أكد الشيخ عمر الديب وكيل الأزهر الشريف أن الحوار مع الآخر يجب أن تحكمه الصراحة والوضوح، مشيرا إلى أن هناك جهات كثيرة تنتظر من الحوار آليات وضوابط تخدم الإسلام والآخر في آن واحد، وقال إن كل موضوع يتعارض مع قيم الإسلام فهو مرفوض ابتداء ومحظور شرعاً.
وأوضح أن تعديل المناهج في المعاهد الأزهرية إنما يأتي في المقام الأول لمصلحة الطالب وجاء من خلال منظومة لتطوير التعليم في الأزهر ومسايرة التقدم العلمي والمتغيرات العالمية التي يجب ألا نقف أمامها جامدين، ومضيفاً أن هذا التعديل يؤدي إلى ترسيخ وحدة الأمة الإسلامية التي عاشت مجدها وعزها وتبوأت مكانتها بين الأمم والحضارات يوم أن كانت أمة واحدة تحكمها عقيدة راسخة لا تعرف المذاهب المتنوعة.
وكان لنا معه هذا الحوار:
ـ فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية هل كانت السبب في إلغاء فقه المذاهب في الأزهر؟
- إن الأصل في الأمة الإسلامية أن تكون وحدة واحدة تحقيقاً لقول الله تعالى: (ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) ولقد عاشت الأمة الإسلامية عزها ومجدها وتبوأت مكانتها ومنزلتها بين الشعوب والأمم يوم أن كانت أمة واحدة منهجا واضحاً في ذلك فقد حاور الرسول صلى الله عليه وسلم نصارى نجران في مسجده وعرض عليهم المبايعة كما جاء في قوله تعالى:
(فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) آل عمران 61.
وهذا مما نرد به على مقولة عدم إضاعة الوقت في الحوار مع غير المسلمين والانشغال والواقع الميداني يؤكد لنا أن المئات في كل مكان يدخلون في الإسلام ويحسن إسلامهم بل يتحولون إلى دعاة مخلصين لدين الله يسخرون أموالهم وكفاءاتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لخدمة الإسلام والمسلمين، والأمثلة في ذلك كثيرة لا تخفى عن أهل العلم والدعاة العاملين في ميادين الدعوة على امتداد الساحات العالمية المتنوعة وهذه رؤية مختصرة من حيث المبدأ عن مشروعية الحوار وقيمه، أما ضوابط الحوار وآلياته وضحها الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر».
وعاش المسلمون في وحدة وإخاء في ظل عقيدة إسلامية صافية يؤمنون بها في نقاء وإخلاص لا تشوبها شوائب ولا تعكر صفوها عوالق لا يعرفون مذاهب متنوعة ولا فرقا متعددة ولا طوائف متنافرة قائدهم محمد عليه الصلاة والسلام يهتدون بهديه ويأتمرون بأمره ويستمعون لقوله في ظل شورى تجمعهم خالية من الأهواء والأغراض الشخصية وتسودها حرية تكفل الاجتهاد والتعبير عن الرأي فيما ليس فيه نص قاطع من القرآن الكريم أو الأحاديث المتواترة الصريحة في الأمر أو النهي مع احترام الرأي الآخر وتقديره.
ومن هنا فالتقريب والتجميع بين المسلمين فرض ولذلك فإن الدراسة في الأزهر بالفعل أساسها التقريب والتعريف بالدين الصحيح، والبعد عن إثارة الأوجاع والأحزان وتحريك الفتن وإشعال فتيل الخلاف، ومن هنا كان التركيز على دراسة الفقه الواحد وإلغاء فقه المذاهب.
ـ ولكن في ظل كثرة المذاهب والاتجاهات المختلفة للمسلمين حالياً هل ترى أن التقريب أمر سهل؟
- يحدونا الأمل في عودة الأمة الإسلامية إلى أصلها في أن تكون أمة واحدة وهذا ليس بعيد المنال إذا خلصت النية، وإذا كان الاختلاف في الرأي من طبيعة البشر فلا حرج منه إذا صدر من مجتهد أو فقيه في المسائل الفرعية مادام يبتغي الحق غير متعصب لرأيه ويتقبل رأي مخالفه بصدر رحب من غير تسفيه أو تحقير. فقد اختلف صحابة رسول الله في عهده وأقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم دون أن يلوم أحداً من المختلفين.
