كان عاملاً بسيطاً يعمل في إحدى صالات المطاعم التي تقدم وجبات خفيفة للآسيويين وكان يقضي في عمله أكثر من اثنتي عشرة ساعة يعود بعدها إلى سريره البسيط في غرفة متواضعة تشكو جور الزمان عليها، وكان ينظر دائماً إلى سقف الغرفة المتهالك وإلى جدرانها المتصدعة.

حيث عمد هو وزملاؤه الـ «14»، لأن يُغطوا تلك التصدعات بصور لممثلات معروفات في بلاده، كانت الغرفة مزدحمة بالساكنين الـ «14» فهناك من كان ينام على الأرض وآخرون أكثر حظاً كانوا ينامون على أسرة من دورين، كان «ك» ينظر إلى ما حوله ويشعر بالأسى، لكنه كان يقول في نفسه رغم تلك الظروف القاسية فإنني على الأقل أجد في نهاية اليوم مكاناً أنام فيه ومبلغاً من المال لا بأس به.

الكمبيوتر يدخل الغرفة

في أحد الأيام جاء أحد ساكني الغرفة بجهاز كمبيوتر كان الهدف منه هو التدرب عليه لعل ذلك يساعده على إيجاد وظيفة، ولقد أصاب الجهاز بتقنيات الانترنت «ك» بالذهول لذا قرر أن يعرف كل الخبايا فيه حتى لو اضطر لأن يدفع جزءاً من المال مقابل ذلك، وفعلاً وبعد أشهر عدة من المحاولات استطاع «ك» أن يستخدم جهاز الكمبيوتر وأن يدخل إلى غرف الدردشة، كان يركز في حديثه أثناء البحث على الفتيات، فقد كان محروماً من أية علاقة عاطفية في حياته.

رغم أن عمره تجاوز الـ «26» عاماً لذا وجد في غرف الدردشة متنفساً لكل ما لديه من كبت عاطفي عانى منه الكثير في حياته. كان «ك» عندما يُعرف نفسه للفتيات والنساء اللواتي يلتقي معهن في غرف الدردشة على أنه مهندس الكترونيات وأنه يعمل في شركة كبيرة وبمرتب كبير لكن خداعه هذا لم يستمر طويلاً فقد كانت الفتيات اللواتي يتحدث معهن يطلبن منه أن يثبت فعلاً أنه يتمتع بتلك المواصفات.

حيث كن يطلبن اسم الشركة التي يعمل فيها ورقم هاتفها حتى يتصلن به هناك وعندما يجد نفسه محاصراً بتلك الأسئلة كان يعمد إلى إنهاء الحوار وعدم العودة إلى هؤلاء الفتيات مرة ثانية، أصبح «ك» مدمناً على غرف الدردشة وكان يتلذذ بسماع الإطراء من النساء حتى أن كلماتهن كانت تنسيه وضعه المادي الصعب وغرفة سكنه المتهالكة وساعات عمله الطوال.

لكن المشكلة التي كان يواجهها «ك» هي كيف يمكن أن يكون صداقة مع امرأة ويلتقي بها كما يفعل أبطال الأفلام التي يراها، لقد كان محبطاً من هذه العقبة لكنه استمر في محاولاته المستميتة وأصبح يقضي أمام غرف الدردشة ساعات طوال حتى أنه فقد عمله الذي يعتاش منه لكنه ورغم ذلك لم يغضب كثيراً فقد أصبح هدفه الأسمى هو الوصول إلى أية امرأة ليقيم معها علاقة ولم يكن له سبيل لتحقيق هذا الهدف إلا غرف الدردشة.

الصيد الثمين

في إحدى الليالي بينما كان (ك) يمارس هوايته، التقى بفتاة عَرفت بنفسها على أنها (س) وكالعادة بدأ (ك) يتكلم لها عن نفسه، وعن مركزه الاجتماعي والمالي المرموق مدعياً هذه المرة أنه مدير لشركة كبيرة تعمل في إحدى المناطق الحرة، وقال أيضاً انه اعتاد أن يدخل غرف الدردشة ليتسلى مع بعض الأصدقاء، وليهرب من حالة الحزن التي يعيشها بعد أن فقد أمه، خاصة وأنه يعيش وحيداً في فيللا كبيرة ولا أحد يؤانسه.

