«البحث عن محاسب» شعار رفعته غالبية المدارس علها تلقى جواباً يريحها بعد أن فقدت الأمل في أن تجد ضالتها بالحصول على الشخص المناسب التي يتولى ترتيب أمورها المالية كي تتمكن من التفرع لشؤونها التعليمية، فالشكاوى أصبحت سمة في الكثير منها جراء المعاناة الكبيرة التي تتكبدها لتوفيق أوضاعها المالية بعد الصلاحيات التي منحتها إياها الوزارة والتي خولت بموجبها للمدارس تسيير أمورها المالية في ضوء الميزانية التشغيلية المرصودة لهم والتي تبلغ 100 ألف درهم.
ولم تجد غالبية المدارس بداً من الاستنجاد بالمعلمين ممن يملكون قليلاً من الخبرات في هذا المجال من أجل تولي مسؤولية متابعة أمورها المالية وأوجه الصرف والإنفاق، ما شكل مزيداً من الأعباء المفروضة عليهم، فبالإضافة إلى «التخمة» التي أصابت نصاب حصص المعلمين أصبح عليهم مسؤولية إدارة الشؤون المالية للمدارس بكل دقة منعاً لوقوع أية تجاوزات.
وعلى الرغم مما أعلنته الوزارة من توجهها لتوفير محاسبين ماليين بالمناطق التعليمية لتنظيم عملية صرف الميزانية في المدارس إلا أن هذا التوجه لم يخرج إلى النور حتى الآن واكتفت المناطق التعليمية بإرسال تعاميم للمدارس حول بنود وآلية الصرف والإجراءات المتبعة دون وجود عيون ترصد تعامل المدارس مع هذه الأمور المالية، ما يمهد الطريق أمام وقوع تجاوزات مالية بالمدارس!
محمد سالم معلم في إحدى المدارس الحكومية في الشارقة وقع عليه الاختيار لتنظيم الأمور المالية بالمدرسة.
قال إن أوجه الصرف والإنفاق وتسجيل المصروفات والإيرادات تحتاج إلى شخص متخصص، ففي حال وقوع أية أخطاء في الحسابات وهو أمر وارد جراء عدم وجود الخبرة المالية اللازمة للمعلمين فإن ذلك يضعهم يضعهم في دائرة المساءلة القانونية.
مراجعات مالية
وأوضح أنه من واقع خبرته في هذا المجال يجد أن الأمور الصعبة التي تواجهها المدرسة في تدبير شؤونها المالية تتعلق بالبنود والأبواب في صرف الموازنة وهي الأمور التي تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين وشخص متفرغ لإدارتها.
مشيراً إلى عدم وجود الخبرات اللازمة بالمدارس يؤدي في أحيان كثيرة إلى هدرها للأموال، فكثيراً ما ترجع المراجعات المالية من المناطق فواتير للمدارس قد تخسر بسببها أموالاً، والسبب أنها لم تصنف بالطريقة السليمة، مشيراً إلى أن هناك ضرورة قصوى أن يكون هناك محاسبين ماليين يتولون شؤون الأمور المالية بالمدارس.
وأضاف أن تعيين محاسبين ماليين موجود في المدارس النموذجية فلماذا لا يتم تطبيقه في المدارس الحكومية، فعدم وجودهم يحّمل الإدارة المدرسية أعباء كثيرة لا تقدر عليها، فمتابعة الأمور المالية للمدرسة هي مهمة شبه يومية فهناك أوجه صرف عديدة في المدارس تتم يومياً مثل فواتير المقصف المدرسي.
وعلى الجانب الآخر يرى أحمد إبراهيم معلم ويتولى إدارة الشؤون المالية في إحدى مدارس دبي أن الأمر لا يستدعي تعيين محاسبين ماليين في المدارس فالميزانية التشغيلية للمدارس محدودة، كما أن التعاميم الصادرة من قبل الوزارة والمناطق واضحة وإجراءات الصرف واضحة والنماذج التي يجب استيفاءها واضحة وكذلك بنود الصرف، مشيراً إلى أن الخلل في أوجه الصرف يأتي من المدرسة جراء عدم قراءتها لهذه التعاميم وتطبيقها.
