رغم الجهود التي تبذلها أجهزة الأمن والدفاع المدني في الحد من الحوادث التي تقع في المباني قيد الإنشاء في مختلف إمارات الدولة، وتشكيل بعض الإمارات هيئات متخصصة لتفقد المواقع الإنشائية ومراقبة وسائل السلامة المتبعة، إلا أن حوادثها ماضية في الازدياد، ويذهب ضحيتها أرواح بريئة، كان يمكن تفاديها من خلال اتخاذ خطوات الأمن اللازمة لتجنبها، والالتزام بإجراء الصيانة للمعدات والمواد والأدوات المستخدمة في الأبنية قيد الإنشاء.
فقد أحصينا أكثر من 10 حوادث مختلفة خلال العام الجاري وحده، كان أهمها 4حرائق و6 حوادث ما بين سقوط أدوات أو أشخاص أو انهيار مبان مختلفة، كما أشارت إليه الأخبار الواردة على صفحات «البيان»، ورغم أن الأرقام ما زالت ضئيلة مقارنة بحجم المشاريع الإنشائية والنهضة العقارية الضخمة التي تشهدها الدولة كما أكدت مصادر عقارية، إلا أن كثير من الحوادث كان يمكن تفاديها.
كما أشارت أجهزة الأمن من خلال إتباع إجراءات الأمن والالتزام باشتراطات السلامة التي ينبغي أن تلتزم بها جميع شركات المقاولات والعقارات، للحد من الحوادث، التي يقع جزء كبير منها نتيجة الإهمال وعدم اتخاذ التدابير والاحتياطات اللازمة لتجنب وقوعها.
وقال العقيد صالح المطروشي مدير دفاع مدني عجمان إن معظم الحوادث التي تحدث في المباني التي لا زالت قيد الإنشاء ناجمة عن الإهمال وعدم اتخاذ العمال وسائل السلامة والاحتياطات اللازمة لتجنبها.
مشيرا إلى أن أكثر الحوادث هي الحرائق الناجمة عن سوء تخزين مخلفات البناء، بجانب قواطع الكهرباء وأعمال اللحام، ويتبعها حوادث الرافعات على مختلف أنواعها، والتي يمكن تجنبها من خلال اتخاذ العاملين في المواقع الإنشائية كافة سبل الحيطة والحذر وتوفير معدات السلامة ولا سيما معدات الإطفاء ومضخات المياه وخاصة في الأبراج العالية.
وأضاف أن الدفاع المدني سيقوم بالتعاون مع وزارة العمل وقسم الإنماء الصناعي بتشكيل لجنة لمتابعة سلامة المباني قيد الإنشاء، ستقوم بالتفتيش على المباني قيد الإنشاء وإلزام الشركات المقاولة بمتطلبات السلامة في المبنى.
وأهمها وضع علامات إرشادية واضحة لمسالك الهروب والمخارج والمداخل في المبنى، ووضع أنظمة الحماية من الحريق بما فيها المضخات وأجهزة الإنذار وخراطيم مياه الإطفاء وغيرها، مشيرا إلى أنها ستقوم مطلع العام المقبل بتنظيم ندوات تعريفية للعاملين، بطرق السلامة والوقاية والوسائل التي ينبغي اتخاذها للحد من الحوادث.
تكديس المخلفات
وأوضح المقدم علي عبيد سيف الطنيجي مدير إدارة الدفاع المدني بالفجيرة أن التطور والنهضة العمرانية التي تشهدها الدولة تتطلب إعادة النظر بإجراءات السلامة والأمان التي تتخذها شركات المقاولات والعقارات، للحد من الحوادث، مشيرا إلى انه ينبغي على شركات المقاولات كافة توفير معدات السلامة والأمان واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة للعاملين، من خلال إلزامهم بارتداء الخوذة، وعدم تكديس مخلفات البناء داخل المبنى بصورة عشوائية والتي يمكن أن تؤدي إلى اشتعال الحرائق.
