض دماغيا وموافقته المسبقة أو موافقة ذويه، وبنفس الوقت تحضير المريض الذي ستجرى له عملية الزراعة.

خاصة وان الأعضاء المنقولة لها عمر زمني للاستفادة منها، فالقلب والرئة والكبد سبع ساعات والكلية تصل إلى 24 ساعة، وبالتالي الفكرة تحتاج لدعم مادي ولوجستي كبير. المملكة العربية السعودية وفرت هذا الدعم وبالتالي نجحت الفكرة ولكن هل بإمكان الدول العربية الأخرى توفير ذلك، هذا هو السؤال؟

حاجة ماسة

الدكتور فيصل البدري اختصاصي زراعة الكبد والكلى ورئيس قسم الجراحة في مستشفى راشد بدبي تحدث بمرارة عن موضوع زراعة الأعضاء في الدولة خاصة وان قوائم المرضى تزيد يوما بعد يوم بسبب انتشار أمراض السكري وضغط الدم وغيرها.

مشيرا إلى أن هناك أكثر من 400 مريض يعانون من الفشل الكلوي الكامل مسجلين في دائرة الصحة والخدمات الطبية، نسبة كبيرة منهم لديهم متبرعون إضافة إلى 60 مريضا بحاجة إلى زراعة الكبد ناهيك عن أعداد المرضى المسجلين في القطاع الخاص والجهات الصحية الأخرى، وبالتالي الإمارات بحاجة لمركز متخصص لنقل وزراعة الأعضاء من المتبرعين كخطوة أولى، وبعدها نتجه للخطوة الثانية وهي زراعة الأعضاء من المتوفين دماغيا.

التكاليف

ويضيف أن الإمارات هي الدولة الخليجية الوحيدة التي لا يوجد فيها مركز لزراعة الأعضاء لغاية الآن علما بأن زراعة الأعضاء على المدى البعيد ارخص وأوفر لأي دولة من صرف الأدوية، وارخص من إرسال المرضى للخارج لإجراء العمليات، مشيرا إلى أن عملية زراعة الكبد في الدولة مثلا قد لا تزيد كلفتها على 300 ألف درهم في حين تصل في الصين إلى 500 ألف درهم.

وفي أوروبا وسنغافورة إلى 750 ألفا بينما تصل في الهند إلى حوالي 190 ألف درهم، وفي حال افترضنا أن المريض بقي طوال عمره يعيش على الأدوية ترتفع التكاليف إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف، وهذا استنزاف للموارد المادية والكوادر الوطنية.

ويرى الدكتور البدري بأن عملية المتابعة اليومية للمرضى الذين تتم لهم عمليات الزراعة تعتبر أهم من عملية الزراعة نفسها، لان احتمالات رفض الجسم للعضو المزروع أو حدوث المضاعفات كالالتهابات وغيرها عالية جدا ومعظم المرضى الذين يموتون بعد زرع الأعضاء يموتون بسبب عدم متابعتهم طبيا لغياب المراكز المتخصصة.

من يتبنى الفكرة؟

الدكتور أمين بن حسين الأميري وكيل وزارة الصحة المساعد مدير إدارة خدمات نقل الدم بوزارة الصحة قال: ان عمليات زراعة الأعضاء في الدولة ممكنة، ولكن في حال وجود من يتبنى الفكرة. ويضيف: الدول العربية التي نجحت في نقل وزراعة الأعضاء بدأت من الصفر ولكنها وجدت من يدعم ويتبنى الفكرة.

وفي المقابل جميع الدول العربية لديها قوانين وضوابط تنظم عملية نقل وزراعة الأعضاء ولكنها بقيت حبرا على ورق لعدم وجود من يتبنى ويدعم الفكرة وافتقار العديد من الدول لنظام التأمين الصحي الذي نجحت فيها الدول الغربية والأوروبية، خاصة وان مثل هذا النوع من العمليات يعتبر من العمليات المكلفة جدا.

ويقول الدكتور الأميري بأن التنسيق بين الدول العربية والجهات الدولية المعنية بنقل وزراعة الأعضاء ما زال مهمشا، مستشهدا بأن دولة الإمارات ما زالت لغاية الآن الدولة الوحيدة العضو في برنامج السجل العالمي لنقل وزراعة الخلايا الجذعية، الذي استفاد منه لغاية الآن سبعة مواطنين ثلاثة منهم تم إرسالهم بعد تنسيق الوزارة إلى مراكز عالمية وتمت عمليات زراعة النخاع لهم ويمارسون الآن حياتهم الطبيعية، لافتا إلى أن هناك 60 مواطنا تبرعوا بنخاع العظم، أسماؤهم مسجلة على الشبكة العالمية.

الظواهر السلبية

رئيس مركز زراعة الأعضاء في الكويت الدكتور مصطفى الموسوي بدوره قال إن استبدال الأعضاء السليمة بالأعضاء الحيوية التالفة يعتبر من أعظم الانجازات البشرية في العصر الحديث التي أنقذت آلاف المرضى من الموت أو المرض، معتبرا أن تجارة الأعضاء من أخطر الظواهر السلبية التي لطخت الصورة الناصعة لهذا الانجاز البشري حيث يستغل الأغنياء حاجة الفقراء ليشتروا أعضاءهم بأثمان بخسة وتذهب معظم الأموال إلى جيوب الوسطاء والأطباء.

وأشار إلى أن هذا العلاج الطبي الجراحي يرتبط بإجراء عمليات جراحية لا يمكن أن تتم إلا بتوفير هذه الأعضاء إما من شخص متبرع سليم وإما من شخص تبرع بها بعد الوفاة. وقد ثار حول هذه العمليات الجراحية الكثير من الآراء الاجتماعية والدينية والقانونية، وكذلك الطبية، ولقد تشعبت فيها لكن معظمها كان يؤيد هذا العمل الإنساني النبيل.

وأوضح أن تجارة شراء الأعضاء في العالم راجت في السنوات الأخيرة وهي امتهان لكرامات الناس حيث يسافر المرضى من دول غنية إلى دول فقيرة للحصول على أعضاء من الأحياء ومن الوفيات وقد تصدت لهذه الظاهرة عدة جهات عالمية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية والجمعية العالمية لزراعة الأعضاء مما دعا إلى إنشاء مؤسسة «فيرتر انسبلانت» واليوم العالمي للتبرع لزراعة الأعضاء لتسليط الضوء على هذه الظواهر السلبية وإيجاد الحلول اللازمة لتوفير الأعضاء للمحتاجين ضمن القوانين الدولية والأخلاقيات الطبية المقبولة.

تجربة ناجحة

وقال بأن الكويت بدأت في زراعة الأعضاء عام 1979 ببرنامج لزراعة الكلى، وفي العام 1984 تأسست الجمعية الكويتية لزراعة الأعضاء، وتم تسجيلها في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل كجمعية نفع عام «أهلية تطوعية» تضم مجموعة من الأشخاص المؤمنين بالعمل التطوعي والممتلكين للإحساس الصادق بالبذل والعطاء من أجل البشر عامة دون تمييز.

وأوضح أن القانون الكويتي لزراعة الأعضاء يجيز لكل شخص بلغ من العمر (21 عاماً) ويملك الأهلية القانونية أن يكون متبرعاً بالأعضاء بعد الوفاة للمحتاجين من المرضى ، وتقوم الجمعية بتوزيع بطاقات التبرع بالأعضاء على من يرغب في ذلك ويسجل الأفراد فيها رغبتهم في التبرع بأعضائهم بعد الوفاة، ومن ثم تعمد الجمعية إلى التنسيق مع قسم زراعة الأعضاء في المستشفيات المختلفة لتسجيل أسماء المتبرعين والعمل على تنفيذ الوصية عند حدوث الوفاة، ثم يتولى قسم زراعة الأعضاء زرع الأعضاء في المرضى عند تطابق الأنسجة.

وأوضح أن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت قامت بدعوة نخبة من علماء الدين والطب في المنطقة والعالم الذين أصدروا الأحكام المؤيدة لنقل الأعضاء من الأموات إلى الأحياء وذلك وفقاً لضوابط أخلاقية تمنع المتاجرة بالأعضاء، وطبقاً لعدة اشتراطات طبية صارمة للتأكد من الوفاة وموت الدماغ قبل الإقدام على نقل أعضاء من المتوفى والحصول على موافقة ذويه.

ولكن مع ذلك ما زال البعض متردداً بسبب عدم استيعابه للأحكام الطبية والشرعية، وهذا التشكيك في الأحكام ـ التي هناك إجماع عليها ـ سيعود بالضرر الكبير على المئات بل الآلاف الذين كان يمكنهم الاستفادة من عمليات نقل الأعضاء وإحياء الأمل لديهم وإعادة البسمة إلى شفاههم.

تعاون مع عدد من الدول

وأشار رئيس زراعة الأعضاء إلى التعاون بين الكويت وعدد من دول المنطقة في مجال زرع الأعضاء لاسيما مع السعودية، حيث تم إجراء 1110 عملية زرع كلية في الكويت خلال 25 عاماً، وبهذه الإحصائية تعتبر الكويت الأولى في مجال زراعة الكلى على مستوى دول الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا نسبة إلى عدد السكان وحجم المساحة.

المستقبل

وعن مستقبل زراعة الأعضاء في الكويت والوطن العربي بشكل عام قال: المستقبل يعتمد بالدرجة الأولى على توفير الأعضاء للزرع، و في ضوء الزيادة المستمرة للمرضى والتكاليف الباهظة لزراعة الكبد والقلب للمرضى الذين ترسلهم الدولة أو الدول العربية حالياً للخارج فإن المخرج الوحيد هو زيادة نسبة توفير الأعضاء من الوفيات الدماغية، مشيرا إلى أن نسبة الموافقة على التبرع من المرضى المشخصين بالموت الدماغي تزيد الآن على 45% والمطلوب مضاعفة هذه النسبة للحصول على العدد الكافي من الأعضاء لحل مشكلة الفشل العضوي.

برامج وطنية

وقال بأن أفضل طريقة لرفع نسبة الإقبال على التبرع يتطلب برامج وطنية تتبناها الدول أو المؤسسات الخيرية تقوم من خلالها مثلا بدفع مكافأة للمتبرع وتأمين صحي مدى الحياة لأن المتبرع بالتالي سينقطع عن عمله لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر وبالتالي يستحق تعويضا أو مكافأة لان الكلية لا تقدر بثمن واعتقد بأن هذه هي الطريقة الوحيدة للقضاء على تجارة الأعضاء.

ويضيف: النقطة الثانية زيادة نسبة المتبرعين من الوفيات الدماغية فسنويا هناك آلاف الأشخاص يموتون نتيجة للحوادث المرورية أو نزيف داخل الرأس أو حوادث مختلفة ونسبة كبيرة منهم يدفنون وبهم أعضاء سليمة مثل القلب والكبد وبالتالي يجب أن يكون هناك تشجيع للتبرع بالأعضاء من قبل دول مجلس التعاون من خلال اللجنة الخليجية لزراعة الأعضاء كما هو الحال في السعودية والكويت.

مشيرا إلى أن برنامج اخذ الأعضاء من المتوفين دماغيا زاد بشكل كبير في الكويت نتيجة لهذه الحوافز لافتا إلى أن 46% من الكلى التي يتم زرعها الآن هي من المتوفين دماغيا. وأشار إلى أن الكويت والمملكة العربية السعودية والبحرين قامت باتخاذ بعض الخطوات بهدف تشجيع عملية التبرع بالأعضاء ومن ضمنها توزيع بطاقات على جميع المواطنين والمقيمين تحتوي على خانة بالرغبة بالتبرع بالأعضاء وهناك الآن توصية بتعميم الفكرة على باقي الدول الخليجية عن طريق إدراج الرغبة بالتبرع على رخصة القيادة أو البطاقة المدنية لسد النقص الحاد بالأعضاء وتوفير حياة كريمة للمرضى وأسرهم.