والشيء الذي يدعو إلى الدهشة والاستغراب أن كثيراً من أتباع بعض المذاهب قد تعصبوا لمذاهبهم ورفضوا ما سواها، بل تجاوزوا هذا الرفض إلى تسفيه وتحقير وإنكار ما سواه بل وصل بهم ضيق الأفق والتعصب الأعمى إلى محاربة مخالفيهم وقتالهم وسفك دمائهم وخرجوا بالإسلام الموسوم بالسماحة الداعي إلى السلام المنادي بالوحدة إلى تشويه صورته وإظهاره في غير حقيقته. ولو رجع هؤلاء المتزمتون المتعصبون لمذهبهم إلى تاريخ أصحاب المذاهب وإلى سلوكهم وطريقة معاملاتهم مع مخالفيهم وفكروا بمرونة ونبذوا التعصب لأمكن التقريب بين المذاهب الإسلامية التي لا خلاف بينها في الأصول.
حوار الأديان
ـ يرى الكثيرون أن الحوار مع الغرب لم يقدم شيئاً للإسلام، ومازلنا متهمين بالإرهاب وبما أنك رئيس للجنة حوار الأديان بالأزهر كيف نغير الصورة من خلال الحوار؟
- إن موضوع الحوار الإسلامي المسيحي لابد وأن يكون متسما بالصراحة والوضوح حتى يصل إلى غاية منشودة ونتائج إيجابية تعود على الأمة الإسلامية والمسيحية بالخير والأمن، أما موضوع ومقاصد الحوار مع غير المسلمين فتحكمه ثوابت الإسلام وأصوله وقيمه فكل موضوع أو مقصد أو غاية تتعارض مع قيم الإسلام فهو مرفوض ابتداء ومحظور شرعا ولا ينبغي لأي مسلم أن يخوض فيه إلا من اضطر وقلبه مطمئن بالإيمان والقرآن الذي وضع لنا نحن المسلمين آدابا وقيما للتعامل مع أهل الكتاب والتحاور معهم والتعايش معهم، وقد رسم لنا رسولنا صلوات الله وسلامه عليه غاياته، وبين يدي هذا الأمر لابد من التنويه بكل موضوعية عما يلي:
ولابد أن نضع في اعتبارنا أن أتباع كل دين يعتقدون أن من حقهم العمل على نشر معتقداتهم وتوسيع دائرة المؤمنين بها لإيمانهم بأن ذلك واجب ديني يلزمهم بذل الجهد واتخاذ الوسائل المناسبة والممكنة لتحقيق هذه المهمة المقدسة لديهم، ويرى بعض أتباع الأديان من المؤمنين بأهمية الحوار على أنه وسيلة من الوسائل الحكيمة والذكية لتعريف الآخر بقيمهم الدينية وترغيبه بها.
إن نزعة الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات آخذة بالاتساع على حساب نزعة الصراع والصدام بين الأمم لما أفرزه الصراع من مخاطر ومفاسد بشرية وبيئية، إن جهات كثيرة لدى كل طرف لا تزال تنظر إلى الحوار بعين الريبة والتخوف وترى فيه نوعا من أنواع الحروب الباردة ولكن بوسائل أخرى تقضي في النهاية لهيمنة ديانة ما أو ثقافة ما أو حضارة ما على حساب الآخر وإلغائه وإلغاء قيمه الدينية والحضارية.