وأضاف انه ينبغي على الشركات أيضا تخصيص أماكن للإيواء والإخلاء داخل الأبراج، وإجراء حملات توعية ونشرات تثقيفية باللغات الثلاث الرئيسية العربية والانجليزية والأوردو، للحد من الحوادث الناجمة عن الإهمال وعدم الاكتراث واللامبالاة، وعدم توفير الأجهزة ومعدات السلامة اللازمة في المواقع.
الحمولة المقررة للرافعات
وأوضح المهندس مصطفى الشرقاوي مدير مشاريع إحدى شركات المقاولات أن الرافعات تشكل المصدر الأكثر خطورة لحوادث المباني قيد الإنشاء، والتي تحدث معظمها نتيجة الإهمال وعدم الاكتراث أو سوء تقدير من العاملين عليها، مشيرا إلى انه يجب الالتزام بالحمولة المقررة للرافعة وتجنب الإهمال الزائدة، وكذلك إجراء الصيانة الدورية اللازمة لتجنب الحوادث.
وأضاف انه فيما يتعلق بانهيارات بعض المباني فإن كثيراً من الأسباب قد تؤدي إلى ذلك وأهمها عدم التزام بعض موردي الأسمنت بالخلطة المقررة، أما الحرائق فهي تنجم عن العشوائية في تخزين مخلفات البناء بالقرب من قواطع الكهرباء حيث يؤدي التماس الكهربائي إلى إشعال الحرائق فيها.
خطة سلامة
وقال زهير يحيى مدير مشاريع شركة «كارتل» للمقاولات انه ينبغي على شركات المقاولات وضع خطة سلامة تغطي جميع الأعمال في المواقع الإنشائية، وتعيين شخص متخصص في متابعة تطبيق الإجراءات في المواقع الإنشائية.
مشيرا إلى انه قام بإعداد خطة تشمل العمالة والمعدات والمواد داخل المواقع، تتضمن ضرورة ارتداء العاملين خوذات السلامة وأحزمة الأمان خاصة خلال رفع المواد البنائية، إضافة إلى الالتزام بمواعيد العمل خلال فصل الصيف (يوليو وأغسطس) حسب قانون العمل والعمال المعمول بها.
وتوفير الإسعافات الأولية، وحبوب ملح وأحذية السلامة واتباع تعليمات مسؤول السلامة بحذافيرها، وتعريفه بالأخطار التي يتعرض لها العاملين، والتأكيد على ضرورة تجنب المزاح داخل المواقع، وتجنب العمل في الأماكن المرتفعة عند الشعور بالتعب أو الإرهاق.
أما فيما يتعلق بإجراءات السلامة التي ينبغي تنفيذها على المواد والمعدات والأدوات فقد ذكر أن الخطة تشمل صيانة دورية لجميع المعدات وتجنب تكديس المواد قرب الفتحات وأطراف المبنى، وضرورة تخزين المواد على أرضية صلبة ومستوية، وتجنب ركوب مركبات ومعدات الحفر لخطورتها على العاملين.
مشيرا إلى انه ينبغي توفير إجراءات السلامة في المواقع كافة، وأهمها وضع حماية وحواجز خشبية حول الفتحات والحفريات داخل المبنى، وإزالة جميع المعوقات من الطريق، وإنشاء سياج حول الموقع كاملا، لتجنب سقوط الأخشاب ومعدات البناء على الأشخاص تحت المبنى، وتزويد الموقع بإضاءة كافية وخصوصا أثناء العمل في الليل أو الأماكن المظلمة داخل المبنى.
وتوفير حماية للأسلاك الكهربائية، وتزويد المشروع بيافطات تحذيرية وإرشادات السلامة، والإشراف الجيد خلال إنزال أو رفع المواد من أماكنها إلى الأسطح، والمحافظة على نظافة الموقع وإزالة النفايات باستمرار، وتجنب التدخين في الأماكن المعرضة للحريق، وتجفيف المناطق المبلولة لتجنب التزحلق والسقوط.
وأوضح مهندس في إحدى شركات العمارة والاستشارات الهندسية أن حوادث المباني قيد الإنشاء في الدولة لا تعتبر كبيرة إذا ما قورنت بحجم المشاريع العمرانية والنهضة العقارية الضخمة التي تشهدها الدولة.