وجد (ك) تجاوباً من (س) التي طلبت منه أن يتحلى بالصبر واقترحت عليه للخروج من أزمته النفسية بعد أن فقد والدته أن يسافر إلى إحدى الدول الأوروبية ليروّح عن نفسه، أخبر (ك) صديقته (س) بأنه مقتنع برأيها وأنه قرر أن يسافر لبضعة أيام إلى السويد حيث يعيش عمه هناك وفعلاً ولكي تنطلي عليها الحيلة لم يعد يلاقيها في غرف الدردشة وكأنه سافر وانشغل مع عمه. بعد نحو أسبوع عاود (ك) الحديث مع (س) من جديد شاكراً لها اقتراحها عليه بالسفر وطالباً منها لقاءه ليقدم لها هدية أحضرها خصيصاً لها من العاصمة السويدية.

في البداية ترددت (س) في الموافقة على لقائه لكنه أقنعها بأنه لا يريد من وراء هذا اللقاء سوى أن يشكرها وأن يقدم لها الهدية وهذا كل شيء ولكي يقنعها بصدق نيته اقترح عليها أن يلتقيا في أحد المراكز التجارية أمام الناس وليس في شركته. وجدت (س) بأن الأمر معقول فأعطته رقم هاتفها النقال وكذلك فعل هو واتفقا على موعد محدد، وفي الموعد جاء (ك) ومعه الهدية.

وكذلك (س) واستطاعا أن يتعارفا على بعضهما البعض من خلال الملابس التي وصفها كل واحد منهما للآخر، عندما التقى (ك) بـ (س) فوجئ بأنها فتاة صغيرة وعندما سألها عن عمرها أخبرته بأن عمرها (10) سنوات وثمانية أشهر، ورغم أن (ك) أصيب بشيء من الإحباط إلا أنه في الوقت ذاته اطمأن إلى أن عمرها الصغير سيساعده في السيطرة عليها خاصة وأن عمره يتجاوز الـ (26) عاماً.

استمر اللقاء الأول بينهما لدقائق حاول خلالها (ك) أن يظهر اهتماماً كبيراً بها وهذا بدوره شجعها على معاودة الحديث معه مرة ثانية بعد أن عادت إلى بيتها، استمرت العلاقة بين (س) و(ك) عبر الهاتف النقال وغرف الدردشة لأكثر من أربعة أشهر تمكن خلالها (ك) من أن يسيطر عليها عاطفياً ونفسياً لذا ارتبط الاثنان معاً بطريقة كبيرة. في أحد الأيام طلب (ك) أن يلتقي بـ (س).

وفعلاً وافقت على ذلك وتم تحديد أحد الشواطئ لهذا اللقاء بقيت (س) مع (ك) حتى ساعة متأخرة من الليل وعندما كانت أمها تتصل بها وتسألها أين هي كانت تقول لها بأنها مع صديقتها في أحد المراكز التجارية وأنها ستعود حالاً، في هذه الأثناء تمكن (ك) من إقناع (س) بأنه يريد الزواج منها وأنه يرغب في التقدم إلى طلب يدها ولكنه يواجه بعض المشاكل المادية في الشركة وأن هذه المشاكل ستنتهي قريباً.

وفي غفلة من الزمن انفرد (ك) بـ (س) واعتدى عليها، أصيبت (س) بصدمة فهي لا تدري كيف حدث ذلك؟ عادت (س) إلى بيتها وهي لا تستطيع أن تتكلم فما كان منها إلا أن ذهبت إلى السرير ونامت، كان والد (س) من الأثرياء فهو يمتلك فيللا ضخمة من دورين، ولهذا كان يسهل على (س) الابتعاد عن أعين والديها، في أية غرفة من غرف الفيللا الكبيرة، استطاعت (س) أن تمتص الصدمة وبدأت تكثف من اتصالاتها بـ (ك) حتى يتقدم إلى والدها طالباً يدها.