محمد الماس مدير مدرسة المعارف الحكومية أوضح أن مدرسته تسند إدارة شؤونها المالية وتنظيم أوجه الصرف في ميزانيتها التشغيلية إلى معلمين وأمناء مختبرات.
وحرصاً على تنظيم هذه العملية فإن المدرسة تقوم بشكل متواصل بتشكيل لجنة من ثلاثة أشخاص يتولون أمورها المالية سواء من خلال مراجعة فواتير المصروفات والشيكات المحصلة والمنصرفة ودفاتر تسجيل أوجه الصرف، ثم تقوم برفعها إلى الإدارة المدرسية ويتولى مدير المدرسة بنفسه مسؤولية مراجعتها.
وشدد على أن هذه المهمة تمثل أعباء إضافية على المعلمين أو حتى الإدارة المدرسية فالمعلم بحاجة إلى التفرع للتكليفات المفروضة عليه خاصة بالنسبة لمعلمي المرحلة الثانوية الذين يعانون من زيادة نصاب الحصص وتنظيم أدوات التقويم المستمر للطلبة.
إضافة إلى ضرورة إنهائهم للمناهج المقررة عليهم في الوقت المحدد لذلك، مشيراً إلى أنه من الأفضل أن يتم إسناد هذه المهمة إلى محاسبين ماليين وحتى إن اقتصر دورهم فقط على المراجعة من أجل ضمان تنظيم عملية صرف الميزانية التشغيلية للمدرسة.
أعباء إضافية
وأوضح أن المدرسة لا يمكن أن نعتبرها شركة أو مؤسسة تجارية تحتاج إلى وجود أكثر من شخص متخصص لتنظيم أمورها المالية خاصة وان ميزانيتها التشغيلية محدودة إلا أنها تحتاج إلى من يديرها مالياً بشكل جيد لذا يفضل أن يكون الشخص المكلف متفرغا ولا يعاني من أية أعباء إضافية وهو ما لا ينطبق على المعلمين أو أي شخص يعمل في المدرسة.
خاصة وان وقوع أية أخطاء من شأنه أن يعرض الشخص المسؤول عنها للمساءلة القانونية فما ذنب المعلم أن نكلفه بأعباء إضافية وفي النهاية نضعه في دائرة الاتهام في حال وقوع أية تجاوزات.
وقال علي سيف الجنيد مدير مدرسة الحمرية للتعليم الأساسي والثانوي إن الأعباء الكبيرة المفروضة على المدرسة لا تخول لها بأي حال من الأحوال متابعة شؤونها المالية بالدقة المطلوبة، مؤكداً على أهمية وجود محاسبين ماليين يتولون هذه المسؤولية خاصة وأنها تحتاج إلى أشخاص يتمتعون بمؤهلات محددة.
وأشار إلى أن المدارس تعاني نقصاً في أعضاء هيئاتها سواء الإدارية أو التدريسية لذا فمن الأفضل أن يكون هناك أشخاص متفرغون لإدارة شؤونها المالية منعاً لوقوع أي هدر غير مقصود في ميزانيتها التشغيلية.
محمد حسن مدير مدرسة محمد بن راشد الثانوية قال إنه يسند مهمة تنظيم الأمور المالية للمدرسة وأوجه الصرف وتحصيل الفواتير أو الشيكات إلى أحد المعلمين ويقوم بنفسه بمراجعتها بعد ذلك، مشيراً إلى أن هناك ضرورة ملحة لإسناد هذه المهمة إلى أشخاص متخصصين فلابد من وجود محاسب مالي لكل مدرسة يتولى أوجه الصرف في ميزانيتها التشغيلية.