يقابل ذلك تيار عالمي كبير يرى أنه نتيجة لتجارب الأمم المريرة المدمرة التاريخية منها والمعاصرة مع منهجية الصراع والحروب قد بعثت اقتناعا جاداً لدى الكثير من عقلاء العالم وحكمائه بأن الحوار والجلوس إلى الآخر وتفهم مصالحه وخصوصياته الدينية والثقافية والحضارية ومن ثم يسعي لإيجاد معايير مشتركة موضوعية جادة وعادلة لإمكانية توفير تعايش بشري كريم هو الأصلح والأنفع لحياة إنسانية آمنة ينعم بها الجميع لذا فإنهم ينظرون إلى الحوار بعين الارتياح ويتعاملون معه على أنه منطلق صادق ومنهجية جادة لترشيد وتصحيح العلاقات البشرية المضطربة والمتضادة.
ويرى البعض في الجانب الإسلامي أن الحوار عند الآخر يأتي في سياق استراتيجية متكاملة فهو يمارس الحوار برؤى وآليات وضوابط متسقة تخدم أهدافه وغاياته بكل جدارة وموضوعية بينما الطرف الإسلامي المحاور لا يزال يتعامل مع الحوار بعفوية وهذا يتطلب ترتيب البيت من الداخل ووضع استراتيجية من قيمنا الدينية وهويتنا.
كما يرى البعض أن الطرف الآخر المحاور يستند إلى مرجعية دينية وسياسية محددة تملك كامل الصلاحية فيما تقرره وهي تتحاور مع الآخر، بينما الجهات أو الأطراف الإسلامية المحاورة فإنها تفتقر إلى المرجعية الدينية الموحدة مثلما تفتقر إلى المرجعية السياسية لذا فإنها لا تملك صلاحية القرار النافذ فيما تريده أو ترفضه وهي تتعامل وتتحاور مع الآخر، لذا يرون السعي لإيجاد شكل من أشكال المرجعية الدينية الموحدة وكذلك السعي لتأكيد أهمية المرجعية السياسية في تبني الحوار وتيسير مهامه، وأنه بغير ذلك يبقى الجهد المبذول في ميادين الحوار ضربا من ضروب العبث .
ـانتقد البعض تجديد المناهج الأزهرية فكيف ترى ذلك؟
- كل تعديل أو تطوير يجري في المناهج هو لمصلحة الطالب وليس لمصلحة أية جهة أخرى لأن الطالب هو العمود الفقري وهو الهدف النهائي للعملية التعليمية والأزهر بمناهجه لا يقف جامدا أمام متغيرات العصر بل لابد أن تواكب هذه المناهج تلك المتطلبات وطالب الأزهر جزء من مجتمعه فلابد أن يساير التطور الذي يحدث في المجتمع من وسائل التكنولوجيا الحديثة ومراعاة جودة التعليم التي تطبق في المناهج التعليمية في المؤسسات التعليمية الأخرى.
الدعاة الجدد
ـ كيف ترى تأثير ما يطلق عليهم الدعاة الجدد على الدعوة الإسلامية حالياً؟
- لقد أصبحنا في زمن القابض على دينه كالقابض على الجمر وصار الجهل مشهوراً والعلم كأن لم يكن شيئاً مذكوراً، ونشأت قلة من المرائين الذين يدعون العلم فراحوا يرغبون إلى الناس ما يروق لهم من معلومات مشوهة وأحاديث ملفقة بل ذهب بعضهم لتصنيف كتب في الفتاوى جمعوا فيها ما يجدون من الأقوال الضعيفة، لا يميزون فيها بين الغث والسمين فهم كحاطب الليل.
وقد شاعت هذه الفتاوى بين الناس فأقبلوا عليها لأنهم وجدوا فيها ما يوافق أهواءهم ويلاءم طباعهم ولكن هيهات هيهات فقد شاءت إرادة الله جلت قدرته وتعالت عظمته، أن يهيئ لكل أمة من الأمم من يحفظ لها أمر دينها ويدفع عنها كيد المبطلين ويبعث فيها روح الإيمان والحق ويهديها إلى الطريق المستقيم وينهض بها إلى الحياة القويمة المستمدة من الكتب السماوية على يد علمائها الراسخين الذين يملكون فصل الخطاب ويميزون القشر من اللباب ويستطيعون تبيين الصحيح من السقيم ويؤيدون الحق بالدلائل والبراهين وهؤلاء هم الذين قال فيهم ربهم (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وفي آية أخرى يقول:
(هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب)، أي العلم النافع فقد حازوا بذلك أفضل مكتسب وأكرم منتسب وأشرف ذخيرة وأعظم وسيلة وأطيب ثمرة، وأطالب هؤلاء الدعاة الجدد بتقوى الله تعالى، وعدم الخوض فيما لا يعلمون وترك الفقه وأمر الدين للعلماء.