لكن (ك) كان دائماً يجد الأعذار التي كان عقل (س) يتقبلها نتيجة لصغر سنها وقلة خبرتها في الحياة، في هذه الأثناء بدأ (ك) يفكر كيف يستفيد من الوضع المادي لوالد (س)، فبدأ يطلب منها بعض المبالغ البسيطة بحجة أنه نسي محفظته في الشركة أو في السيارة .. إلخ.

كانت (س) تعطيه كل ما يطلب في الوقت الذي استمر في علاقته الآثمة معها بحجة أنه يريد أن يختبر حبها له مدعياً أنه إذا سلمته نفسها كل مرة فإنها بذلك تثبت أنها تحبه.

نهاية اللعبة

بدأ (ك) يتمادى في طلباته المالية وعندما كانت (س) تعجز عن تدبيرها كان يطلب منها أن تحضر له أية قطعة ذهبية من والدتها (مثل خاتم أو سوار أو «انسيال» .. الخ) كانت (س) تستجيب لكل طلباته ورغباته وكأنها منومة مغناطيسياً، لكنها بدأت تشعر بالقلق ولم تعد قادرة على تلبية طلباته المادية والجسدية وعندما حاولت أن تفاتح أحداً من أهلها ليحاول إرشادها إلى الطريق الصحيح كانت تتراجع قبل أن تقول شيئاً خوفاً مما سيلحق بها من أذى.

كانت (س) تمر في لحظات من الجنون حتى أنها لم تعد قادرة على التركيز في دروسها، لاحظت والدتها التغير في حالتها وعندما كانت تسألها عن سبب ذلك لم تعطها جواباً شافياً، استمر (ك) في ملاحقتها حتى أصبح يأتي إلى بيتها بحجة أنه قريب لإحدى الخادمات في الفيللا في إحدى الليالي كانت أسرة (س) مدعوة إلى حفلة في أحد الفنادق.

وعندما حاولت الأسرة أخذ (س) معها رفضت ذلك بحجة أنها مشغولة في مذاكرة دروسها، بعد ذهاب الأسرة إلى الحفلة بحوالي نصف ساعة جاء (ك) كعادته إلى الفيللا ودخل من الباب الخلفي وبعد دخوله بحوالي خمس دقائق دخل والد (س) إلى الفيللا حيث كان قد نسي شيئاً فعاد لأخذه، تفاجأ الأب بوجود شخص غريب مع ابنته، وعندما سألها عنه أخبرته بأنه أحد أفراد الصيانة.

حيث جاء للكشف على مفتاح الكهرباء بعد أن أخرج شرارات عدة كادت تحرق الفيللا، ترك الأب الرجل في الصالة بعد أن طلب منه أن يتفقد جميع مفاتيح الكهرباء في الفيللا ثم صعد الأب إلى الدور الثاني لإحضار بعض الأشياء التي جاء من أجلها، ولكن عندما التفت من النافذة وجد بأن الرجل الذي كان مع ابنته يهرب مسرعاً باتجاه الشارع.

أحس والد (س) بأن في الأمر شيئاً مريباً لذا ذهب إلى حيث غرفة ابنته حيث وجدها تبكي، هنا أصر الأب على معرفة الأمر، عندها لم تجد (س) بداً من قول الحقيقة، وقع الخبر كالصاعقة على رأس الأب الذي أخذ ابنته إلى الشرطة حيث قصت على الضابط حكايتها مع (ك) وكيف قام باغتصابها وابتزازها مادياً بعد ذلك، حتى أنه كان يطلب منها أن تسرق بعضاً من ذهب أمها وتعطيه له، طلب الضابط من (س) الا تخبر (ك) بما حصل حتى لا يهرب من العدالة وفي الليل حاولت (س) الاتصال بـ (ك).

