قال الشيخ: نحن مع أنوار أبي بكر الصديق ومع الشذى الطيب الذي يفوح من سيرته وأيامه، تأملت في قول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وهو يصف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم (قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم من آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم) فقلت إن أبا بكر من خير ما جبل عليه وبه بشر إلا الأنبياء والرسل.
وقد جمع سبحانه وتعالى فيه الخلال العظيمة والشمائل الجليلة، والجمال في الخلق والخلق والهمة العالية، والصبر العظيم الذي قل أن يوجد بين البشر، فمن يليق بصحبة الكامل إلا الأقرب إلى الكمال. وإني محدثكم اليوم عن قصة ثاني اثنين، وقد رأيت التعريف لا التنكير في العنوان لما سأبديه بعد قليل فقد جاء في القرآن العظيم وفي سورة التوبة (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه).
والآية هنا تصور لحظة من أروع لحظات الصدق والمحبة بين الصاحبين، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق الذي اختير ليكون الرفيق في الهجرة، إنهما في الغار ينظران إلى أقدام أعدائهما الذين هبوا للإمساك بهما، أبو بكر قلق على رسول الله والصادق الأمين يطمئنه بالرغم من وقوف المجرمين على باب الغار: (لا تحزن إن الله معنا). يقين عند رسول الله بأن الله عاصمه من الناس، وخوف وقلق عند أبي بكر يطفئهما اليقين الذي يسمعه من الصادق وهو أن الله معهما فما الذي سيقدر عليه الأعداء.
وثاني اثنين هنا هو الصديق، والثاني من الاثنين لأنه رضي الله عنه وحده الذي حاز على هذا الشرف، ليس في غار ثور فقط، بل منذ أن كان في الثامنة عشرة والرسول الأعظم في العشرين وإلى يوم وقوفه والدموع تغسل وجهه وصدره يرجف من ألم الفراق على رحيل الحبيب - ما أطيبك يا محمد حياً أم ميتاً. «إذ يقول لصاحبه»... شرف الصحبة وقد خلده الحق في كلامه الأزلي الأبدي، و«ثاني اثنين» هي المعية الخاصة التي اختص بها الحق سبحانه وتعالى صاحباً واحداً من صحابة رسول الله ورجلاً واحداً عبر العصور والدهور، معية ثاني اثنين.
وهذا مشهد من مشاهد هذه المعية، فقد حدثت مشادة بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلما طلب الصديق من الفاروق أن يغفر له أبى فاغتم رضي الله عنه وذهب إلى الرسول الأعظم، فقال عليه الصلاة والسلام: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثاً، فلما جاء عمر احمر وجه النبي فجلس عمر على ركبتيه معتذراً وقائلاً: والله أنا كنت أظلم، والله كنت أنا الأظلم.. فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت..... وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي... هل أنتم تاركون لي صاحبي (البخاري3661).
فلتهنأ يا سيدي يا أبا بكر على هذه المعية التي خصك الله بها حتى على رجل كالفاروق، إنك أنت وحدك الثاني من الاثنين الذين هما محمد سيد الخلق وأنت، وهي معية دائمة رأيناها قبل الإسلام وبعده، وفي الغزوات والمعارك والمواقف اليسيرة والشديدة. «الصحبة يا رسول الله» هو ما نطق به لسان أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه عندما جاءه سيد الخلق في وقت لم يكن مما اعتاد عليه وقال له: أُذن لي بالهجرة يا أبا بكر، «الصحبة يا رسول الله....... فأجابه الصحبة يا أبا بكر...... فدمعت عيناه رضي الله عنه فرحاً، وقالت أمنا عائشة: ما رأيت أبي فرحاً كهذا اليوم» أو كما قيل.
ماهر سقا أميني