مشيرا إلى أنها تحدث أحيانا نتيجة الإهمال وعدم الالتزام بمعايير السلامة، كذلك بسب عدم مطابقة الاسمنت والحديد للمواصفات المحلية، أو نتيجة الإهمال في التعامل مع الرافعات من خلال تحميلها أحمال زائدة، اكبر من طاقتها، مطالبا جميع الشركات الالتزام بخطة السلامة التي تقدمها للأجهزة المختصة والمتضمنة كل الخطوات التي يتبعها المقاول للتخفيف من الحوادث، كذلك شدد على ضرورة تعيين ضابط سلامة، وإخضاعه لدورات تدريبية لمراقبة العمال والمعدات المستعملة.
نشرات توعية
وأضاف أن الشركات ينبغي عليها إلزام العاملين فيها بارتداء خوذة الرأس، وحزام أمان خصوصا في الأماكن المرتفعة، وملابس خاصة بأعمال البناء، وتوفير نشرات توعية توضح الإجراءات والخطوات التي ينبغي الالتزام بها لتجنب الحوادث، وتقدم إرشادات مختلفة للعاملين، مشددا على ضرورة إجراء الصيانة اللازمة للمعدات والآلات وخاصة الرافعة البرجية.
كذلك إخضاع من يشغلها ويراقب على الأرض دورات تدريبية، وأجهزة لاسلكية لتوجيه الرافعة عند التحميل والتنزيل وخاصة في الأماكن المرتفعة لتجنب الأخطاء عند التحميل والتنزيل.
وشدد على انه ينبغي عدم الاعتماد على القطع المقلدة وخاصة على الرافعات، والاعتماد على القطع الأصلية وإجراء صيانة على الدوائر الكهربائية التي تشغلها، والاهتمام بالقاعدة بحسب المواصفات المعتمدة، وتغيير حبل الرفع أو ما يسمى بسلك الرفع المعدني، وكذلك اعتماد حلقة الثقل المصنوعة من الفولاذ.
وبين خالد السيد «يعمل في مجال العقارات والبناء» أن قلة الانتباه والتركيز وسوء التقدير يعدان من الأسباب الرئيسية المؤدية لحوادث المباني قيد الإنشاء، مشددا على ضرورة الالتزام بتعليمات الأمن الصناعي وتوفير شركات المقاولات عناصر الأمن التي تجنب الحوادث، كارتداء الملابس الواقية، وتجنب تخزين المخلفات داخل المباني.
وخاصة في فصل الصيف حيث يمكن أن تؤدي أي شرارة مهما كانت بسيطة إلى إشعال الحرائق، كذلك ينبغي التزام قائد الرافعة بالأوزان المحددة التي يمكن حملها من المواد، حيث تؤدي الأعمال الزائدة إلى اختلال توازن الرافعات وسقوطها ما يؤدي إلى حوادث أليمة قد تستنزف أرواحا بريئة.
مسؤول سلامة العمال والمنشآت
قال العقيد احمد الحمادي مدير الإدارة العامة للأدلة الجنائية بشرطة دبي إن الإدارة توصلت إلى نتائج مهمة في دراسة قامت بها مؤخرا للتعرف على أسباب حوادث المباني قيد الإنشاء، التي تفاقمت في الآونة الأخيرة إذ تم إحصاء 10 حوادث حرائق في أبراج قيد الإنشاء منذ بداية عام 2006 وحتى منتصف العام الجاري.
مشيرا إلى أن حرائق الأبراج تتصف بأنها سريعة الانتشار وتصل إلى عدد من الطوابق بفعل ما تحتوي من مواد سهلة الاشتعال كالأخشاب ومواد التغليف المختلفة ومخلفات مواد البناء، ونظرا لوجود فتحات غير مغلقة تسمح لانتقال الحرائق أفقيا أو راسيا عبر مساقط النور أو مسار خدماتها الرأسية، أو عن طريق السقالات الخارجية.
وما عليها من مواد سهلة الاشتعال، لافتا إلى أن حرائق الأبراج قيد الإنشاء تعتبر اخطر من مثيلاتها بالأبراج المسكونة بسبب عدم تطبيق نظم وإجراءات السلامة اللازمة للوقاية من خطر اشتعال النيران.
