قال الشيخ: ما الذي يمكن أن يقدمه مثلي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مما يمكن اعتباره إضافة جديدة لا مجرد إعادة لما قاله الآخرون؟ وهل يمكن لسطور في صحيفة أو لحديث في مجلس أن تزيد على ما قاله العلماء وذوو الخبرة والقلم في مؤلفاتهم وبحوثهم عنه؟
أبوبكر الصديق... عبد الله بن عثمان، خير خلق الله بعد الأنبياء والرسل، وصاحب الرسول الأعظم ومحبه ومحبوبه الأول، من حمل مع صاحبه الأمانة في حياته وبعد مماته، ومن نزل فيه قرآن أكثر من مرة.. ألا يستحق رجل كهذا أن يتكلم عنه.
أما عما أدعي أنني أستطيع أن افعله، فقد كتب الكثير عن الصديق في الدراسات المعاصرة، كما أن أخباره رضي الله عنه موزعة في بطون الكتب ولكنني وجدت في نفسي حبا وميلا لقراءة وسماع ما قيل عنه، فإذا بما أقرأ وأسمع يزيدني حبا وتوقا ولا يشبع عندي حاجة أو ميلا، من هنا أقول إنني سمحت لنفسي أن أقف على أعتاب الصديق رضي الله عنه لأقارب أخباره مقاربة محب لا مقاربة ترجمة أو بحث أو تدقيق، لعل محبتي له تشفع لي بين من كتبوا عنه وأجادوا، وأدعي- وأرجو أن أوفق في ذلك - انكم ستستنشقون في هذه الزاوية رائحة عطور أكثر من رائحة الورق والحبر.
أما كتابة سطور تتناول شخصية الصديق، فتأتي من عيوب هذا الزمان أن عادة القراءة عند أكثر العرب قد انعدمت - نعيب زماننا والعيب فينا- وأن أكثرنا قد اقتصرت علاقته بمعارف دينه وتاريخه على خطبة الجمعة مع كثرة وسائل المعرفة وانتشارها وسهولة الوصول إليها، ورجل كأبي بكر يجب على أي مسلم أن يعرف عنه الكثير، ومع ذلك فإن معظمنا لا يستطيع ملء نصف صفحة عنه وعن أخباره وفضله.
وإذا كان هذا عيب العامة فإننا نلمس ما يشابهه حتى عند من يظهر عليهم انتماؤهم للإسلام وثقافته أكثر من غيرهم، فهؤلاء الآخرون قد يعرفون عن مشايخهم وأساتذتهم وربما قادتهم أكثر مما يعرفون عن الصديق وبقية الخلفاء الراشدين، فنحن أمة قد طلقنا فكر الأولويات منذ زمن بعيد، من هنا رأيت - والله اعلم- أن ما سأذكره من أخبار الصديق- ذكر محب لا ذكر عالم أو باحث أو مؤرخ - يزيد عما يعرفه كثيرون منا وفينا.
أما السبب الآخر: فنحن جميعاً اليوم تعصف بنا الأخطار من فوقنا ومن تحتنا، والأمر في الوقوف على رجالات تاريخنا ليس مجرد اعتزاز بماضٍ أو ملاذ بتاريخ، وإنما هو وقوف عند عوامل النصر والنجاح والانجاز والتمكين، فأبو بكر الصديق رضي الله عنه كان أول من أسلم من الرجال ومع هذا استطاع مع صاحبه عليه الصلاة والسلام ومن أسلم من أفراد قلائل أن يمهدوا لمجد فاخرنا ونفاخر به الأمم، وها نحن نروي قصة إسلام رجل كان الأول فيمن أسلموا ثم صنع مع رفاقه وبقيادة الرسول الأعظم حضارة إنسانية عظيمة، فهي قصة ولادة حضارة هي هنا حضارة الإسلام.
ثم إنه قد ظهر نفر زين لهم الشيطان أعمالهم فراحوا يطعنون في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسباب شتى، منها ادعاء العلم والموضوعية في التحليل أحيانا ومنها عصبيات لم تزد الأمة إلا انقساما وتشرذما أحيانا أخرى، والرأي عندنا ألا نعير أمثال هؤلاء انتباهنا مع ضرورة تقديم ما لدينا من بضاعة تشرفنا، من هنا يأتي سبب جوهري للتعريف بالصديق رضي الله عنه حيث إن هذا التعريف يعتبر فرضا واجبا على كل قادر، فمحبة الصحابة من محبة رسول الله ومحبة الرسول من محبة الله عز وجل.
وأختم بما قاله عبدالله بن مسعود رضي الله عنه «من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا والله أفضل هذه الأمة وأبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم من آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم» (شرح السنة للبغوي (1/214).قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي» (البخاري 3656)
ماهر سقا أميني