إلا أنها وجدت هاتفه مغلقاً وفي اليوم الثاني حاولت وكذلك في اليوم الثالث إلا أن كل محاولاتها باءت بالفشل فقد كان هاتف (ك) النقال مغلقاً بعد أسبوع من المحاولات رد الهاتف كان (ك) حذراً في كلامه مع (س) التي عاتبته كثيراً على غيابه، وعندما سألها عن ردة فعل والدها أخبرته بأن والدها لم يعرف شيئاً وعلى الفور طلبت منه موعداً في أحد المراكز التجارية تردد (ك) في قبول الدعوة.

وأخيراً قبلها على مضض فقد كان خائفاً من أن تكون (س) قد أخبرت والدها بشيء التقت (س) بـ (ك) في الموعد المحدد وتعاملت معه وكأن شيئاً لم يحدث، وفي هذه الأثناء كانت أعين الشرطة تراقب (ك) عن قرب وتم التعرف عليه عن كثب. كانت الخطة تقضي باستدراج (ك) إلى فيللا (س).

وهذا ما حدث فعلاً حيث طلبت (س) من (ك) الحضور إلى بيتها في مساء اليوم التالي، اطمأن (ك) إلى أن (س) لم تخبر أحداً وهنا قرر أن يقوم (بخبطة) العمر حيث قرر أن يطلب من (س) أن تحضر له ذهب أمها كله وبعدها يفر هارباً إلى بلاده، في الموعد المحدد جاء (ك) من الباب الخلفي للفيللا ودخل من باب الخدم وتسلل إلى الصالة.

ثم إلى غرفة (س) التي أخبرته بأن أحداً غير موجود في الفيللا حتى الخدم، لم يشأ (ك) ان يضيع وقتاً فقد حاول أن يعرف من (س) أين تضع أمها ذهبها، عندما رفضت (س) إخباره بذلك وبدأت تذكره بوعوده لها وأنه سيتقدم لطلب يدها صفعها على وجهها وأخرج سكيناً ووضعها على رقبتها قائلاً لها إذا لم ترشديني إلى مكان الذهب سأقتلك.

لكن (س) رفضت ذلك واصفة إياه بالجبان والسارق فقال لها ليس لدي وقتاً أضيعه معك فإما أن آخذ الذهب وإلا سأغرس هذه السكين في رقبتك، عندها بدأت (س) بالصراخ، فما كان من (ك) إلا ورفع السكين وهوى بها عليها فأصابها في كتفها وبدأ الدم غزيراً ينزف منها.

في هذه الأثناء انقض أحد رجال الأمن على (ك) محاولاً الإمساك به فما كان من (ك) إلا أن عاجله بطعنة في يده أدت إلى إصابته بشكل مباشر.

حاول آخرون من رجال الأمن الإمساك بـ (ك) والسيطرة عليه إلا أنه اندفع نحو (س) ممسكاً بها ومهدداً بقتلها إن لم يسمحوا له بالخروج، كانت (س) في حالة سيئة فقد بدأ الدم يتدفق بشكل غزير من جسدها وأصبح من الضروري نقلها إلى المستشفى لذا قرروا الرضوخ لمطالب (ك) والسماح له بالخروج. خرج (ك) وهو ممسك بـ (س) حتى وصل إلى الشارع العام وبعد ذلك تركها وفر هارباً.

بدأ رجال الأمن يطاردونه لكنه اختفى بين الفلل مستغلاً عتمة الليل والشوارع الخلفية الضيقة في أثناء المطاردة شاهده أحد رجال الأمن فطلب منه أن يتوقف لكن (ك) رفض ذلك وحاول تسلق سور إحدى الفلل في هذه الأثناء كان رجل الأمن أمسك به، لكن (ك) عاجله بطعنة بالسكين في صدره، وفر من المكان.

أمسك رجل الأمن بالجرح حتى لا يسمح للدم بالتدفق خارجاً عندها شاهد (ك) يركض مبتعداً عن المكان أخرج رجل الأمن مسدسه وصوبه نحو ساقي (ك) وفي لحظة سقط (ك) على الأرض بعد أن اخترقت رصاصة فخذه الأيسر.

ثم نقل (ك) و(س) ورجل الأمن إلى المستشفى ذاته وأدخلوا جميعاً غرف العمليات ولكن كل واحد دخل لسبب مختلف.

إعداد ـ أحمد سلطان