نقص حاد

وحول العقبات التي تواجه عمليات زراعة الأعضاء وكيفية التغلب عليها يقول الدكتور نبيل محسن سالمين رئيس البرنامج الوطني لزراعة الأعضاء في سلطنة عمان: هناك نقطتان أساسيتان الأولى عالمية وتتمثل في الارتفاع المتواصل بأعداد مرضى الفشل الكلوي وبالتالي لا بد من العمل على تطوير برامج زراعة الأعضاء بصورة عامة والكلى بصورة خاصة في دول مجلس التعاون بشكل خاص والدول العربية بشكل اعم، من خلال تشجيع الأقارب على التبرع.

خاصة وان عملية التبرع هي عملية سليمة ونتائجها طبيبة جدا ويمكن للشخص المتبرع بالكلية أن يعيش حياة طبيعية دون مشاكل، والثانية تطوير برامج نقل الكلى من المتوفين دماغيا مشيرا إلى أن مجمع الفقه الإسلامي في السلطنة اصدر فتوى شرعية عام 1986 تقول بأن الموت الدماغي هو موت حقيقي وشرعي ويجوز اخذ الأعضاء من المتوفين دماغيا لزراعتها للمرضى المحتاجين وبهذه الطريق يمكن يتم سد الجزء الأكبر من احتياجات المرضى، وحول لمواطنين.

الأرقام في علم الغيب

أعداد المرضى العرب ممن هم بحاجة إلى زراعة الأعضاء في علم الغيب، ولا احد من وزراء الصحة العرب يمكنه إعطاء معلومات دقيقة عن حجم المشكلة في بلده ! فالبيانات غير متوفرة والشفافية مفقودة وحجم المشكلة في ازدياد مضطرد نظرا لارتفاع نسبة بعض الأمراض المزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم وغيرها من الأمراض التي تفتك بالعالم العربي.

الدكتور فيصل الشاهين مدير عام المركز السعودي لزراعة الأعضاء ورئيس جمعية الشرق الأوسط لزراعة الأعضاء أكد بان لا احد يستطيع أن يعطي أرقاما دقيقة حول أعداد المرضى ممن هم بحاجة إلى زراعة الأعضاء، ولكن افترضنا أن نسبة هؤلاء المرضى تتماشى مع النسب العالمية وهي 120 شخصا لكل مليون من السكان فهذا يعني أن لدينا 30 ألف مواطن عربي بحاجة إلى زراعة عضاء، على افتراض أن تعداد العالم العربي 250 مليون نسمة.

الأرقام التي وردت في التحقيق من بعض الدول حول من هم بحاجة إلى زراعة الكلى فقط تشير إلى أن حجم المشكلة اكبر بكثير وتؤكد ضرورة تحرك مجلس وزراء الصحة العرب لإنشاء مركز للمعلومات يتم فيه جمع كافة البيانات المتعلقة بالمرضى والمتبرعين والتعاون والتنسيق بين الدول الأعضاء لإيجاد الحلول الجذرية الناجعة لهؤلاء المرضى.

قرار هيئة كبار علماء المسلمين

قرر مجلس هيئة علماء المسلمين وبالإجماع « القرار رقم 99 وتاريخ 6/11/1402ه»

جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا دعت الحاجة إليه وأمن الخطر في نزعه وغلب على الظن نجاح زرعه كما قرر بالأكثرية ما يلي:

(1) جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.

(2) جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك.

أجهزة الإنعاش

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8 إلى 13 صفر 1407هـ الموافق 11 إلى 16 أكتوبر 1986م. بعد تداوله في سائر النواحي التي أثيرت حول موضوع «أجهزة الإنعاش» واستماعه إلى شرح مستفيض من الأطباء المختصين.

قرر ما يلي «القرار رقم (5) د3/07/86»: يعتبر شرعاً أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعاً للوفاة عن ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:

1. إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.

2. إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل. وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلاً لا يزال يعمل آلياً بفعل الأجهزة المركبة.

تحقيق: عماد عبدالحميد