فإن أمر الدين خطير وعظيم من أجل هذا حرم الله القول فيه بغير علم بل وجعله في المرتبة العليا من التحريم حيث قال سبحانه وتعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) وقوله تعالى أيضاً: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)، ففي الآية الأولي رتب الله الحكيم في تشريعه: المحرمات بادئا بأخفها الفواحش ثم مبينا ما هو أشد الإثم والظلم ثم بكبيرها (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) وهذا عام في القول في ذات الله وصفاته ودينه وتشريعه.
ـ ما هو الدور المنوط بالأقليات المسلمة في الغرب خاصة مع كثرة الاعتداءات على المسلمين ومحاولة تشويه المقدسات الإسلامية؟
- إن قضية الأقليات المسلمة في الغرب على رأس ما يشغل بال المسلمين ويتعلق الأمر بوضعهم حين يكونون أقلية في مجتمع أوروبي، كما هو الشأن بالنسبة للجالية الإسلامية التي تعيش في أوروبا والتي اتخذت هذا البلد وطنا لها بعد أن تهيأ لأفرادها جميع ظروف العلم والعيش والاستقرار بسهولة حينا وبصعوبة أحيانا كثيرة،على الرغم مما تثيره الهجرة اليوم من مشاكل، وأود أن أوضح أن التشريعات والأحكام الفقهية الإسلامية غير ثابتة ولا جامدة.
وأنها قابلة في حدود سعتها للتكيف مع الزمان والمكان والواقع الاجتماعي المتغير، كما أود أن استحضر تسامح الإسلام ومرونته ومعايشته لغيره، وتبلور ذلك في مظاهر كثيرة أبرزها حرية الدين وتعدده في مجتمعات إسلامية يمثل فيها غير المسلمين أقلية. على ضوء هذا يمكن النظر إلى الوضع العكسي الذي يكون فيه المسلمون أقلية كما هو الحال بالنسبة لوجودهم في أوروبا بدون تمييز لأصلهم أو جنسهم أو دينهم وأنها تحترم جميع المعتقدات.
ويمكن القول منذ البدء بأنه مادامت هذه الأقليات تستطيع أن تمارس طقوس دينها في هذه البلدان فالطريق ممهد لتجاوز كل العقبات وحل جميع المشكلات التي تكون متصلة بوسائل تنظيم هذه الممارسة وضبط المقتضيات المرتبطة بها.
ولعل أول التباس ينبغي إزالته هو المتعلق بالمصطلح الذي أطلقه الفقهاء على البلاد غير الإسلامية حين نعتوها بـ «دار الحرب» مقابل دار السلام التي يعنون بها بلاد الإسلام وأن أصبح أمر الحربية معكوسا في الظرفية الراهنة، وعلى الرغم من أن المجال لا يسمح لي بالتوسع في هذه المسألة التي لا يخفي أساسها التاريخي فإنه يمكنني القول بأنه لم يعد اليوم مجالاَ لاستعمال مصطلح دار الحرب لأسباب كثيرة يكفي أن أذكر منها ثلاثة:
أولها: أن الأصل في علاقة المسلمين مع غيرهم هو السلم.
والثاني: أن الإسلام على الرغم من المعاناة الظاهرة والخفية لمعتنقيه ليس في حرب مع هذه الدار التي لمعظمها اليوم مع الدول الإسلامية مواثيق صداقة وتعاون وشراكة. والثالث: أن المسلمين فيها سواء أكانوا مواطنين أم مجرد مهاجرين مسموح لهم بأن يمارسوا فيها شعائر دينهم وميسر لهم فيها ولو إلى حد يتعايش مع دين الأكثرية أو غيره من ديانات الأقليات الأخرى.