فعلى سبيل المثال ما الخبرة التي يتمتع بها المعلم أو مدير المدرسة من أجل الدخول في مناقصة لشراء أجهزة كمبيوتر تحتاجها المدرسة، مشدداً على أن المعلم مهمته الأولى والأخيرة هي تقديم رسالة علمية متميزة للطلبة وعلى الجميع أن يوفر له المناخ الآمن لهذا المهمة بدلاً من أن نزيد الأعباء المفروضة عليه.
وحذر من الهدر المالي الذي تتعرض له المدارس جراء عدم وجود محاسبين متخصصين لإدارة شؤونها المالية، فغالباً ما تقوم المناطق التعليمية بإرجاع عدد من الفواتير للمدارس جراء عدم قيامها بتصنيفها بشكل صحيح وفقاً للبنود المالية المحددة لها وعليه تضطر إلى أن تتحملها على نفقتها الخاصة.
مصادر ذات صلة في وزارة التربية والتعليم أشارت إلى أن إدارة الأمور المالية بالمدارس أمر بسيط ولا يحتاج بطبيعة الحال إلى هذه الضجة خاصة وأن تنظيم الأمور المالية للمدارس واضح من خلال التعاميم الصادرة من قبل الوزارة والمناطق التعليمية، مشيراً إلى أن المناطق التعليمية والوزارة لا تقصر في إعطاء أي نصيحة أو مشورة في كافة الأمور المالية، فميزانية المدارس محدودة ولا تحتاج إلى توافر محاسبين ماليين لإدارتها.
توجه لم ينفذ
نشرت «البيان» في عددها الصادر بتاريخ 18 سبتمبر 2006 خبراً بعنوان :التربية تتجه إلى تعيين محاسبين بالمناطق التعليمية: يعملون في إطار توعوي لتنظيم صرف الميزانيات المدرسية وفق الخطة التي تضعها المدرسة، بحيث لا يتعدى دورهم دعم ومساندة المدارس في حال وجود أي معوقات لعملية الصرف، إلا أن هذا التوجه لم يدخل حيز التنفيذ وفقط ما تتلقاه المدارس هو عدد من التعاميم الصادرة من المناطق التعليمية أو الوزارة تتعلق بتنظيم أوجه الصرف بها، بدون وجود أي شخص مخول بمراجعة الأمور المالية بهذه المدارس.
محاسب لكل ثلاث مدارس
اقترح محمد الماس مدير مدرسة المعارف الحكومية أن يتم تكليف محاسب بمتابعة الأمور المالية لثلاث أو أربع مدارس في ظل صعوبة توفير محاسب لكل مدرسة، خاصة وأن الميزانية التشغيلية للمدرسة بسيطة وتحتاج فقط إلى أشخاص متخصصين لأجل متابعة أوجه الصرف للتأكد من صحتها، مشيراً إلى أن المعلمين لا يعد بمقدورهم تحمل مزيد من الأعباء لذا من الأفضل أن نتركهم يتفرغون لرسالتهم العلمية وأن نعطي الأمور المالية لأهلها.
مسؤولية مضاعفة
عدد من المعلمات أعربن عن سخطهن من تحميلهن مسؤولية مراجعة الفواتير والأمور المالية بإحدى مدارس البنات بالمناطق النائية، وأشرن إلى انه ليس من المنطقي أن تكون المعلمة ملزمة بعدد كبير من الحصص الدراسية أسبوعياً.
وفي الوقت ذاته يتم تكليفها بمتابعة أمور مالية لا تملك أدنى خبرة فيها، أضف إلى ذلك المسؤولية التي تقع على عاتقها في حالة اكتشاف أي «خطأ» في الأمور فلا يكفي تحميلها بمزيد من الأعباء وإنما نقوم أيضاً بوضعها في دائرة الاتهام.
دبي ـ أحمد جمال