وأضاف أن حرائق الأبراج قيد الإنشاء يستغرق إطفاؤها فترات طويلة وذلك لسرعة انتشار النيران بها، ووجود الحرائق في أماكن مرتفعة وعدم تركيب أنظمة الإطفاء فيها، مشيرا إلى انه من خلال الدراسة تم التوصل إلى عدد من الأسباب المؤدية إلى مثل هذه الحوادث أهمها : وجود أعمال اللحام الكهربائية والغازية، أو نتيجة خلل الدوائر الكهربائية المؤقتة المستخدمة في تشغيل الأجهزة الكهربائية المستعملة في الإنشاءات، وكذلك نتيجة الحرارة الإشعاعية الصادرة عن كشافات الإضاءة المستخدمة.
إضافة إلى التأثيرات الحرارية الصادرة عن المواقد المستخدمة في الطهي وإعداد المشروبات الساخنة، في مساكن العمال، أو داخل مواقع تخزين مواد البناء في موقع العمل، كذلك قد تنجم عن التدخين العشوائي بالقرب من مواقع العمل أو مواقع تجمع العمال في أوقات راحتهم وفي مساكنهم داخل المنشآت.
ارتداء أغطية الرأس
وأوضح الحمادي انه تم التوصل إلى عدد من المقترحات والتوصيات للحد من حوادث المباني قيد الإنشاء، وتحقيق الحد الأعلى للسلامة، وذلك من خلال إلزام العاملين بالمواقع الإنشائية الملابس الخاصة بالعمل واستخدام أغطية الرأس أو اليدين والقدمين وكذلك استخدام أحزمة الأمان، ووضع اشتراطات فنية تضمن سلامة العمال والمنشآت.
وتوفير آلية لمراقبة سلامة إجراءات تنفيذها، وتفعيل نظم وإجراءات سلامة المنشات، مشددا على أهمية الاهتمام بالمستوى العلمي للعاملين كمشرفين سلامة، والعمل الدائم على تنمية قدراتهم الفنية بما يتناسب مع الخبرات في مجال العمل، وضرورة التحديد الدقيق للأعمال المنوطة بهم مع وضع البرامج والقواعد التي تضمن جدية تنفيذهم تلك الأعمال.
وأضاف مدير الإدارة العامة للأدلة الجنائية بشرطة دبي انه ينبغي عمل دليل مفصل لإجراءات سلامة المنشآت بما يتفق مع النظم المعمول بها، تعممه على المنشآت كافة خلال مراحل تنفيذها، كذلك يجب اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع إقامة العمال داخل المنشآت أو بالقرب منها، وعدم السماح بالمقاصف داخل المنشآت للحد من الأخطار التي قد تنشأ عنها، مطالبا باتخاذ تدابير وقائية عند إجراء اللحام والأعمال الحرارية.
وذلك من خلال العمل على عزل موقع اللحام عن المواد القابلة لاشتعال بمنطقة العمل وذلك باستخدام مواد عازلة تحول دون التأثيرات الحرارية، وتوفير التجهيزات اللازمة كاسطوانة إطفاء يدوية وخراطيم مياه، وكذلك ينبغي إجراء مراقبة لاحقة لموقع اللحام، ومتابعة الإجراءات الآمنة في مسارات التمديدات الكهربائية، كذلك بمنع التدخين داخل المنشآت، والتنظيف المستمر لها من المخلفات والنفايات القابلة للاشتعال.
اضاءة
دراسة لشرطة دبي: للحد من حوادث المباني قيد الإنشاء، وتحقيق الحد الأعلى للسلامة، ينبغي إلزام العاملين بالمواقع الإنشائية بملابس خاصة بالعمل واستخدام أغطية الرأس أو اليدين والقدمين واستخدام أحزمة الأمان، ووضع اشتراطات فنية تضمن سلامة العمال والمنشآت، وتوفير آلية لمراقبة سلامة إجراءات تنفيذها، وتفعيل نظم وإجراءات سلامة المنشآت.
تحقيق: فراس العويسي