ما زال الكلام موصولاً عن فضل العلم، فالعلم والتفقه في الدين،من أجل العبادات ومن أعظم الطاعات التي يتقرب بها الإنسان إلى خالق الأرض والسماوات، وإليك أيها القارئ الكريم عشر فضائل أخرى للعلم: ان الفقه في الدين سبب من أسباب الحصول على الخير: فعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين). رواه البخاري ومسلم. فمن منَّ الله عليه بأحد بسلوك طريق الفقه في الدين ويسّره إليه، فليستبشر بالخير العظيم والفضل العميم، فهو علامة على أن الله قد أراد به خيراً.
2 ـ ان العلم من أجلّ النعم: قال تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ ؟لْحَمْدُ لِلَّهِ ؟لَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ ؟لْمُؤْمِنِينَ). وفي الآية دليل على شرف العلم، وتقدّم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجلّ النعم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلاً على كثير من عباده.
3 ـ أن العلم كالغيث: عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكبير، وكانت منها أجادب مسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ).رواه البخاري ومسلم.
قال القرطبي: «ومقصود هذا الحديث ضرب مثل لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من العلم والدين، ولمن جاءهم بذلك، فشبّه ما جاء به بالمطر العام الذي يأتي الناس في حال إشرافهم على الهلاك فيصيبهم ويغيثهم».
4 ـ ان أهل العلم أحد صنفي ولاة الأمر: قال تعالى: ( يَاأَيُّهَا ؟لَّذِينَ آمنوا أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ ). قال ابن القيم: «ولما كان كل من الجهاد بالسيف والحجة يسمى سبيلَ الله فسّر الصحابة رضي الله عنهم قوله: (أَطِيعُواْ ؟للَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ )، بالأمراء والعلماء فإنهم المجاهدون في سبيل الله؛ هؤلاء بأيديهم، وهؤلاء بألسنتهم، فطلب العلم وتعليمه من أعظم سبيل الله عز وجل». فتكون ولاية أهل العلم في بيان شريعة الله، ودعوة الناس إليها، وولاية الأمراء في تنفيذ شريعة الله، وإلزام الناس بها.
5 ـ رضا الملائكة بطالب العلم: فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من سلك طريقاً يبتغي منه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم). قال الخطابي: «قوله: ( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم )، يتأول على وجوه، أحدها: أن يكون وضعها الأجنحة بمعنى التواضع والخشوع تعظيماً لحقه وتوقيراً لعلمه. وقيل: وضع الجناح معناه الكف عن الطيران للنزول عنده. وقيل: معناه المعونة وتيسير السعي له في طلب العلم، والله أعلم».
6 ـ ان العلم يستثنى صاحبُه من اللعن: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم ). قال الطيبي: «وكان من الظاهر أن يكتفي بقوله: ( وما والاه ) لاحتوائه على جميع الخيرات والفاضلات ومستحسنات الشرع، لكنه خصّص بعد التعميم دلالةً على فضل العالم والمتعلم، وتفخيماً لشأنهما صريحاً».
7 ـ إيواء الله سبحانه وتعالى لطالب العلم: فعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟! أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله إليه...).
قال المهلب: «فيه من الفقه أن من جلس إلى حلقة فيها علم أو ذكر أنه في كنف الله وفي إيوائه، وهو ممن تضع له الملائكة أجنحتها، وكذلك يجب على العالم أن يؤوي من جلس إليه متعلماً؛ لقوله: (فآواه الله إليه)». وقال ابن حجر: «وفي الحديث فضل ملازمة حلق العلم والذكر، وجلوس العالم والمذكّر في المسجد». قال ابن القيم: «فلو لم يكن لطالب العلم إلا أن الله يؤويه إليه ولا يعرض عنه لكفى به فضلاً».
8 ـ ان أهل العلم يغبَطون: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلِّط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها ).رواه البخاري ومسلم. وقال ابن حجر: «دلّ الحديث على أن الغبطة لا تكون إلا بأحد أمرين: العلم أو الجود، ولا يكون الجود محموداً إلا إذا كان بعلم».
9 ـ دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العلم بالنضارة: عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( نضّر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه). أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: «حديث حسن». وقال ابن القيم: «ولو لم يكن في فضل العلم إلا هذا وحده لكفى به شرفاً؛ فإن النبي دعا لمن سمع كلامه ووعاه وحفظه وبلغه أهله».
وقال ملا علي قاري: «وقد استجاب الله دعاءه؛ فلذلك تجد أهلَ الحديث أحسنَ الناس وجهاً وأجملهم هيئة، وروي عن سفيان أنه قال: ما مِن أحد يطلب الحديث إلا وفي وجهه نضرة أي بهجة صورية أو معنوية».
10 ـ مباهاة الملائكة بطلبة العلم:عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقلّ عنه حديثاً مني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ( ما أجلسكم؟ )
قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنّ به علينا، قال: ( آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟) قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: (أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة). رواه مسلم. فهذه كانت جملة من فضائل العلم، نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عادل المرزوقي
رئيس قسم الرقابة والتوجيه
بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي