إن الإنسان في حياته يتعرض للكثير من الابتلاءات، وللكثير من الكروب؛ امتحاناً من الله تعالى له، واختباراً لإيمانه وغفراناً لذنوبه، ورفعة لدرجاته، بيد أن بعض الكروب التي تواجه الإنسان في حياته قد يكون وراءها ظلم من بعض الناس، أو عدوان وطغيان، ومن أجل ذلك كان الدعاء والتضرع إلى الله هو الملاذ الذي يلوذ به كل إنسان مكروب.

ومن رأفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحتمه، ومن شفقته بأمته أنه وجه أمته إلى طريق تفريج الكروب، وذلك بالتوبة من الذنوب، فما نزل بلاء إلا بذنب ولا يكشف إلا بتوبة، وبالصلاة والصبر، فمن استعان بالصبر والصلاة يسر الله له أمور الحياة، قال تعالى «واستعينوا بالصبر والصلاة».

وإلى جانب هذا فهناك من الأدعية المأثورة، والضراعة المبرورة، ما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته إليها: عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم» رواه البخاري.

فنلاحظ في هذه الكلمات الكريمة، الإقرار بالوحدانية لرب البرية، والشهادة بالعظمة والحلم لله سبحانه وتعالى وأنه رب العرش العظيم، وأنه رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، فجميع الكون طوع إرادته ورهن إشارته، وهو أكرم الأكرمين.

قال أبو بكر الرازي: كنت بأصبهان عند أبي نعيم، أكتب الحديث، وهناك شيخ يقال له أبو بكر بن علي، عليه مدار الفتيا، فسعى به عند السلطان، فسجن، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وجبريل عليه السلام يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه، قال: فأصبحت فأخبرته، فدعا به، فلم يكن إلا قليلاً حتى أفرج عنه، وقد ذكر هذا الإمام ابن حجر ـ رحمه الله ـ في شرحه لصحيح البخاري.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر دعا بهذا الدعاء وكان يقول: إنه دعاء الفرج وهو: «اللهم أحرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بكنفك الذي لايرام، وارحمني بقدرتك علي، أنت ثقتي ورجائي فكم من نعمة أنعمت بها عليه قل لك بها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها قل لك بها صبري، فيا من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قل عند بلائه صبري فلم يخذلني، ويا من رآني على الخطايا فلم يفضحني.

أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم أعني على ديني بدنياي، وعلى آخرتي بالتقوى، واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما حضرت، يا من لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، هب لي ما لا ينقصك، واغفر لي ما لا يضرك، يا إلهي أسألك فرجا قريبا، وصبرا جميلا.

وأسألك العافية من كل بلية وأسألك الشكر على العافية، وأسألك دوام العافية وأسألك الغنى عن الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال الربيع: فكتبته من جعفر بن محمد، وها هو في جيبي، قال موسى: فكتبته من الربيع وها هو في جيبي، وهكذا قال كل واحد من الرواة. فهو من الأحاديث المسلسلة بقول كل راوٍ كتبته فها هو في جيبي.

وعن أهل البيت، ففيه ما يرغب فيه، ويدل على أنه مشتمل على اسم الله الأعظم. وإذا علمنا أن الصلاة صلة بين العبد وربه، وأن الإنسان الذي يؤدي صلاته إنما هو بين يدي الله تعالى، وأنه حين يكون في سجوده يكون أقرب إلى الله تعالى، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». إذا علمنا ما في الصلاة من قرب وبالاستعانة بها وبالصبر يتحقق للمرء ما يريد أيقنا أهميتها ولذا كان لصلاة الحاجة أثرها وفضلها في تفريج الكروب.

عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في» رواه الترمذي وابن ماجة.

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وأخرج الطبراني في معجمه الصغير والكبير أن رجلا كانت له حاجة عند أمير المؤمنين عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ وما كان عثمان يهتم بشأنه، أي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ـ فلقى الرجل عثمان بن حنيف، فشكا له، فعلمه صلاة الحاجة المذكورة، ففعل الرجل، ثم أتى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأكرمه وقضى له حاجته، ثم لقي هذا الرجل عثمان بن حنيف، فشكر له، ظنا منه بأنه أوصى به عثمان بن عفان رضي الله عنه.

فقال عثمان بن حنيف للرجل: والله ما كلمته، ولكني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه ضرير وقص عليه القصة السابقة لصلاة الحاجة ودعاءها الذي فرج الله به وحقق الرجاء.

وقال صلى الله عليه وسلم: «من كانت له حاجة إلى الله تعالى أو إلى أحد من بني أدم، فليتوضأ، وليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله تعالى ـ (أي بالتسبيح والتحميد والتكبير ونحو ذلك) وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنباً إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين، رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبدالله بن أبي أوفى الأسلمي رضي الله عنه.

واستجابة دعاء الداعي، لها علاقة وطيدة بطهارة قلبه، ونقاء سريرته، وصفاء طويته، ومدى صلته بالله، ودرجة تقواه؛ «إنما يتقبل الله من المتقين». ويستحسن إذا أنِسَ الإنسان في أحد صلاحاً أو رآه على عبادة أو في أداء حج أو عمرة أو نحو ذلك أن يطلب منه الدعاء، وألا يستحقر أحداً من الناس، فرب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره. وقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يقول لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما استأذنه في العمرة: «لا تنسنا يا أخي من دعائك».

وقد يدعو الإنسان ولا يستجاب له، فعليه أن يستغفر ربه وأن يتوب إليه أولاً، وأن يرد المظالم لأصحابها، وأن يوثق صلته بالله سبحانه، وقد كان من خصائص سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه إذا قرأ الفاتحة ودعا لمريض شفاه الله، فكان الناس يحاولون أن يفعلوا مثلما يفعل ولكن لا تكون الإجابة لهم كما كانت مع سيدنا عمر رضي الله عنه حتى قال بعضهم:

هذه الفاتحة ولكن أين عمر؟ رضي الله عنه، لأن الله سبحانه إنما يتقبل من المتقين، ومن أصحاب القلوب الطاهرة التي لا تحمل حقداً ولا ضغناً ولا كراهية لأحد، إن الناس يتفاوتون في درجة قربهم من الله بمدى نقاء قلوبهم «ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكن بشيء وقر في القلب» إنه الإيمان والنقاء؛ والطهر والصفاء، فلطهارة القلوب أكبر الأثر في تفريج الكروب وقضاء الحاجات، والقبول عند أرحم الراحمين.

ولو انتصر الناس على أهوائهم وأنفسهم الأمارة بالسوء وأحقادهم وأضغانهم، وطهروا قلوبهم، لنصرهم الله في معترك الحياة وفرّج كروبهم، ولكن الكثير من الناس نسي أنه يفقد جزءاً كبيراً من إيمانه حين يتربص بأخيه، ويكره الخير له، ويصنع المكائد والمكربة فتنزل الكروب ويدعو ولا يستجاب له؛ لأن دعاءه لم يصدر من قلب صافٍ نقي؛ ولأنه يحمل الحقد على إخوانه، والله سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يكونوا متحابين، فلا يكمل إيمانهم إلا بحبهم لبعضهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

وما انتشرت الكروب والحروب إلا نتيجة الأحقاد والأضغان التي أفرزت الكراهية بين الأفراد والجماعات والأمم والشعوب، ولو عاش الناس أحبة وُدَعاء لساد الأمن والاطمئنان ربوع جميع الأوطان. ومن أجل ذلك عنى الإسلام بتربية النفوس وصفائها ونقائها وحملها على الخلق والتقوى وكان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو به، ويعلمه أمته: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها».

لأنه عندما تتزكى النفوس وتصفو، تتزكى حياة المجتمعات وتصفو، فلا تكدّرها الشرور، ولا تعبث بها رياح الفتن، ولا عواصف النفوس الأمارة بالسوء.ومن هنا كانت أهمية الدعوة إلى صفاء النفوس وإلى طهارة القلوب، فمن المعلوم أن القلب إذا صلح صلحت سائر أجهزة الإنسان الأخرى، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».